ليبيا

من يموّل الدولار بالدينار؟.. سؤال يرعب حكومة الدبيبة ويكشف عمق الأزمة الاقتصادية في ليبيا

ليبيا 24

خبراء اقتصاد: ليبيا تعيش “حالة لا اقتصاد”… نموذج حكومة منتهية الولاية يحوّل الريع إلى فوضى وتهريب

اقتصاد ليبيا: تناقضات نظام منتهي الولاية ونزيف موارد المواطن المكلوم

حين يختلط الجد بالهزل

في القرن الحادي والعشرين، وفي بلد يملك أكبر احتياطيات النفط في أفريقيا، يجد الليبي نفسه أمام مشهد اقتصادي عبثي: حكومة منتهية الولاية تدير أزمة الاعتمادات المستندية بمنطق المقايضة، وخبراء يتحدثون عن “حالة لا اقتصاد”، ومواطن يرى ثروة بلاده تتسرب عبر التهريب والفساد بينما يعاني نقص السيولة وارتفاع الأسعار.

هذا ليس سيناريو خياليًا، بل هو الواقع الذي وصفه الخبير الاقتصادي محمد أبوسنينة بأنه حالة اختلط فيها “الجد بالهزل”، واصفًا إياها بـ”حالة ألّا اقتصاد”، في منشور تفاعل معه نخبة من الخبراء ورجال الأعمال الليبيين.

أزمة الاعتمادات: حين يصبح الوصول للدولار ربحًا بحد ذاته

يطرح المهتم بالشأن الاقتصادي علاء محمود القزار حقيقة مرة: “من أكبر مصادر تمويل الاعتمادات في ليبيا كانت، في فترات كثيرة، الاعتمادات نفسها”. ويشرح أن الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق منذ عام 2014 جعلت التكلفة الفعلية للتمويل سالبة، بحيث يتحقق مكسب بملايين الدنانير قبل بيع أي بضاعة.

هذا الخلل البنيوي حوّل الحافز من التجارة والإنتاج إلى مجرد الوصول إلى العملة الأجنبية الأرخص، وهو ما يؤكده أبوسنينة حين يتساءل: “هل يعقل في القرن الحادي والعشرين أن هناك من يطالب بتوزيع دخل النفط على كل المواطنين ببيعه لهم كحصص بالسعر الرسمي؟”

لكن القزار يوضح أن هناك خلطًا بين فكرتين: فكرة القسائم السيادية التي يطرحها لا تعني توزيع دولارات كاش على المواطنين، بل منح كل أسرة ليبية حقًا شهريًا محددًا في شراء العملة الأجنبية بالسعر الرسمي، يكون قابلًا للتداول داخل منظومة مصرفية رسمية.

ويضرب مثالًا: لو خصصت لكل أسرة قسيمة تعادل 1500 دولار شهريًا، فيصبح الفرق بين السعر الرسمي وسعر السوق ملكًا للمواطن نفسه، وليس ربحًا استثنائيًا لمن نجح في الحصول على اعتماد.

ويشدد على أن “إلغاء الاعتمادات لا يلغي طلب الاقتصاد على العملة الأجنبية”، فليبيا تستورد الغذاء والدواء والمواد الخام، وإذا منعت الاستيراد المصرفي المنظم، فالطلب سيتحول إلى السوق الموازي أو التهريب.

من جانبه، يرى رجل الأعمال حسني بي أن ارتفاع مبيعات المركزي من النقد الأجنبي بالتزامن مع ارتفاع سعر السوق الموازية لا يعني أن السوق لا تخضع للعرض والطلب. ويشرح: “إذا كان الطلب على الدولار يرتفع بوتيرة أسرع بسبب توسع الإنفاق والسيولة، وفارق السعر، والمراجحة، والتوقعات، فمن الطبيعي أن يرتفع السعر رغم زيادة الكمية المعروضة”.

وهنا يختلف مع الدفاع عن سعر صرف إداري ثابت، قائلًا: “إذا كان الرسمي 6.350 بينما يُسعّر السوق عند 9 أو 10، فنحن لم نحافظ على قيمة الدينار؛ بل خلقنا سعرين وريعًا لمن يصل إلى السعر الأرخص”.

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن المصرف المركزي الليبي ضيّق الوصول إلى النقد الأجنبي وخفّض قيمة الدينار مرتين في أقل من عام (أبريل 2025 ويناير 2026) للسيطرة على الفجوة المتسعة بين سعر الصرف الرسمي والموازي، لكن الفجوة لا تزال كبيرة.

التناقضات الاقتصادية: عندما تنتج السياسات جرائم

يعدد أبوسنينة سلسلة من التناقضات الصارخة التي تمزق النسيج الاقتصادي الليبي. حرس المنشآت النفطية يغلق الحقول رغم أن مهمته الأساسية حمايتها، في وقت ترتفع فيه أسعار النفط العالمية، وليبيا هي المورد الوحيد للدخل. ويصل الدين العام إلى أكثر من 300 مليار دينار، وفقًا لما اعتمده مجلس النواب الليبي بقيمة 303 مليارات و441 مليون دينار حتى نهاية 2025.

وتنخفض إيرادات شركات الاتصالات العامة بنسبة 91% مقارنة بعام 2023 رغم احتكارها للسوق، فكيف تكون إيرادات قطاع كان يجني 4 مليارات دينار خلال ثمانية أشهر 31 مليون دينار فقط؟

ويضيف أن الحكومة تنشئ محطات كهرباء جديدة بينما المحطات القائمة لم تستنفد طاقاتها، والقدرة الإنتاجية المتاحة 8000 ميغاواط بينما الإنتاج الفعلي المستغل لا يتجاوز 7000 ميغاواط. وهذا هدر مضاعف للمال العام.

لكن أخطر هذه التناقضات ما يتعلق بضخ النقد الأجنبي: كلما أعلن المصرف المركزي بيع كميات أكبر من النقد الأجنبي، ارتفع سعره في السوق السوداء، وزادت الفجوة اتساعًا.

ويرد حسني بي على ذلك بأن السوق الموازية “ليست مثالية ولا سعرها مقدس، لكنها تبقى إشارة إلى أن الدولار الرسمي غير متاح بالكمية التي يطلبها السوق”.

أما أبوسنينة فيرى أن المعنيين لم يدركوا أنهم يتعاملون مع سوق لا تخضع لقوى العرض والطلب، بل تحكمها المضاربة والانتهازية والابتزاز.

فاتورة الأجور والدين العام: إنفاق بلا إنتاجية

يكشف أبوسنينة أن فاتورة الأجور والمرتبات ارتفعت بنسبة 263% بين عامي 2020 و2025، بينما بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال نفس الفترة 25.9% فقط.

هذا يعني تحول جزء متزايد من الإنفاق العام من الاستثمار والتنمية إلى الإنفاق الجاري، وتوقف تكوين رأس المال الثابت. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن الرواتب استحوذت على ما يقرب من 54% من إجمالي الإنفاق في 2025، بينما مثّلت الإعانات حوالي 25%.

ويطرح حلمي القماطي السؤال الأخطر: “من وين جت الدينارات اللي اشترت كل هالدولارات؟”

ويشرح أنه عندما تكون هناك اعتمادات وحوالات وبطاقات ونقد، لا بد من السؤال: كيف تمّت تغطيتها بالدينار داخل المصارف؟ ومن أين جاء هذا الدينار؟ هل هو ناتج عن نشاط اقتصادي حقيقي؟ أم عن توسّع في الائتمان؟ أم تدوير للسيولة؟ أم أموال من الاقتصاد الموازي؟ ويؤكد أن معرفة مصدر الدينار ستكشف أصل المشكلة، لا نتيجتها فقط.

تهريب الوقود: نزيف 6.7 مليار دولار سنويًا

لا يمكن فهم الأزمة الليبية دون التوقف عند تهريب الوقود المدعوم. تشير تقديرات منظمة “ذا سنتري” إلى أن ليبيا تخسر نحو 6.7 مليارات دولار سنويًا بسبب تهريب الوقود، وأن الخسائر التراكمية خلال الفترة 2022-2024 تجاوزت 20 مليار دولار.

وتؤكد مجلة “جون أفريك” أن نظام دعم الوقود “عزز نفوذ بعض العائلات” و”صبّ في مصلحة جهات أجنبية”، وأن كميات كبيرة من النفط الخام تهرب عبر القنوات الرسمية غالبًا بتواطؤ من السلطات.

ويرى أبوسنينة أن تكريس الاعتماد على استيراد المحروقات، بموجب اعتمادات وبالمقايضة، رغم العبء الذي تمثله على موارد الدولة، وعدم وضع تصنيع المحروقات محليًا كهدف استراتيجي، هو تناقض آخر يضاف إلى سلسلة التناقضات.

غياب النموذج: السبب الجذري لكل الأزمات

يختصر القماطي جوهر التناقضات في آلية سببية واحدة: غياب نموذج اقتصادي واضح + انقسام مؤسسي ← سياسات غير متسقة ← سوء تخصيص الموارد النفطية والنقد الأجنبي ← توسع الإنفاق الجاري والاستيراد على حساب الإنتاج ← ضعف الإنتاجية ← زيادة الطلب على النقد الأجنبي ← اتساع فجوة الصرف والتهريب والمضاربة ← ارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية ← ضغوط اجتماعية وسياسية ← مزيد من الإنفاق والدعم وضخ النقد الأجنبي ← إعادة إنتاج الاختلال.

ويؤكد أبوسنينة أن النظام الاقتصادي المتبع “يحفز الأفراد على ممارسة نشاطات تمثل تشوهات، وبعضها يمثل جرائم، عندما يجدونها أكثر ربحية من أي نشاط إنتاجي مشروع”.

ويقول حسني بي: “المشكلة ليست أن الناس يسيئون الاستجابة للسياسات؛ المشكلة أن السياسات نفسها تكافئ السلوك الذي نشكو منه. غيّر الحوافز، يتغير السلوك”.

المواطن الليبي: الضحية الأولى والوحيدة

في خضم هذه التناقضات، يبقى المواطن الليبي هو الضحية. فجوة سعر الصرف تتجاوز 47%، والتضخم صار ثنائي الحد، ومعدلات البطالة بين الشباب فوق 20%، ومعدلات الفقر ترتفع. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن وضع الرفاهية في ليبيا “أضعف مما يبرره وضعها النفطي”.

ويؤكد حلمي القماطي أن “جوهر أزمة ليبيا ليست أزمة موارد، بل أزمة إدارة موارد وغياب نموذج اقتصادي يحوّل الريع إلى إنتاج وتنمية مستدامة”. فما يحتاجه المواطن ليس حصصًا من الدولار، بل نظامًا اقتصاديًا عادلًا وشفافًا يعيد إليه كرامته ويضمن مستقبل أبنائه.

نحو إصلاح حقيقي أم مزيد من الدوران؟

يطرح حسني بي حزمة إصلاحات متزامنة: ضبط الإنفاق، وقف التمويل النقدي للعجز، تقليص فجوة سعر الصرف، استبدال دعم السلعة بدعم المواطن، إصلاح منظومة الأجور، تطوير التكرير والإنتاج، وفتح المجال الحقيقي للقطاع الخاص.

لكن أبوسنينة يحذر: في ظل نموذج اقتصادي “مأزوم ومرتبك”، فإن كل ما يُتخذ من سياسات وإجراءات ستكون نتائجه سلبية وتزيد الأمر سوءًا.

المشكلة ليست في نقص الموارد، بل في غياب الإرادة السياسية الحقيقية لبناء دولة مؤسسات.

وحتى ذلك الحين، سيظل الاقتصاد الليبي يدور في حلقة مفرغة من التناقضات، وسيبقى المواطن الليبي يدفع الثمن غاليًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى