الحوار السياسي على صفيح ساخن: تعديلات الدبيبة تشعل الأزمة وتنسف مسار التسوية
بعثة الأمم المتحدة تواجه اختباراً صعباً بتجاوزات حكومة الدبيبة
ليبيا 24
تعديلات الدبيبة تعرقل الحوار وتعمق الانقسام السياسي الليبي
في مشهد يعكس الفجوة المتسعة بين الخطاب السياسي والممارسة على الأرض، يقترب مسار الحوار الليبي المُهيكل من خط النهاية، ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام عائق جديد أقامته الحكومة منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة. فالتعديلات الوزارية الأخيرة التي أجراها الدبيبة لم تكن مجرد تغيير في الحقائب، بل قراءة متأنية لها تكشف عن نية مبيتة لنسف أي تسوية سياسية مرتقبة، وتكريس واقع الأمر الواقع في طرابلس.
مسار الحوار: مناقشات نظرية في غياب أدوات الضغط
بينما تعقد البعثة الأممية اجتماعاتها الفنية الافتراضية خلال شهر رمضان، لمناقشة قضايا مصيرية كحوكمة الموارد واستقلال القضاء وإصلاح القطاع الأمني، تبدو هذه النقاشات وكأنها تدور في فراغ سياسي. صحيح أن البعثة تسعى لإشراك المرأة والشباب عبر منصات رقمية واستطلاعات رأي إلكترونية، في محاولة لإضفاء شرعية شعبية على المسار، إلا أن هذه الجهود تبقى أسيرة التنظير طالما أن الطرف الأقوى على الأرض، أي حكومة الدبيبة، يمضي في اتجاه معاكس تماماً.
إن التباين الصارخ بين ما يناقشه أعضاء الحوار من آليات لتحقيق الانضباط المالي، وبين ما يحدث على أرض الواقع من إجراءات أحادية، يؤكد أن هناك من يتعامل مع هذه المسارات وكأنها مجرد واجهة إعلامية. الواقع يشير إلى أن البعثة الأممية تفتقر إلى أدوات الضغط الحقيقية التي تُلزم الأطراف السياسية بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، مما يحول مخرجات الحوار إلى مجرد توصيات نظرية تفتقر إلى القوة الإلزامية.
التعديلات الوزارية… استباق للنتائج وإعلان نوايا
التعديلات التي أقدم عليها الدبيبة، بتغيير حقائب سيادية ووزراء جدد، تحمل في طياتها رسائل سياسية بالغة الخطورة. فهي تأتي استباقاً لأي مخرجات قد يفرزها الحوار المُهيكل، وكأنها محاولة يائسة لخلق أمر واقع جديد يصعب التراجع عنه. هذا الإصرار على إجراء تغييرات في لحظة سياسية حساسة للغاية، لا يقرأه المراقبون إلا كمماطلة مقصودة وخطوات واضحة تهدف إلى التمديد في السلطة والبقاء في موقع القرار، متجاوزاً بذلك كل القوانين الليبية وقرارات مجلس النواب الذي يمثل السلطة التشريعية الوحيدة المنتخبة في البلاد.
العبث السياسي.. حين يصبح الحوار غطاءً للانفراد
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل يهدف هذا الحوار إلى إيجاد حل حقيقي، أم أنه أصبح مجرد منصة لتسويق خلافات النخب وتقديمها للرأي العام كبديل عن الحلول الجذرية؟ الالتفاف على مخرجات الحوار بتعديل وزاري أحادي الجانب يعكس حالة من العبث السياسي الممنهج. فمن غير المنطقي أن تجلس الأطراف لمناقشة حوكمة الموارد في وقت يستمر فيه فريق بعينه في تفريغ مؤسسات الدولة من محتواها لصالح مشاريع فردية.
إن استمرار المسار الأممي بهذه الوتيرة، دون ضمانات ملزمة لتنفيذ المخرجات، ودون وضع حد للانفراد بالقرار التنفيذي، لن يؤدي إلا إلى تعميق حالة الإحباط الشعبي. ليبيا اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من المناقشات الأكاديمية حول سيادة القانون، بقدر حاجتها الماسة إلى قرارات سياسية حاسمة تضع حداً لهذا التمترس خلف المؤسسات، وتجبر الجميع على الانصياع لإرادة شعب ينتظر منذ سنوات غداً أفضل.



