ليبيا

غيث يفكك شبكة الفساد: من يملك دولار السوق السوداء؟ ومن يحمي علاوة التمييز؟

مسؤول مصرفي سابق يربط عجز الدولار الرسمي بفساد الاعتمادات وبطاقات الأغراض الشخصية

ليبيا 24

غيث: تأمين المسؤولية الطبية ليس تأميناً صحياً.. وقرار السجل الاجتماعي خطوة إصلاحية تحتاج شفافية

عندما يتحدث من عرف خبايا المصرف المركزي: غيث يضع الإصبع على الجرح

في مشهد يعكس حجم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المواطن الليبي، خرج الدكتور امراجع غيث، عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي سابقاً، بتصريحات تحمل في طياتها تفكيكاً دقيقاً لملفات شائكة طالما التزم المسؤولون الصمت تجاهها.

لم تكن التصريحات مجرد توضيحات تقنية، بل جاءت وكأنها مرآة تعكس عمق الخلل الذي أصاب مؤسسات الدولة، وغياب الرقابة، واستمرار الفساد الممنهج الذي يلتهم قوت المواطن المكلوم.

التأمين الطبي: توضيح يفضح خلطاً متعمداً في الميزانية

بدأ غيث بتصحيح فهم سائد حول التأمين الطبي، موضحاً أنه خلال حديثه في مجلس النواب بمناسبة لقاء الخبراء الاقتصاديين والماليين، أشار إلى أنه لا يوجد بند في الميزانية لتغطية التأمين الصحي للعاملين في القطاع الصحي.

وما ورد في الميزانية تحت مسمى “تأمين المسؤولية الطبية” هو في حقيقته تأمين لصالح الغير، يشبه التأمين الإجباري على السيارات.

يشرح غيث أن هذا التأمين يُخصم نسبة منه من مرتب الطبيب وغيره من المشتغلين في العملية الطبية، وتدفع جهة العمل جزءاً آخر، بحيث إذا تسبب الطبيب أو أي فرد من المهن الطبية المساعدة في أضرار لمريض نتيجة خطأ طبي، وتقرر تعويض المتضرر بحكم قضائي أو تصالح، فإن شركة التأمين هي من تدفع قيمة التعويض.

وأكد غيث أنه أدرج هذا التوضيح تحديداً لأن البعض فهم أن التأمين الطبي هو للعاملين في القطاع الصحي فقط. هذا الخلط، بحسب مراقبين، ليس بريئاً، بل يعكس حالة من التضليل المؤسسي التي تُترك فيها الميزانية العامة عرضة لتأويلات تخدم مصالح ضيقة على حساب حق المواطن في رعاية صحية حقيقية.

دولار السوق السوداء: سؤال يهز عرش الفاسدين

ثم انتقل غيث إلى قضية أخطر، حين قرأ إدراجاً يقول إن المصرف المركزي عجز عن توفير الدولار، وبالتالي ترك الأمر للسوق السوداء لتغطية الاستيراد.

وهنا يطرح السؤال المفصلي: من أين تتحصل السوق السوداء على الدولار؟ ويجيب غيث بنفسه: أليس من خلال الفساد في الاعتمادات التي مصدرها المصرف المركزي، ومن بطاقات مخصصات الأغراض الشخصية؟ أم أن لديهم مصادر من تصدير أو سياحة أو غيرها خلاف ما يعطيه المصرف المركزي؟

هذا التساؤل يكشف حقيقة مرة، مفادها أن أزمة الدولار ليست أزمة موارد، بل أزمة إدارة وفساد. فالمصرف المركزي، الذي يفترض أن يكون حارساً على المال العام، يتحول في نظر المنتقدين إلى بوابة يعبر منها الفاسدون إلى العملة الصعبة، بينما يقف المواطن في طوابير لا تنتهي أمام المصارف التجارية بلا جدوى.

حكومة الدبيبة المنتهية الولاية تتحمل مسؤولية مباشرة عن هذا الوضع، فقد وعدت بمعالجة أزمة السيولة وتحسين معيشة المواطن، لكنها غرقت في سياسات ساهمت في تعميق الفجوة بين من يملكون النفوذ ومن لا يملكون.

قرار 313: خطوة صحيحة في اتجاه إصلاح الدعم

لم يكتف غيث بالتشخيص، بل أشار إلى ما يعتبره خطوة إصلاحية، حين قال إن قرار رقم 313 بتشكيل لجنة السجل الاجتماعي يعتبر خطوة صحيحة في إصلاح الدعم وبرامج الحماية الاجتماعية، مضيفاً أن هذه البرامج مفيدة وتستحق الإنفاق عليها.

هذا الموقف يعكس رؤية إصلاحية تضع المواطن الفقير في قلب أولوياتها، بدلاً من سياسات الدعم العشوائي التي استنزفت خزينة الدولة دون أن تصل إلى مستحقيها.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل لدى حكومة منتهية الولاية الإرادة السياسية لتنفيذ إصلاحات حقيقية في منظومة الدعم، أم أن قرار 313 سيبقى حبراً على ورق كغيره من القرارات التي أفرزتها هذه المرحلة الانتقالية العبثية؟

علاوة التمييز: عبث في الدرجات وغياب للشفافية

واختتم غيث تصريحاته بتساؤل لاذع حول علاوة التمييز، قائلاً: ما هو الأساس في منح علاوة التمييز؟ هل هي للوظيفة أم للموظف؟ ولماذا تختلف من درجة إلى أخرى؟

وأضاف: من وضع علاوة التمييز عليه أن يشرح أسباب اختلافها وأسس تحديد النسبة.

هذا التساؤل يفضح حالة العبث التي تعيشها منظومة الأجور والمرتبات في ليبيا، حيث تُمنح الامتيازات المالية بلا معايير واضحة، وتتحول العلاوات إلى أداة للتمييز والمحسوبية بدلاً من أن تكون حافزاً للكفاءة والإنتاجية.

المواطن الليبي الذي يعاني من تدهور الخدمات وارتفاع الأسعار وانعدام الأمن، يرى في هذه العلاوات المجحفة دليلاً إضافياً على أن الدولة تدير ظهرها له، وتكافئ من لا يستحق، بينما يترك المكلومون يواجهون مصيرهم وحدهم.

تصريحات غيث.. شهادة على عجز المنظومة وفسادها

تصريحات الدكتور امراجع غيث ليست مجرد آراء شخصية، بل هي شهادة من داخل المنظومة المالية على حجم الخلل الذي أصابها.

من التأمين الطبي الذي يُلبس ثوباً زائفاً، إلى دولار السوق السوداء الذي يُولد من رحم الفساد، إلى علاوة التمييز التي تكرس الظلم، كل هذه الملفات تؤكد أن المواطن الليبي هو الضحية الأولى والأخيرة.

حكومة الدبيبة المنتهية الولاية، التي كان يفترض أن تكون مؤقتة، تحولت إلى جزء من المشكلة بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل.

والشعب الليبي، الذي قدم التضحيات الغالية، يستحق أكثر من تصريحات وتوضيحات، يستحق أفعالاً جريئة تعيد له كرامته وحقوقه المسلوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى