خفض المرتبات في ليبيا: هروب من جوهر الأزمة أم إصلاح مزعوم؟
ليبيا 24
القماطي يفضح جوهر الأزمة: ليبيا دولة غنية وشعبها يُعاقَب على غناها… وخفض المرتبات هروب من مواجهة الفساد لا إصلاح اقتصادي
في وقتٍ تتصاعد فيه موجات التضخم وتتراجع فيه القدرة الشرائية للمواطن الليبي يوماً بعد يوم، يطرح رئيس قسم الاقتصاد في جامعة بنغازي، حلمي القماطي، تساؤلاتٍ جوهريةً حول جدوى السياسات المالية والنقدية التي تتبناها حكومة الدبيبة منتهية الولاية، والتي تختزل أزمة البلاد الاقتصادية الخانقة في بندٍ واحدٍ هو المرتبات، وتسعى إلى وضع جدولٍ موحّدٍ لخفضها، في خطوةٍ يرى مراقبون أنها تفتقر إلى أدنى مقومات الإصلاح الحقيقي.
المرتبات ليست المشكلة… بل المنظومة برمتها
يشير القماطي في تحليله إلى أن اختزال الأزمة الليبية في بند المرتبات، في وقتٍ تعاني فيه البلاد من تضخمٍ متصاعدٍ واختلالاتٍ نقديةٍ وماليةٍ وتراجعٍ في القوة الشرائية وارتفاعٍ مستمرٍ في تكاليف المعيشة، ليس إصلاحاً اقتصادياً بقدر ما هو هروبٌ من جوهر المشكلة.
ويتساءل: كيف يكون خفض دخول المواطنين هو أول ما يُفكَّر فيه، بينما لم تُعالَج جذور الاختلال في المالية العامة، ولم تُضبط أبواب الإنفاق، ولم تُوحَّد المؤسسات، ولم تُفعَّل الرقابة على الإيرادات والمصروفات، ولم تُواجَه مظاهر فساد المسؤولين وشبكات المصالح والهدر والفساد المرتبطين بمنظومة الاعتمادات؟
ويحذّر من أن خفض المرتبات في اقتصادٍ يعيش موجة تضخمية يعني مزيداً من الضغط على القوة الشرائية، وتراجعاً في مستوى المعيشة، وتوسيعاً لدائرة الفقر، دون أن يكون ذلك ضمانةً لإصلاح العجز أو معالجة مكامن الهدر والفساد.
دعوة صريحة: استشيروا الاقتصاديين الحقيقيين
في نداءٍ مباشرٍ موجهٍ للإدارة المالية والنقدية، يحثّ القماطي المسؤولين على استشارة الاقتصاديين الحقيقيين والذهاب إليهم، لا انتظارهم في المكاتب، لأنهم لن يأتوا. ويشرح الفارق الجوهري بين من يقف أمام مكتب المسؤول فيرى الاقتصاد من زاوية المكتب الضيقة، وبين الاقتصادي الحقيقي الذي يراه من زاوية الوطن والمواطن والأرقام والمستقبل.
ويشدّد على أن ليبيا لا تعاني من نقصٍ في العقول، وإنما تعاني من تهميش العقول، بينما تُترك القرارات الاقتصادية رهينةً للمصالح واللوبيات.
ويدعو إلى عدم معالجة فساد المنظومة بعقوبةٍ على المواطن، بل بإصلاح الإنفاق، ومواجهة الفساد، وضبط الاعتمادات، وحماية قيمة الدينار، ومن ثم محاسبة الأرقام، لأن خفض المرتبات أسهل القرارات، أما إصلاح الدولة ومواجهة الفساد فهما اختبار العقل والشجاعة.
دولة غنية… وشعب يُعاقَب على غناها
يضع القماطي المشهد الليبي في إطارٍ مفارقٍ وصادم: نفطٌ موجود لكن البنزين مفقود، أموالٌ موجودة لكن السيولة شحيحة، مؤسساتٌ رقابيةٌ موجودة والفساد يتمدد، مجالس وحكومات ومؤسسات كثيرة، لكن الدولة عاجزة عن توفير أبسط حقوق المواطن.
ويؤكد أن المشكلة لم تعد فساد أفراد، بل فسادٌ تسلل إلى أروقة مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والإدارية، حتى أصبح النفوذ والمصلحة والمحاصصة أقوى من القانون.
فتتحولت الثروة من نعمةٍ إلى نقمة، وتحول المال العام من وسيلةٍ لبناء الدولة إلى غنيمةٍ تتصارع عليها مراكز النفوذ.
والنتيجة، كما يصفها، تضخمٌ وانهيارٌ في القوة الشرائية، وفقرٌ وبطالة، وكهرباء متعثرة، وخدمات متدهورة، وطرقٌ لا تليق بدولةٍ نفطية. ليبيا تمتلك الثروة لكن نهبت ثمارها، وبلادنا لا تعاني من نقص المؤسسات بل من غياب دولةٍ تحاسب المؤسسات والمسؤولين.
الإصلاح يبدأ عندما يصبح القانون أقوى من المسؤول
يحدد القماطي نقطة البداية الحقيقية للإصلاح: عندما يصبح القانون أقوى من المسؤول، والرقابة أقوى من النفوذ، والمال العام ملكاً للشعب لا غنيمةً للسلطة. ويصف الصدمة الحقيقية بأن المواطن الليبي لا يعيش في دولةٍ فقيرة، بل يعيش في دولةٍ غنية لكن ثروتها لا تكفيه لأن جزءاً منها يُستنزف قبل أن يصل إليه.
ويختم تحليله بسؤالٍ مركزي: المشكلة ليست أين النفط؟ المشكلة من يقف بين النفط والشعب.



