«جيوشٌ متعددة في دولة واحدة».. عيسى يحذر من كارثة في طرابلس ويسأل من يحمي المواطن من مؤسساته؟
السفير عادل عيسى: تعدد الجيوش في طرابلس يهدد فكرة الدولة الواحدة ويستدعي مراجعة ولاءات المؤسسات»
ليبيا 24
حين تصبح الدولة ساحةً لجيوشها: قراءة في أسئلة عادل عيسى التي تكشف هشاشة المشهد الليبي
لم يكن السؤال الذي طرحه الدبلوماسي الليبي الأسبق السفير عادل عيسى على صفحته سؤالًا عابرًا، بل كان صرخةً موزونة في وجه بنيةٍ أمنية وسياسية واجتماعية آخذة في التفكك.
فمن داخل العاصمة طرابلس، يتساءل عيسى: لماذا لدينا جيش يتبع المجلس الرئاسي، وكتائب أمنية تتبع رئاسة الحكومة، وقوات تتبع رئاسة الأركان، وأخرى تتبع وزارة الدفاع؟
سؤال يبدو بريئًا في ظاهره، لكنه يفتح على أزمة سيادةٍ كاملة، ويضع الإصبع على الجرح الذي ينزف منذ سنوات: دولةٌ واحدة… وأكثر من جيش.
اقتصادٌ ينهار تحت وطأة الانفلات الأمني
لا يمكن فصل السؤال الأمني عن الحالة الاقتصادية التي يعيشها المواطن الليبي. فحين تتعدد الجيوش وتتعدد مصادر التمويل والولاء، تصبح الموازنة العامة ساحةً للمحاصصة، وتتحول رواتب الموظفين إلى ورقة ضغط.
يعيش الليبي اليوم بين فكي أزمة معيشية خانقة وغياب كامل للعدالة في الأجور، بينما تُعلن الجامعات اعتصامًا شاملًا وتُعلّق الدراسة احتجاجًا على تدهور الأوضاع المالية للعاملين في التعليم العالي.
ويتساءل عيسى بمرارة: «الدراسة ما زالت متوقفة، والجامعات تلوّح بالاعتصام الشامل… والشباب يحتفلون! إلى أين تتجه الأمور؟» إنها مفارقة قاتلة: جيلٌ يُفترض أنه أمل البلاد يُترك أمام مستقبلٍ مجمّد، بينما تُدار البلاد بمنطق القوة لا بمنطق المؤسسة.
سياسةُ التدوير أم استحقاق التغيير؟
على المستوى السياسي، يربط عيسى بين «التغيير في رئاسة مجلس النواب» وبين «الآمال في تحريك الملفات الوطنية والمضي نحو استحقاقات طال انتظارها»، لكنه لا يتوقف عند التغيير الشكلي، بل يطرح سؤالًا جوهريًا: هل بقية مؤسسات الدولة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة؟
وهو سؤال مشروع يفرضه واقع أن المجلس الرئاسي وحكومة الدبيبة قد استنفدا شرعيتهما وفشلا في بناء مؤسسة عسكرية موحدة، بل ساهما في ترسيخ مشهدٍ متعدد الجيوش.
يقول عيسى إن «المرحلة الراهنة تتطلب إرادة سياسية متجددة، ورؤى تتجاوز الحسابات الضيقة، وقيادات قادرة على إحداث تغيير حقيقي»، مضيفًا أن «استقرار البلاد لا يتحقق بتدوير الأزمات أو إدامة الواقع القائم، وإنما بخطوات مسؤولة تعيد الاعتبار للمؤسسات».
وهنا يتقاطع تحليله مع المزاج الشعبي الذي يرى في استمرار المنفي والدبيبة على رأس المشهد تكريسًا للفوضى لا حلًا لها.
من يحمي من؟ السؤال الذي يفضح المليشيات
الأسئلة التي أطلقها عيسى ليست أسئلة أكاديمية، بل هي أسئلة موجهة إلى كل مواطن ليبي يرى كتائب مسلحة تتنقل في العاصمة تحت مسميات أمنية وعسكرية متعددة.
«من يحمي الدولة إذا كانت مؤسسات الدولة نفسها تحتاج إلى جيوش تحمي نفوذها؟» سؤال يضع النخبة السياسية والأمنية أمام مسؤوليتها التاريخية.
فالمليشيات التي تُموّل من المال العام، وتتلقى أوامرها من مراكز نفوذ متعددة، لم تعد أداة لحماية الدولة، بل أصبحت دولةً موازية.
ويخلص عيسى إلى المقارنة البديهية: «مش كان أفضل زي العالم، الكل تحت مظلة وزارة الدفاع!!» وهي دعوة إلى العودة إلى أبسط قواعد الدولة الحديثة: جيش واحد، قيادة واحدة، ولاء واحد للوطن.
ليبيا بين استحقاق التجديد وإرادة التدوير
ما يطرحه عادل عيسى ليس برنامجًا سياسيًا، بل تشخيصًا أمينًا لمرضٍ عضال. فإذا كان تغيير رئاسة مجلس النواب قد أظهر أن التغيير ممكن، فإن «تجديد بقية المؤسسات يظل سؤالًا وطنيًا مشروعًا، تفرضه متطلبات الإصلاح، وتستوجبه تطلعات الليبيين إلى دولة مستقرة وموحدة، تقوم على التوافق والشرعية وإنجاز الاستحقاقات الوطنية».
والرسالة واضحة: ليبيا لا تحتاج إلى مزيد من الجيوش المتوازية، ولا إلى مزيد من الأجسام السياسية التي تدير الأزمة بدلًا من حلها، بل تحتاج إلى إرادةٍ جماعية تُعيد للمؤسسة هيبتها، وللمواطن كرامته، وللدولة وحدتها.



