ليبيا

موجة غلاء تضغط على الأسواق الليبية وتفاقم أعباء المعيشة

ارتفاع أسعار الغذاء واتساع فجوة الدولار يعيدان ملف الرقابة والاحتياطي الاستراتيجي إلى الواجهة

تتصاعد الضغوط المعيشية في ليبيا مع ارتفاع أسعار سلع غذائية أساسية، من الدقيق والزيت إلى البيض والحليب، بالتزامن مع زيادة أسعار الخبز في بعض المخابز، في مشهد يعكس اتساع التحديات أمام القدرة الشرائية للأسر، ويعيد طرح تساؤلات بشأن كفاءة الرقابة على الأسواق وقدرة السياسات الاقتصادية على احتواء موجة الغلاء.

وتأتي هذه الزيادات في ظل اتساع الفجوة بين سعري صرف الدولار في السوقين الرسمية والموازية، إذ بلغ السعر الرسمي 6.44 دنانير، مقابل 10.20 دنانير في السوق الموازية، بفارق 3.76 دنانير للدولار الواحد، وفق الأرقام الواردة في البيانات المتاحة. ويزيد هذا التفاوت من الضغوط المحتملة على تكلفة الاستيراد، خصوصاً في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لتلبية احتياجاته من السلع الغذائية والاستهلاكية.

زيادات متفاوتة تطاول السلع الأساسية

وتظهر مؤشرات الأسعار حجم الزيادة التي يتحملها المستهلكون، إذ ارتفع سعر عبوة زيت الطعام سعة 850 ملليلتراً من 12.5 ديناراً إلى 15 ديناراً، بزيادة 20%، فيما صعد سعر كيلة السميد من أربعة دنانير إلى خمسة، بنسبة 25%.

كما ارتفع سعر قنطار الدقيق من 350 إلى 400 دينار، بزيادة تقارب 14.3%، بينما قفز سعر طبق البيض، الذي يضم 30 بيضة، من 17 إلى 25 ديناراً، بزيادة تبلغ نحو 47.1%. وفي سياق متصل، ارتفع سعر علبة معجون الطماطم من 3.5 دنانير إلى 5.5 دنانير خلال أسبوع، وفق إفادات متسوقين، فيما بلغ سعر لتر الحليب 11 ديناراً.

وتشير هذه الأرقام إلى أن موجة الغلاء لا تقتصر على سلعة بعينها، بل تشمل مجموعة من المنتجات المرتبطة بالاستهلاك اليومي للأسر، ما يضاعف أثرها على ميزانيات ذوي الدخل المحدود، خصوصاً مع محدودية قدرة المستهلكين على تقليص الإنفاق على الاحتياجات الأساسية.

الخبز تحت ضغط تكاليف الإنتاج

وامتدت الزيادات إلى المخابز، إذ أفاد صاحب مخبز في طرابلس، علي بن سعيد، بأن سعر الرغيف الصغير وصل إلى دينار، والكبير إلى دينارين، فيما بلغ سعر الخبز الفرنسي ثلاثة دنانير ونصف الدينار.

وعزا بن سعيد ارتفاع الأسعار إلى زيادة تكاليف الدقيق والزيت المستخدمين في الإنتاج، مشيراً إلى صعوبة امتصاص المخابز لهذه الزيادات في ظل ارتفاع أسعار مستلزمات التشغيل.

غير أن مقارنة أسعار الخبز تتطلب مراعاة اختلاف الأوزان والأصناف بين المخابز، إذ تشير الإفادات إلى بيع رغيف يزن 50 غراماً مقابل 75 قرشاً، مقابل نحو دينارين لرغيف يزن 100 غرام في بعض المخابز. ويبرز ذلك أهمية توضيح الأوزان والأسعار المعتمدة للمستهلكين، بما يسمح بتقييم الزيادات بصورة دقيقة.

ولا تتوقف تداعيات ارتفاع أسعار الخبز عند زيادة الإنفاق اليومي، بل تمتد إلى أحد أهم مكونات الأمن الغذائي، نظراً إلى اعتماده الواسع ضمن الاستهلاك اليومي للأسر الليبية، ما يجعل استقرار أسعاره مرتبطاً مباشرة بالأوضاع المعيشية.

فجوة الصرف والرقابة على الأسواق

ويضع هذا التطور مسألة الرقابة في صدارة التحديات، لا باعتبارها أداة لضبط الأسعار فقط، بل أيضاً وسيلة للتحقق من أسباب الزيادات، والتمييز بين الارتفاعات المرتبطة بتكاليف الاستيراد والنقل والإنتاج، وتلك التي تستدعي التدخل لمنع الممارسات التجارية المخالفة.

كما أن اتساع الفجوة بين سعري الدولار الرسمي والموازي يمثل عاملاً ضاغطاً على بيئة الاستيراد، لكنه لا يكفي وحده لتفسير جميع الزيادات المسجلة؛ إذ يتطلب تحديد الأسباب بدقة توافر بيانات تفصيلية عن تكاليف التوريد وهوامش التداول ومستويات المخزون.

وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل الحاجة إلى تنسيق السياسات النقدية والتجارية والرقابية، بما يحد من انعكاس تقلبات سوق الصرف على أسعار السلع الأساسية، ويعزز وضوح آليات التسعير أمام المستهلكين.

التضخم يفاقم تآكل القدرة الشرائية

وتتزامن الزيادات مع تسارع معدل التضخم السنوي في ليبيا إلى 8.6% خلال الربع الأول من عام 2026، مقارنة بـ2.6% في الربع الأخير من عام 2025، وفق بيانات مؤشر أسعار المستهلك الصادرة عن مصلحة التعداد والإحصاء الحكومية.

ويعكس ارتفاع التضخم اتساع الضغوط السعرية، بينما تزداد صعوبة احتواء آثارها عندما لا تواكب دخول الأسر ارتفاع تكاليف الغذاء والاحتياجات اليومية. وفي هذه الحالة، لا تقتصر المشكلة على ارتفاع الأسعار في حد ذاته، بل تشمل تراجع الكميات التي يمكن للمستهلكين شراءها بالدخل نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى