فضيحة المليار.. تقرير المركزي يكشف 900 مليون دولار فارقاً في توريد المحروقات… و«ونيس» يفضح انهيار الوطنية للنفط
ونيس: الوطنية للنفط تعاني اختلالات مركبة... وعوائد التصدير لا تصل كاملة إلى المركزي

ليبيا 24
بين قصور التشغيل وفراغ الرقابة وتهريب الوقود… أزمة الطاقة تتفاقم والمواطن يدفع الثمن
الوطنية للنفط تحت المجهر: 900 مليون دولار فارقاً في توريد المحروقات وانهيار منظومة الرقابة
في تطور يكشف عمق الأزمة التي تعيشها المؤسسة الوطنية للنفط، كشف عضو مجلس الدولة الاستشاري سعيد ونيس عن اختلالات جوهرية تضرب أهم مؤسسة اقتصادية في ليبيا، مشيراً إلى وجود فارق يبلغ 900 مليون دولار في توريد المحروقات، في وقت تتصاعد فيه الأزمة بشكل ينذر بعواقب وخيمة على الاقتصاد الوطني ومعيشة المواطن الليبي.
اختلالات مركبة تهدد عصب الاقتصاد
أوضح ونيس في تصريحات تلفزيونية تابعتها قناة ليبيا 24، أن المؤسسة الوطنية للنفط، التي توصف بأنها المؤسسة الوحيدة الموحدة على مستوى ليبيا، تعاني من “أزمة مركبة تشغيلية وإدارية وأزمة في حجم المسؤولية الملقاة عليها”. وأشار إلى أن الاختلال الأول يتمثل في “قصور في المؤسسات التشغيلية وهي منعدمة بشكل كامل”، محذراً من أن “حجم التعيينات المهول يؤثر على تكلفة إنتاج البرميل”.
هذه التصريحات تكشف عن خلل بنيوي في إدارة الثروة النفطية، حيث باتت التكاليف تتضخم دون رقابة حقيقية، في ظل غياب المؤسسات التشغيلية الفاعلة التي يفترض أن تضبط إيقاع العمل وتحمي المال العام من الهدر.
عوائد التصدير… أين تذهب؟
المشكلة الثانية التي أثارها ونيس تمثل صلب الأزمة المالية في البلاد، حيث أكد أن “عوائد تصدير النفط لا تصل بالكامل إلى المصرف المركزي لأنها تمر عبر المصرف الخارجي”. هذا الأمر يثير تساؤلات جوهرية حول مسار الأموال التي يفترض أن تعود إلى خزينة الدولة لتمويل الخدمات الأساسية وتحسين حياة المواطن.
وتكمن الخطورة هنا في أن هذه العوائد، التي تمثل الشريان الوحيد للاقتصاد الليبي، تتعرض لاقتطاعات ومرور عبر قنوات قد لا تخضع للرقابة الكاملة، ما يعني ضياع جزء من حق الشعب الليبي في ثروته الوطنية.
فضيحة الدعم… 900 مليون دولار فارقاً
الكاتب والمحلل للأرقام كشف عن مفارقة صادمة، حيث أشار ونيس إلى أن “تقرير المصرف المركزي يقول إنه في فبراير 2026 تم توريد محروقات بقيمة 517 مليون دولار، بينما في يوليو تم التوريد بمليار و400 مليون”، مضيفاً: “لدينا 900 مليون دولار فارق في توريد المحروقات والأزمة تتصاعد”.
هذا الفارق الهائل يثير شكوكاً مشروعة حول عمليات التوريد والتوزيع، خاصة في ظل الحديث عن “الشراء المباشر للوقود” والكميات الضخمة التي يتم توريدها. فهل يتم التعامل مع هذه الأموال بشفافية؟ أم أن هناك وقائع تستدعي تحقيقاً عاجلاً؟
توزيع الوقود وثغرات التهريب
وفيما يتعلق بمنظومة التوزيع، أوضح ونيس أن “توزيع الوقود مهمة شركة البريقة، لكن الحقيقة أن التوريد مسؤولية المؤسسة والتوزيع مسؤولية شركات أخرى”. وحذر من أن “عدم ربط الحركات ببعضها يسبب فراغاً أو فرصة في موضوع التهريب ما بين الشركات غير المربوطة بالمؤسسة والموردين”.
هذه الثغرة الخطيرة تفتح الباب واسعاً أمام عمليات التهريب التي تستنزف الاقتصاد الوطني، وتضرب قدرة الدولة على توفير الوقود للمواطن بأسعار مدعومة، في وقت يعاني فيه الليبيون من أزمات متكررة في توفير المشتقات النفطية.
الانقسام السياسي… غطاء للفوضى
الأمر الأخطر الذي كشفه ونيس هو أن “الانقسام السياسي جعل المؤسسة الوطنية للنفط غير خاضعة بشكل مباشر للأجهزة الرقابية التابعة للسلطات”. هذا يعني أن المؤسسة التي تدير مليارات الدولارات تعمل في منطقة رمادية بعيدة عن أي مساءلة حقيقية، ما يفسح المجال أمام الفساد والمحسوبية والهدر.
في هذا السياق، يبرز دور حكومة عبد الحميد الدبيبة المنتهية الولاية، التي فشلت في فرض رقابة حقيقية على المؤسسة، بل يبدو أنها استفادت من هذا الفراغ لتكريس نفوذها وتعييناتها، على حساب مصالح المواطن الليبي الذي يدفع ثمن هذه السياسات من قوت يومه.
الكهرباء… الوجه الآخر للأزمة
ولم يغفل ونيس عن ربط أزمة الكهرباء بأزمة النفط، مشدداً على أن “شركة الكهرباء بها ممارسات خاطئة كأن يُصرف لمحطة أوباري كميات ضخمة من الوقود الثقيل بينما هي مصممة لتشغيلها بالغاز”. هذه الممارسات الخاطئة، إن صحت، تكشف عن سوء إدارة مزمن في قطاع حيوي، وتزيد من معاناة المواطن الذي يعاني من انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، خاصة في فصل الصيف.
المواطن… ضحية الصمت الرسمي
في خضم هذه الأزمة المتشابكة، يبقى المواطن الليبي هو الضحية الأكبر. فبينما تتكاثر التصريحات عن الاختلالات والفوارق المالية بمئات الملايين من الدولارات، لا يجد المواطن سوى طوابير الوقود ومعاناة انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار.
إن ما كشفه ونيس ليس مجرد أرقام، بل هو صرخة تحذير من انهيار وشيك في أهم قطاع اقتصادي في البلاد. والمطلوب اليوم، قبل الغد، هو تحرك عاجل لوقف هذا النزيف، ومحاسبة المسؤولين عن هذا الإرث الثقيل من الفساد وسوء الإدارة، وإعادة الثروة النفطية إلى مسارها الصحيح الذي يخدم الشعب الليبي أولاً وأخيراً.
فالمؤسسة الوطنية للنفط ليست ملكاً لحكومة أو جهة أو شخص، بل هي ملك لكل الليبيين، وحمايتها من العبث واجب وطني لا يقبل التأجيل.



