اقتصاد

نمو اقتصادي مرتفع في ليبيا دون أثر ملموس

النفط يدفع النمو والانقسام المالي يعمق الأزمة

نمو بلا ظل اجتماعي

بين الأرقام المعلنة عن نمو اقتصادي مرتفع، والواقع المعيشي المثقل بالأعباء، تقف ليبيا عند مفترق طرق اقتصادي واجتماعي حاد. فخلال عام 2025، سجل الاقتصاد الليبي معدلات نمو وُصفت بأنها من بين الأعلى عربياً، مدفوعة بزيادة إنتاج النفط وتحسن نسبي في المؤشرات الكلية.

غير أن هذا التحسن ظل، وفق خبراء ومحللين، حبيس الجداول الإحصائية، دون أن ينعكس على حياة المواطنين أو يخفف من وطأة الأزمة المالية والاجتماعية المتراكمة منذ سنوات.

النفط يقود الأرقام… لا التنمية

لم يكن الارتفاع في الناتج المحلي الإجمالي نتيجة تنوع اقتصادي أو إصلاحات هيكلية، بل جاء أساساً من تحسن إنتاج النفط، القطاع الذي ظل لعقود العمود الفقري للاقتصاد الليبي. فكل زيادة في الإنتاج أو تحسن في الأسعار العالمية تُترجم سريعاً إلى قفزة في مؤشرات النمو.

لكن هذه القفزات، كما يرى اقتصاديون، لا تعني بالضرورة تحسناً في بنية الاقتصاد أو في قدرته على خلق فرص عمل مستدامة أو تحسين مستوى الخدمات العامة.

ويشير مختصون إلى أن الاعتماد المفرط على النفط جعل النمو هشاً، مرتبطاً بعوامل خارجية لا تملك الدولة السيطرة عليها، في حين بقيت القطاعات الإنتاجية الأخرى، كالزراعة والصناعة والخدمات، تعاني الإهمال وضعف التمويل والبنية التحتية.

الانقسام المالي… جرح مفتوح

أحد أبرز ملامح المشهد الاقتصادي الليبي في 2025 هو استمرار الانقسام المالي، حيث تتعايش حكومتان بإنفاق مزدوج، وقرارات مالية متوازية، دون إطار موحد للسياسة المالية.

هذا الانقسام لا يخلق فقط ازدواجية في الصرف، بل يفتح الباب أمام تضخم الإنفاق العام، وتآكل الانضباط المالي، وغياب الرقابة الفعالة على الموارد.

ويرى خبراء أن هذا الوضع أدى إلى تفاقم الدين العام بوتيرة متسارعة، من دون استراتيجية واضحة لإدارته أو خطط لسداده، ما ينذر بأعباء مستقبلية ستقع كلفتها على الأجيال القادمة، سواء عبر تراجع قيمة العملة أو تقليص الإنفاق الاجتماعي.

إيرادات لا تصل إلى الخزينة

رغم ارتفاع العائدات النفطية، لا تزال مسألة التحصيل تمثل نقطة ضعف جوهرية في المالية العامة. فغياب الشفافية بشأن حجم الإيرادات التي تورد فعلياً إلى المصرف المركزي، وتعدد قنوات الصرف، يجعلان من الصعب تقييم الوضع المالي الحقيقي للدولة.

هذا الخلل يحد من قدرة السلطات على التخطيط السليم، ويغذي الشكوك حول كفاءة إدارة الموارد.

وبحسب محللين، فإن المشكلة لا تكمن في قلة الموارد، بل في كيفية إدارتها وتوزيعها، فالإيرادات النفطية، لو أُحسن توجيهها، قادرة على تمويل إصلاحات حقيقية في البنية التحتية، وتحسين الخدمات الأساسية، ودعم الفئات الأكثر تضرراً.

التضخم… أرقام رسمية وواقع مختلف

تظهر البيانات الرسمية تراجعاً في معدلات التضخم، إلا أن الأسواق المحلية تروي قصة أخرى. فأسعار السلع الأساسية، من غذاء ودواء، واصلت الارتفاع، ما زاد من الضغوط على الأسر ذات الدخل المحدود.

هذا التناقض بين الأرقام والإحساس اليومي للمواطنين يعكس خللاً في آليات القياس، أو تأخراً في انتقال أثر السياسات النقدية إلى الواقع.

ويعزو اقتصاديون هذا الوضع إلى التوسع النقدي غير المنضبط، وغياب أدوات فعالة للسيطرة على عرض النقود، إلى جانب الاعتماد الكبير على الاستيراد، الذي يجعل الأسعار المحلية شديدة الحساسية لتقلبات سعر الصرف.

سياسة نقدية مشلولة

تواجه السياسة النقدية في ليبيا تحديات عميقة، أبرزها غياب أدوات تقليدية مثل سعر الفائدة الفعال، أو سوق نشطة للدين العام، أو آليات لتعقيم السيولة الزائدة.

في هذا الفراغ، يتحول الإنفاق العام إلى الأداة شبه الوحيدة لإدارة الاقتصاد، ما يزيد من الاختلالات بدلاً من معالجتها.

ويرى محللون أن ما يُنظر إليه كأزمة سيولة أو تقلب في سعر الصرف هو في جوهره انعكاس لفائض طلب غير منضبط، يتجاوز القدرة الحقيقية للاقتصاد على الإنتاج. ومع كل زيادة في الإنفاق دون مقابل إنتاجي، يتزايد الضغط على الواردات، ويتراجع استقرار العملة.

خفض العملة… حل مؤقت

شهد عام 2025 خفضاً جديداً لقيمة الدينار، هو الثاني خلال أقل من خمس سنوات ورغم أن هذا الإجراء يُبرر أحياناً بالحاجة إلى تصحيح الاختلالات، إلا أن خبراء يرون أنه يبقى حلاً مالياً قصير الأجل، لا يعالج جذور المشكلة. فخفض العملة قد يوفر إيرادات إضافية مؤقتة للخزينة، لكنه في المقابل يرفع تكلفة المعيشة، ويقلص القدرة الشرائية للمواطنين.

الاستثمار الغائب

في بيئة يسودها عدم الاستقرار السياسي والمالي، يظل الاستثمار الأجنبي شبه غائب. فالاستثمارات القائمة تراجعت إلى مستويات محدودة، دون دخول مشاريع جديدة ذات وزن.

ويؤكد مختصون أن غياب إطار قانوني مستقر، وضعف الضمانات، واستمرار الانقسام المؤسسي، كلها عوامل تنفر المستثمرين، وتحرم الاقتصاد من فرص نقل المعرفة وخلق الوظائف.

أرقام دولية… وقراءة مختلفة

تتوقع مؤسسات دولية نمواً مرتفعاً للاقتصاد الليبي، مستندة إلى تحسن إنتاج النفط. غير أن قراءة أعمق لهذه الأرقام تكشف أنها لا تعكس بالضرورة صحة الاقتصاد أو متانة أسسه. فالنمو، حين يكون محصوراً في قطاع واحد، ولا يصاحبه إصلاح مؤسسي، يبقى عرضة للانتكاس مع أي صدمة خارجية.

البعد الاجتماعي للأزمة

وراء المؤشرات الاقتصادية، تقف قصص إنسانية يومية لمواطنين يواجهون صعوبة في تلبية احتياجاتهم الأساسية. فارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات، وتآكل الدخول، كلها عوامل تضغط على النسيج الاجتماعي، وتوسع فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات.

ويرى خبراء اجتماعيون أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تداعيات أعمق، تتجاوز الاقتصاد إلى الاستقرار الاجتماعي، ما لم تُتخذ خطوات جدية لربط السياسات الاقتصادية بالبعد الإنساني.

فرص الإصلاح… ما زالت قائمة

رغم الصورة القاتمة، يؤكد اقتصاديون أن ليبيا لا تزال تمتلك فرصاً حقيقية للإصلاح. فالإيرادات النفطية، إذا أُديرت بطريقة استراتيجية، يمكن أن تشكل رافعة لتنويع الاقتصاد، ودعم قطاعات إنتاجية، وتحسين التحصيل الضريبي، وتعزيز الرقابة على الإنفاق.

ويشدد مختصون على أن تحويل النمو من رقم إحصائي إلى واقع ملموس يتطلب إرادة سياسية، وتوحيد المؤسسات المالية، وبناء سياسة اقتصادية متكاملة تضع الإنسان في قلبها، لا على هامشها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى