تونس تدشن خطاً بحرياً منتظماً يربط جرجيس بإيطاليا وليبيا
جرجيس بوابة تونس الجديدة لتعزيز الصادرات نحو الأسواق الأوروبية
ليبيا 24
تونس تفتتح ممراً بحرياً دولياً من جنوبها لربط الأسواق المغاربية بالأوروبية
في خطوة تحمل أبعاداً لوجستية وتنموية واضحة، أعلنت وزارة النقل التونسية الأحد الانطلاق الرسمي لأول خط بحري دولي منتظم لنقل البضائع من ميناء جرجيس التجاري الواقع في أقصى الجنوب الشرقي للبلاد. ويربط الخط الجديد بين مينائي جرجيس ورادس من جهة، وميناء جيويا تاورو الإيطالي وميناء طرابلس الليبي من جهة أخرى، في مشهد يعيد رسم خريطة تدفق السلع في المنطقة المتوسطية.
شريان تجاري جديد للجنوب التونسي
يمثل تشغيل هذا الخط نقلة نوعية لميناء جرجيس الذي ظل لسنوات بعيداً عن شبكات النقل البحري المنتظم، رغم موقعه الإستراتيجي القريب من الأسواق الليبية والأوروبية. وبحسب بيان الوزارة، فإن الميناء استقبل فور إعلان التدشين 407 حاويات فارغة ستُعاد شحنها عبر بوابته قبل منتصف مايو المقبل، في إشارة واضحة إلى جاهزية البنية التحتية وبدء دورة تجارية فعلية.
ويأتي هذا التطور استجابة مباشرة لطلبات شركات التصدير في ولايات الجنوب الشرقي، التي طالما عانت من ارتفاع كلفة النقل البري إلى موانئ الشمال وطول آجال عبور البضائع. وبفتح هذا الممر، تتحول جرجيس إلى منصة تصدير حيوية لمنتجات كالتمور وزيت الزيتون والأسماك المجمدة، متجاوزة عقبات العزلة اللوجستية.
تقليص كلفة النقل وتحفيز الاستثمار
تراهن تونس من خلال هذا الخط على تخفيض فاتورة النقل الداخلي، حيث سيتسنى للمصدرين في الجنوب شحن حاوياتهم من أقرب نقطة بحرية، ما يقلص زمن الرحلات ويحد من الاعتماد على أساطيل الشاحنات. وتؤكد الوزارة أن الهدف يتجاوز مجرد تنشيط الحركة التجارية، إذ يندرج ضمن رؤية أوسع لتحفيز الاستثمار وتقليص الفجوة التنموية بين الأقاليم الساحلية الشمالية ونظيرتها الجنوبية.
وقد وفرت السلطات ومختلف الهياكل المينائية مجموعة من التجهيزات والمعدات الضرورية لتأمين عمليات الشحن والتفريغ وحركة الحاويات، ما يعني أن الميناء لم يعد مجرد مرسى ثانوي، بل بات مؤهلاً للتعامل مع خطوط ملاحية دولية منتظمة.
مشروع تعميق الميناء لاستقطاب سفن أكبر
على صعيد مواز، تستعد إدارة ميناء جرجيس لإنجاز مشروع «أشغال الجهر» مع حلول نهاية السنة الحالية، وهو إجراء تقني يستهدف زيادة عمق الحوض والممر المائي ليصل إلى 11 متراً. ويمثل هذا التطوير الهندسي نقطة فارقة، إذ سيسمح للميناء باستقبال سفن تجارية ضخمة وبواخر رحلات سياحية، بعد أن كان مقتصراً على وحدات ذات غواطس محدودة. وبذلك تتحول جرجيس إلى ميناء مزدوج الوظيفة، يخدم التجارة والسياحة معاً، مع ضمان أعلى معايير سلامة الملاحة البحرية.
حسابات جيوسياسية وتجارية متشابكة
يمثل ربط جرجيس بميناء جيويا تاورو الإيطالي، أحد أكبر مراكز الشحن العابر في البحر المتوسط، انفتاحاً على شبكات التوزيع العالمية، بينما يعزز خط طرابلس التكامل التجاري مع الجارة الليبية التي تمر بمرحلة إعادة إعمار وارتفاع الطلب على الواردات. وبهذا الخط، تنسج تونس نسيجاً من المصالح الاقتصادية المشتركة على ضفتي المتوسط، وتضع جنوبها على خريطة التجارة الدولية بعد طول إهمال.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه التجربة يتوقف على استمرارية الخط وانتظام رحلاته، إلى جانب قدرة المصدرين على الوفاء بمتطلبات الأسواق الجديدة من حيث الجودة والكميات. كما سيكون عاملاً حاسماً في جذب استثمارات صناعية وتحويلية إلى محيط الميناء، حيث المناطق اللوجستية الواعدة.
ختاماً، يشكل تدشين أول خط بحري منتظم من جرجيس حدثاً يتجاوز كونه مجرد إعلان عن رحلة سفن، إذ يجسد تحولاً هيكلياً في سياسة الربط البحري التونسي ويبعث برسالة مفادها أن تنمية الأطراف ممكنة حين تقترن الإرادة السياسية بجدوى اقتصادية. ويبقى التحدي في ترجمة هذه الخطوة إلى حركة صادرات مستدامة وفرص عمل حقيقية، بعيداً عن الإيقاعات الموسمية.



