إعادة هندسة منظومة الاستيراد عبر مناقصات عالمية موحدة.. هل تتحول ليبيا إلى قوة شرائية لإنهاء هدر مليارات الدولارات؟
عصر يشهر "مناقصاته العالمية" في وجه زمن الاعتمادات الفردية: خارطة إنقاذ لمليار دولار مهدر من جيب الليبي
ليبيا 24
وزير الاقتصاد السابق يقترح آلية مناقصات موحدة لاستيراد السلع الأساسية لإنهاء هدر العملة الصعبة.
عصر يدعو لوقف الاعتمادات الفردية واستبدالها باتحادات موردين ومناقصات عالمية لخفض فاتورة الاستيراد 25%.
في وقت تتخبط فيه البلاد تحت وطأة انقسام سياسي واقتصادي خانق، وتواجه فيه الحكومة المنتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة اتهامات متصاعدة بفقدان الشرعية وتبديد الموارد، خرج وزير الاقتصاد والصناعة السابق منير علي عصر بمقترح وصفه بأنه “مذكرة إصلاح” لآلية توريد السلع الأساسية، لا سيما القمح والسكر والزيت والأدوية.
المقترح، الذي نشره عبر صفحته على فيسبوك، لم يكن مجرد ملاحظة عابرة، بل جاء بمثابة تشريح دقيق لجسد إداري منهك، ووصفة تقنية لإنقاذ ما تبقى من سيادة القرار الاقتصادي الليبي من براثن الفوضى والمليشيات.
تشخيص قاتم: كيف تلتهم “الاعتمادات الفردية” قوت المواطن؟
يضع عصر يده على الجرح مباشرة: آلية منح الاعتمادات المستندية الفردية، كما تُدار اليوم، “أثبتت فشلها”. ففي ظل غياب الرقابة، تتحول هذه الآلية إلى بوابة لهدر العملة الصعبة عبر “فواتير مضخمة وغسيل أموال مقنع”، وهو ما يؤكده تقرير لموقع “أفريكا إنتليجنس” الفرنسي بأن الاعتمادات تُستخدم كأداة نفوذ سياسي يستفيد منها داعمو الدبيبة.
والأخطر من ذلك، كما يوضح عصر، أن تجزئة الاستيراد ترفع تكلفة السلعة على المواطن بنسبة تتراوح بين 30% و40% بسبب مصاريف التخزين والتأمين في بلد المنشأ، فضلاً عن غياب الرقابة على الجودة التي أضرت بصحة الليبيين.
ويأتي هذا في وقت تعاني فيه الأسر الليبية أصلاً من نزيف الأسعار؛ فقنطار الدقيق وصل إلى 240 ديناراً، وزيت الطعام إلى 190 ديناراً، بينما قفز سعر السكر إلى 200 دينار، وفقاً لشهادات تجار محليين.
العلاج البديل: اتحاد موردين ومناقصة عالمية واحدة
بدلاً من “المعالجات الوقتية” التي لم تدرس الاقتصاد بعمق، يقترح عصر وقف منح الاعتمادات الفردية للسلع الأساسية، واستبدالها بآلية “اتحاد الموردين والمناقصة العالمية المعلنة”.
يقوم التصور على إنشاء اتحاد وطني لكل سلعة (مثلاً: الاتحاد الوطني لموردي الحبوب) يضم التجار الجادين المسجلين فقط، تحت إشراف وزارة الاقتصاد والمصرف المركزي.
يتولى هذا الاتحاد طرح مناقصة عالمية موحدة ومعلنة في موسم الحصاد، تنشر في المنصات الدولية، بمواصفات قياسية ليبية دقيقة، وبشرط أن يشمل السعر التوصيل إلى الميناء الليبي (تسليم ظهر السفينة)، مع دفع عبر المصرف المركزي مقابل مستندات الشحن الأصلية فقط.
هذا النهج، كما يشرح عصر، يتيح الاستفادة من “خصومات الكميات الكبيرة” ويجنب الدولة تكاليف التخزين الطويل وتقلبات السوق المفاجئة.
المكاسب السيادية: من “زبون صغير” إلى “دولة مشترية كبرى”
الأهم في مقترح عصر ليس الجانب الفني فحسب، بل البعد السياسي والسيادي. فاليوم، تتعامل ليبيا مع “تجار وسماسرة” في سوق دولي لا يرحم، بينما المقترح يحولها إلى “دولة مشترية كبرى تطرح مناقصة عالمية تتهافت عليها الدول المنتجة”.
هذا التحول، بحسب الوزير السابق، يخلق “موقفاً سياسياً قوياً للدولة الليبية” ويمنحها أوراق تفاوض حقيقية في المحافل الدولية. فالدول التي تتنافس على توريد مليون ومئتي ألف طن من القمح، على سبيل المثال، ستسعى لإرضاء الزبون الكبير، مما قد يفتح الباب أمام مكاسب دبلوماسية تتجاوز حدود الاقتصاد.
ويأتي هذا الطرح في ظل مشهد سياسي واقتصادي مظلم، حيث لم يعد خافياً على أحد أن الميليشيات والجماعات المسلحة قد تحولت إلى “قوة مهيمنة سياسياً واقتصادياً”، وباتت تسيطر على مفاصل الدولة وتستنزف مواردها، بينما يغرق المواطن الليبي المكلوم في دوامة غلاء معيشة وتراجع الخدمات.
التوصية: خطوة تجريبية على القمح
للتأكد من جدوى المقترح بعيداً عن الشعارات، يوصي عصر بتشكيل لجنة فنية من المصرف المركزي ووزارة الاقتصاد وديوان المحاسبة لدراسة المقترح وتطبيقه بشكل تجريبي على سلعة واحدة (القمح) لمدة ستة أشهر.
هذه الخطوة، إن نُفذت، قد تكون أول اختراق حقيقي لجدار الفساد الذي يحمي منظومة الاعتمادات الفردية، وأول انتصار صغير للمواطن الليبي في معركة لقمة العيش.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تملك حكومة منتهية الولاية، تغرق في مستنقع الشرعية والاتهامات، الإرادة السياسية لتفكيك واحدة من أهم أدوات النفوذ والريع التي تغذي بقاءها؟ الأيام وحدها كفيلة بالرد، لكن المواطن المثقل بالأسعار ليس أمامه ترف الانتظار.



