انقسام يعصف بطرابلس: الميليشيات تتمرد والمجلس الرئاسي يتحول
المنفي يرحب بحوار د.حماد والميليشيات تهدد بطرد الدبيبة
ليبيا 24
صراع الشرعية والسلاح يعيد رسم التحالفات في الغرب الليبي
تشهد طرابلس هذه الأيام حراكاً سياسياً وأمنياً معقداً، يعكس دخول الأزمة الليبية مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى، في ظل تداخل المسارين السياسي والأمني وتقاطعهما بشكل غير مسبوق. فبينما يطل رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي برأسه من نافذة الحوار مع الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد، تلوح التشكيلات المسلحة في الغرب الليبي بذراعها العسكري لتهديد حكومة عبد الحميد الدبيبة بالطرد من العاصمة، في مشهد يعيد إلى الأذهان عام 2011 حين كانت شرعية السلاح تعلو على شرعية المؤسسات.
ترحيب مشروط بظلال من التموضع السياسي
في تطور لافت، أعلن رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ترحيبه بمبادرة رئيس الحكومة الليبية الدكتور أسامة حماد الداعية إلى استئناف حوار ثلاثي يفضي إلى تشكيل حكومة موحدة، واضحة المهام ومحددة الصلاحيات ضمن إطار زمني ملزم . ويأتي هذا الترحيب ليعكس تحولاً في موقف المنفي الذي رفض قبل أيام تعديلاً وزارياً أجراه الدبيبة لسد الشغورات في فريقه الحكومي، مؤكداً أن أي تعديل وزاري يتطلب “توافقاً وطنياً واسعاً وأطراً قانونية صحيحة” .
غير أن القراءة المتأنية لهذا الترحيب تكشف عن أبعاد أعمق من مجرد موقف سياسي عابر. فوفقاً للمحلل السياسي حسام الفنيش، فإن “ترحيب رئيس المجلس الرئاسي بمبادرة الدكتور أسامة حماد جاء في توقيت يتزامن مع تصاعد خطاب التهديد من بعض التشكيلات المسلحة في طرابلس ضد حكومة الدبيبة، وهو ما يعكس أن المشهد الليبي يتحرك على أكثر من مستوى في آن واحد”. ويضيف الفنيش أن “القراءة الأعمق للمشهد توحي بأن ما يجري يتجاوز مجرد مبادرة سياسية ليعكس في جوهره محاولة لإعادة تموضع سياسي للمجلس الرئاسي في قلب أي تسوية محتملة، خصوصاً في ظل تزايد الضغوط الداخلية والخارجية لكسر حالة الجمود السياسي”.
الميليشيات تقرع طبول الحرب
في الجانب الآخر من المشهد، أصدرت قوة حماية طرابلس، إحدى أكثر التشكيلات المسلحة نفوذاً في العاصمة، بياناً حمل الرقم (09) بتاريخ 5 مارس 2026، أعلنت فيه رفضها القاطع لكافة الاجتماعات والمناورات السياسية التي يجريها الدبيبة داخل العاصمة، مشددة على أن طرابلس “ليست قاعة للمؤتمرات الزائفة”، بل مدينة دفع أبناؤها ثمن حمايتها دماء وتضحيات .
ودعت القوة أهالي طرابلس إلى الخروج إلى الشوارع والميادين للمطالبة بإسقاط الحكومة، معتبرة أن ما وصفته بـ”التغيير” أصبح ضرورة لإنهاء الفساد واستعادة حقوق المواطنين . كما وجهت القوة تحذيراً لما وصفته بمحاولات استهداف أبناء طرابلس داخل المؤسسة العسكرية، في إشارة إلى لقاءات الدبيبة بقيادات عسكرية وأمنية واجتماعية من مدينة الزاوية.
ويعلق المحلل السياسي إبراهيم اسويطي على هذه التهديدات بالقول إن “التهديدات التي أطلقتها قوة حماية طرابلس تبدو لافتة أكثر حتى من تحركات المنفي، لأنها تعكس امتعاضاً داخل الميليشيات من الدبيبة وحكومته”. ويوضح اسويطي أن “الدبيبة نجح في ترسيخ سلطته غرب ليبيا بفضل الدعم الذي قدمته له الميليشيات، وحدوث شرخ الآن يعني أننا أمام انهيار وشيك لحكومته”.
السلاح كعنصر بنيوي في العملية السياسية
تكشف هذه التطورات عن حقيقة مؤرقة في المشهد الليبي، مؤداها أن معركة الشرعية في ليبيا لا تُحسم داخل المؤسسات وحدها، بل أيضاً في ميدان النفوذ الأمني والعسكري. فمنذ عام 2011، ومع انهيار المنظومة الأمنية وغياب سلطة مركزية قادرة على فرض نفوذها، تحولت ليبيا إلى ساحة مفتوحة ومرتع خصب لتكاثر الجماعات المسلحة، التي استغلت الفراغ الأمني لبناء نفوذ يمتد من الجانب العسكري إلى المجالات الاقتصادية والسياسية .
ويشير تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش إلى استمرار حالة التشرذم والتقصير المنهجي في المؤسسات القضائية الليبية، في حين تعمل الميليشيات التعسفية في ظل إفلات شبه تام من العقاب . ويؤكد التقرير أن الجماعات المسلحة تواصل استهداف السياسيين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، فيما وصفته الأمم المتحدة بـ “حالات الاختفاء القسري المتفشية والممنهجة في عموم البلاد” .
ويعكس هذا الواقع أن السلاح أصبح عنصراً بنيوياً في العملية السياسية، بعدما تحولت الجماعات المسلحة إلى أطراف فاعلة قادرة على التأثير في القرار العام وتعطيل عمل المؤسسات ورسم حدود أي مسار لا يخدم مصالحهم. ويؤدي غياب مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة إلى فقدان الدولة قدرتها على احتكار القوة، وهو ما يمكن هذه الجماعات من فرض نفوذها دون الاستناد إلى شرعية انتخابية .
الحكومة الليبية.. خيار التوحيد والاستقرار
في خضم هذا المشهد المأزوم، تبرز الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد كخيار وطني جامع يسعى إلى لملمة الشتات وإنهاء حالة الانقساد التي أهدرت المال العام وعمقت جراح الفرقة بين أبناء الشعب الواحد. فقد أكد حماد في مبادرته أن توحيد السلطة التنفيذية “هو المدخل الحقيقي لإنهاء الانقسام، وترسيخ الاستقرار المالي والاقتصادي، واستعادة ثقة المواطن في مؤسساته الشرعية” .
ويشدد حماد على أن “المرحلة الراهنة تتطلب قرارات شجاعة وخطوات عملية حاسمة تنهي حالة الجمود، وتؤسس لمسار وطني جامع يقود إلى الاستقرار الدائم والتنمية المستدامة” . وقد لاقت هذه الدعوة ترحيباً من النائب الثاني لرئيس مجلس النواب مصباح دومة، الذي أعلن تأييده للحوار الوطني “لاستعادة هيبة الدولة وتوحيد الحكومة والمؤسسات السيادية”، معتبراً أن هذه الدعوة ليست مجرد إعلان سياسي عابر بل “صرخة حق في وجه الانقسام” .
انهيار اقتصادي وفساد مستشري
يأتي هذا الحراك السياسي والأمني في وقت يعاني فيه الاقتصاد الليبي من تحديات غير مسبوقة، متأثراً بسنوات من عدم الاستقرار والانقسام، في دولة تعد صاحبة أكبر احتياطيات نفطية في قارة أفريقيا . فمنذ عام 2014، يشكل الانقسام السياسي المتواصل السبب الرئيس للخلل في الاقتصاد الليبي، حيث تتصارع حكومتان على السلطة في البلاد، مما أنتج اقتصاداً مزدوجاً وإنفاقاً بلا مساءلة وقرارات مالية منفصلة عن الواقع الإنتاجي، مما حول الدولة إلى ممول استهلاك لا محرك اقتصاد .
وتكشف تحقيقات النائب العام الليبي عن خلل وفساد واسع في عقود توريد المحروقات، حيث بلغت قيمة الاستيراد 9.5 مليارات دولار خلال عام 2024، و8 مليارات دولار في عام 2025، فيما تؤكد تحقيقات النيابة العامة وجود فساد مستشري في هذا القطاع الحيوي . وقد وصف المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة ما يحدث في ليبيا بأنه “ليس فساداً، بل نهب لثروات البلاد” .
سيناريوهات المرحلة المقبلة
مع تصاعد وتيرة الأحداث وتقاطع المسارات السياسية والأمنية، يبقى السؤال الأبرز: هل نشهد نهاية وشيكة لحكومة الدبيبة؟ يرى المحلل حسام الفنيش أن “الحديث عن نهاية وشيكة لحكومة الدبيبة لا يزال سابقاً لأوانه، فالحكومة ما زالت تستند إلى شبكة معقدة من التحالفات السياسية والأمنية داخل طرابلس ومحيطها، إضافة إلى استمرار قدر من الاعتراف الدولي بها كسلطة أمر واقع”.
غير أن الواقع على الأرض يشير إلى أن معسكر الغرب الليبي يعيش هزات عنيفة قد تعيد تشكيل خارطة التحالفات بشكل جذري. فترحيب المنفي بمبادرة الدكتور أسامة حماد من جهة، وتهديد الميليشيات بطرد الدبيبة من العاصمة من جهة أخرى، يضعان حكومة طرابلس أمام امتحان صعب قد يحدد مصيرها في الأسابيع المقبلة.
وفي هذا السياق، يبرز خيار الحوار الوطني الجامع الذي يدعو إليه الدكتور أسامة حماد كفرصة حقيقية لإنهاء حالة الانقسام وتوحيد المؤسسات، خصوصاً مع ترحيب المجلس الرئاسي بهذه الدعوة وتأييد قيادات مجلس النواب لها . غير أن نجاح هذا المسار يظل رهناً بقدرة الأطراف السياسية على تجاوز الحسابات الضيقة ووضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، وهو ما يبدو صعب المنال في ظل تشابك المصالح وتداخل النفوذ الأجنبي في الشأن الليبي.
يبقى الأكيد أن ليبيا تقف اليوم على مفترق طرق مصيري، فإما أن تنتهز فرصة الحوار لتوحيد مؤسساتها وبناء دولة القانون والمؤسسات، وإما أن تنزلق إلى مربع الفوضى والاقتتال من جديد، وفي الحالتين سيكون الشعب الليبي هو الضحية الأكبر لهذا الصراع على النفوذ والسلطة والثروة.



