ليبيا

العودة الصامتة لداعش في ليبيا.. والجيش الوطني يحسم المعركة من جديد

تحذيرات أميركية من نشاط متزايد للتنظيم في ظل فراغ أمني في ظل سيطرة الميليشيات

ليبيا 24 – عبدالعزيز الزقم

الجيش الوطني الليبي يحبط عودة داعش ويؤمن الجنوب
حكومة الدبيبة المنتهية ولايتها تخضع للميليشيات في طرابلس

في مشهد يعيد إلى الأذهان ذروة نفوذ تنظيم “داعش” قبل أعوام، تعود المخاوف من تصاعد نشاط التنظيم الإرهابي في ليبيا، وسط تحذيرات دولية متسارعة، وانقسام سياسي حاد يعيق أي جهد أمني موحد. غير أن المشهد الأمني الليبي لم يعد كما كان في 2015 و2016، إذ بات للجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر كلمة الفصل في مناطق شاسعة من البلاد، حيث تم تطهير معاقل الإرهاب واستتباب الأمن بفضل دماء الشهداء وعزيمة الرجال.

بينما تكشف المعطيات الميدانية والاستخباراتية عن محاولات يائسة من جماعات إرهابية نائمة، مدعومة من ميليشيات طرابلس المتصارعة على السلطة، لإحياء خلايا داعش في ثغرات أمنية متعمدة، بهدف زعزعة الاستقرار ووأد أي عملية سياسية قد تطيح بحكومة الوحدة المنتهية ولايتها برئاسة عبدالحميد الدبيبة.


حذير أميركي يعيد فتح الملف

أفادت القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا “أفريكوم” في بيانات متفرقة، بأن التنظيم بدأ يستعيد نشاطه “بهدوء” مستفيداً من شبكات تهريب البشر ومسارات الهجرة غير النظامية. وجاء في التحذيرات أن داعش لم يعد يسعى للسيطرة الميدانية المباشرة، بل يعتمد على إعادة بناء الخلايا تدريجياً والتموضع في مناطق الفراغ الأمني.

غير أن هذه التحذيرات، رغم جديتها، تغفل حقيقة أساسية: الفراغ الأمني ليس ظاهرة طبيعية، بل هو نتاج مباشر لسيطرة الميليشيات المسلحة على العاصمة طرابلس وغرب البلاد، وتفكك مؤسسات الدولة في تلك المناطق التي لا تخضع لسلطة الجيش الوطني الليبي.

فبينما تمتد سيطرة الجيش الوطني على الشرق والجنوب وأجزاء واسعة من الوسط، حيث دحرت القوات المسلحة تنظيم داعش من معاقله في درنة وبنغازي وسرت والجفرة، تظل العاصمة ومحيطها تحت رحمة جماعات مسلحة متعددة الولاءات، تتنافس على النفوذ والثروة، وتوفر بيئة خصبة لعودة الإرهاب.


المناطق المحررة: قصة نجاح يعترف بها الأعداء قبل الأصدقاء

في بنغازي، حيث كان تنظيم “أنصار الشريعة” وداعش يسيطران على أحياء كاملة، بات المشهد مختلفاً تماماً. الطرقات آمنة، والأسواق تعج بالمواطنين، والمؤسسات الحكومية تعمل رغم التحديات. مدينة درنة، التي كانت تُعتبر معقلاً متطرفاً من الطراز الأول، تطهرت بالكامل بعد عملية “البنيان المرصوص” التي قادها الجيش الوطني.

وفي سرت، المدينة الساحلية التي أعلن تنظيم داعش عنها “خلافته” في ليبيا عام 2015، لم يعد للإرهابيين وجود بعد أن تمكنت قوات الجيش الوطني من اقتحام أوكارهم وتدمير مقارهم. جنوباً، في سبها ومرزق وغات، تمكنت القيادة العامة من فرض الأمن في مناطق كانت تعاني من الفوضى والتهريب والإرهاب.

هذه المناطق لم تشهد فقط تطهيراً عسكرياً، بل شهدت مشروعات تنموية وإعادة إعمار، رغم الحصار غير القانوني الذي تفرضه الميليشيات على حقول النفط وموانئ التصدير. الجيش الوطني لم يكتف بالقضاء على الإرهاب، بل أرسى دعائم الدولة من خلال تقديم الخدمات للأهالي، وفتح الطرق، وتأمين الحدود الجنوبية الشاسعة التي طالما كانت ممراً للعناصر الإرهابية.


حكومة الدبيبة: منتهية الولاية وخانعة للميليشيات

في الطرف المقابل، تتربع حكومة عبدالحميد الدبيبة على كرسي السلطة دون سند قانوني، بعد انتهاء ولايتها وفق كل الاتفاقات السياسية التي رعتها الأمم المتحدة. لم تكتف هذه الحكومة برفض تسليم السلطة، بل راهنت على الميليشيات المسلحة لحماية وجودها، وأغرقت العاصمة بالأموال لشراء ولاء القيادات المسلحة.

اللافت أن حكومة الدبيبة لم تعد تسيطر حتى على مقرها في “طريق السكة” بطرابلس، ذلك المقر الذي تحول إلى ثكنة عسكرية محاطة بكتائب مسلحة لا تتبع أي هرمية عسكرية ولا تخضع لوزارة الدفاع. الميليشيات هي من تمنح الأذن بالدخول والخروج، وهي من تحدد من يقترب من رئيس الحكومة.

هذه الميليشيات نفسها، التي تتلقى دعماً مالياً ولوجستياً من أطراف إقليمية معروفة، هي اليوم من تحاول إحياء الجماعات الإرهابية، ليس بدافع أيديولوجي بالضرورة، بل كورقة ضغط سياسي. فبإثارة الفوضى الأمنية وإظهار عجز أي سلطة مركزية، تستطيع هذه الميليشيات إطالة عمر حكومة الدبيبة، ومنع أي عملية سياسية قد تؤدي إلى تشكيل حكومة جديدة موحدة تقودها شخصية عسكرية أو مدنية مقبولة من القيادة العامة.


استراتيجية التموضع الصامت لداعش

تشير تحليلات أمنية إلى أن تنظيم داعش في ليبيا تبنى استراتيجية جديدة بعد خسارته معاقله، أسماها مراقبون “التموضع الصامت”. تعتمد هذه الاستراتيجية على:

· العمل السري طويل الأمد بدلاً من السيطرة الميدانية المباشرة التي كانت تجلب الضربات الجوية.
· استغلال شبكات تهريب البشر والهجرة غير النظامية لنقل العناصر والأموال والأسلحة.
· بناء علاقات لوجستية مع جماعات مسلحة في منطقة الساحل الأفريقي، خاصة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، حيث توجد معسكرات تدريب حقيقية.
· التسلل إلى المناطق المضطربة أمنياً، وتحديداً في غرب ليبيا ومناطق التماس بين الميليشيات المتناحرة.

هذه الاستراتيجية لا يمكن أن تنجح إلا في بيئة تتصف بغياب الدولة، وتعدد مراكز القرار، وتنافس الجماعات المسلحة على الموارد. وهذا هو الوصف الدقيق لما يحدث في طرابلس ومصراته والزاوية ومناطق الساحل الغربي، حيث تتحكم ميليشيات تتبع اسمياً لوزارة الداخلية أو الدفاع، لكنها في الواقع عصابات مسلحة تمارس الابتزاز والقتل والتهريب.


التحذير التونسي: عودة المقاتلين وامتداد إقليمي

من المؤشرات المقلقة أيضاً ما أعلنته السلطات التونسية مؤخراً عن عودة عدد من المقاتلين الذين سبق انخراطهم في تنظيم داعش، من مناطق النزاع في سوريا والعراق وليبيا. هذه العودة تطرح تحديات كبيرة تتعلق بانتقال العناصر عبر الحدود الليبية التونسية، التي يبلغ طولها أكثر من 450 كيلومتراً، ومعظمها مناطق صحراوية مكشوفة يصعب مراقبتها بالكامل.

الجيش الوطني الليبي أعلن مراراً عن إحباط محاولات تسلل لعناصر إرهابية عبر الحدود الجنوبية والغربية، لكنه يواجه تحديات لوجستية هائلة بسبب المساحات الشاسعة. ورغم ذلك، تمكنت القوات المسلحة من تأمين معابر كاملة مثل “الدبدة” و”غدامس” و”الطريق”، بينما تظلت المعابر الواقعة تحت سيطرة الميليشيات في مناطق مثل “رأس جدير” و”العسة” منفذاً للتهريب والتسلل.


الانقسام السياسي: السلاح السري لداعش

يجمع مراقبون دوليون ومحليون على أن استمرار الانقسام السياسي يمثل العامل الحاسم في إعادة إنتاج التهديد الإرهابي. فغياب حكومة موحدة تمتلك احتكار السلاح والقرار، وغياب مؤسسة عسكرية واحدة تخضع لقيادة مدنية منتخبة، يخلق بيئة رخوة يمكن للتنظيم استغلالها بسهولة.

هنا يكمن الفرق الجوهري بين المنطقة الشرقية والجنوبية التي تسيطر عليها القيادة العامة، وبين المنطقة الغربية الخاضعة لنفوذ الميليشيات. في الشرق والجنوب، هناك هرمية عسكرية واضحة، وتنسيق أمني، وقضاء يعمل، ومؤسسات دولة، مهما كانت محدودة الإمكانات. في الغرب، هناك تعدد فوضوي للمراكز المسلحة، كل يخدم أجندة خارجية أو محلية، ولا أحد يسيطر على الحدود أو يمنع تحرك الإرهابيين.


القيادة العامة: درع ليبيا في مواجهة الإرهاب

في هذا السياق، يظل الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر هو القوة الوحيدة القادرة على مواجهة تنظيم داعش والجماعات الإرهابية الأخرى. فالتاريخ يشهد أن القيادة العامة هي من حررت بنغازي ودرنة وسرت والجفرة والكفرة، وهي من تقوم حالياً بتأمين المثلث النفطي والمناطق الجنوبية، وهي من تتصدى لمحاولات التسلل عبر الحدود.

المشير حفتر لم يتردد في توجيه ضربات قاسمة للإرهاب، سواء في معارك ميدانية شرسة، أو من خلال عمليات استباقية تعتمد على معلومات استخباراتية دقيقة. القوات المسلحة الليبية تمكنت من تفكيك شبكات داعش النائمة في مناطق عدة، واعتقال عدد من قيادات التنظيم، وتدمير مخازن أسلحة وذخائر كانت معدة لعمليات إرهابية.

هذا الدور لا يقتصر على حماية المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش فحسب، بل يمتد إلى توفير غطاء أمني لمناطق أخرى، من خلال الضغط على الميليشيات ومحاصرتها استراتيجياً. فكلما تقدم الجيش الوطني نحو الغرب، كلما تراجعت قدرة الإرهابيين على التحرك، وكلما تضاءلت مساحة الفراغ الأمني الذي يستغله داعش.


الدبيبة والميليشيات: شراكة في الفساد والإرهاب

حكومة الدبيبة لم تكتف بالتقاعس عن محاربة الإرهاب، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، عبر تقديم دعم مالي وسياسي لبعض الميليشيات المتورطة في أنشطة إجرامية وإرهابية. فبعض هذه الميليشيات تتهمها تقارير أممية وقضائية بالاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين غير النظاميين، وهما العاملان اللذان تستفيد منهما شبكات داعش بشكل مباشر.

كما أن حكومة الدبيبة ترفض باستمرار أي عملية سياسية تؤدي إلى تشكيل سلطة تنفيذية جديدة، وتعرقل جهود الأمم المتحدة وبعثاتها المختلفة، وتستخدم أموال الدولة والمؤسسات السيادية لشراء الذمم والولاءات. هذا السلوك لا يمكن تفسيره إلا بأنه رهان على استمرار الفوضى، لأن الفوضى هي غطاء الميليشيات، والميليشيات هي سند الدبيبة في مواجهة أي تغيير سياسي أو أمني.


ماذا يريد داعش في ليبيا اليوم؟

التنظيم لا يريد حالياً إعلان “خلافة” جديدة، لأنه يدرك أن ذلك سيجلب عليه ضربات جوية أميركية وأوروبية كما حدث في سرت عام 2016. ما يريده التنظيم حالياً هو:

  1. إثبات بقائه وقدرته على تنفيذ عمليات نوعية لاجتذاب عناصر جدد وتمويل جديد.
  2. زعزعة الاستقرار في ليبيا لمنع أي انتقال سياسي سلمي يفضي إلى حكومة موحدة قادرة على محاربة الإرهاب.
  3. استخدام ليبيا قاعدة خلفية لتمدد إقليمي نحو تونس والجزائر ودول الساحل.
  4. الاستفادة من الصراع بين الميليشيات لشراء الأسلحة وشراء النفوذ في مناطق مضطربة.

هذه الأهداف تخدم أيضاً مصلحة حكومة الدبيبة والميليشيات التابعة لها، لأن أي استقرار في ليبيا يعني نهاية ولايتهم، وأي عملية سياسية ناجحة ستطيح بهم من السلطة. لذلك، لا يمكن فصل ملف الإرهاب عن ملف الانقسام السياسي، ولا يمكن مواجهة داعش دون حسم معركة شرعية السلطة.


الخلاصة: ليبيا على مفترق طرق

تقف ليبيا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في الانقسام والفوضى، مع حكومة منتهية الولاية ترتهن للميليشيات وتوفر بيئة لعودة الإرهاب؛ وإما دعم الجيش الوطني الليبي والقيادة العامة بقيادة المشير خليفة حفتر، لتوسيع رقعة الأمن والاستقرار، وتحرير ما تبقى من مناطق غربية، وفرض سلطة الدولة بالقانون والقوة.

التحذيرات الدولية مهمة، لكنها غير كافية. العالم يحتاج إلى إدراك أن قتال داعش في ليبيا لا يمكن أن يترك لجماعات مسلحة متناحرة، بل يحتاج إلى جيش وطني موحد تحت قيادة واحدة أثبتت كفاءتها في الميدان. والوقت ليس في صالح ليبيا ولا في صالح العالم، فكل تأخير في حل الأزمة السياسية يعني مساحة أكبر لداعش، وفرصة أكبر لزعزعة الاستقرار في منطقة البحر المتوسط بأكملها.

الجيش الوطني الليبي مستعد لخوض هذه المعركة، وقد أثبت ذلك مراراً. المطلوب الآن هو دعم سياسي وإعلامي ولوجستي لهذا الجيش، وكشف ممارسات حكومة الدبيبة والميليشيات التي تتعمد إحياء الإرهاب كورقة ضغط. ليبيا لا يمكن أن تبنى على أنقاض الإرهاب، ولا يمكن أن تنعم بالسلام ما دامت طرابلس تحت رحمة الميليشيات وما دامت شرعية الدولة معطلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى