جدلية الأخلاق والقانون: لماذا تتعثر الدولة الليبية رغم وفرة الموارد؟
عمر عصر يطرح المصالحة والاتحاد النقابي والرقمنة بوابة للإنقاذ
ليبيا 24
ليبيا تختنق بين تفسخ الأخلاق وانهيار القانون والمؤسسات الجامعة
طرحت تدوينة لوزير الاقتصاد والصناعة الأسبق عمر عصر، نشرها عبر حسابه على منصة فيسبوك، سؤالاً جوهرياً يتجاوز حدود الشخصي ليصبح مرآة للمأزق الوطني المزمن: هل أزمة ليبيا هي نتاج غياب القانون وحده، أم أنها انهيار في منظومة القيم والالتزام ذاته؟ من هذا التساؤل يمكن تفكيك طبقات الأزمة الليبية، ليس بوصفها عارضاً طارئاً بل بوصفها خللاً بنيوياً يربط بين ضعف المؤسسات، وانحسار الأخلاق العامة، وغياب إطار اجتماعي جامع يحول دون تحول الدولة إلى غنيمة.
الرؤية التي طرحها عصر تمثل مادة خصبة لتحليل معمق، يمزج بين منطق الاقتصاد السياسي الذي تهتم به كبرى الصحف العالمية، وبين قراءة جيوسياسية تضع ليبيا في بؤرة تفاعلات إقليمية ودولية. فالمضمون لا يختزل الأزمة في بعد واحد، بل يرسم خريطة للتداخلات القاتلة بين ضعف تطبيق القانون، ومنظومة قيم مهترئة، وإطار مؤسسي غائب، في بلد يملك موقعاً استراتيجياً يتوسط قوى الإنتاج والاستهلاك، ويختزن موارد طبيعية هائلة.
انهيار النسيج المؤسسي: من غياب المعايير إلى تقديس المصالح الضيقة
يكشف الخطاب عن ملمح مركزي: التناقض الصارخ بين الإمكانات المادية الهائلة والواقع الاقتصادي والإداري المتردي. ليبيا التي تمتلك احتياطيات نفطية مؤكدة تصنف بين الأكبر في القارة، وتعيش على إيرادات وفيرة، تجد نفسها رهينة ضغوط حادة، لا في شكل نقص في الناتج المحلي فحسب، بل في شكل فوضى إدارية تعطل دورة الاقتصاد، وغياب معايير موحدة تحكم إدارة المال العام والخدمات. هذه الحالة ليست قدراً محتوماً، بل هي نتيجة مباشرة لما يمكن وصفه بـ«الانفلات المؤسسي»؛ حيث تتقدم المصالح الجهوية والفئوية على الحساب الوطني، وتغيب المحاسبة، وتضعف آليات المساءلة.
في أي دولة مستقرة، يشكل القانون الحد الأدنى الإلزامي للسلوك العام، لكنه لا يعمل من فراغ، بل يستند إلى ثقافة مجتمعية تحتكم إلى قيم الالتزام والشفافية. حين تتفكك هذه القيم، يتحول النص القانوني إلى حبر على ورق، وتتحول المؤسسات إلى هياكل فارغة من المضمون. وهذا بالضبط ما أشارت إليه التدوينة بحديثها عن «غياب الإطار المؤسسي الجامع»، وهو غياب لا يمكن تعويضه بترتيبات هشة أو توافقات نخبوية مؤقتة. فالدولة التي لا تنجح في بناء جسم إداري متماسك وقادر على تطبيق القواعد على الجميع، تصبح عاجزة عن تحصيل الإيرادات بشكل عادل، وعاجزة عن توزيع الخدمات، وعاجزة عن بسط سيادتها على كامل التراب الوطني.
معضلة الهجرة غير النظامية: اختبار السيادة الوطنية في المختبر الليبي
من بين التحديات التي تتعاظم في ظل هذا الفراغ، يبرز ملف الهجرة غير النظامية بوصفه مختبراً حقيقياً لمعنى السيادة. المقاربة التي طرحها عصر تتجاوز لغة التهويل الإعلامي أو التبسيط الأمني، لتدعو إلى معالجة واقعية تقوم على ثلاثة أركان: السيادة، التنظيم، والتعاون الدولي. هذا الموقف يعكس إدراكاً عميقاً بأن ضعف الدولة يحول ليبيا إلى ساحة عبور مفتوحة، لا تملك أدوات الضبط ولا تملك القدرة على إدارة التدفقات البشرية بطريقة تحفظ الأمن الوطني وتصون الالتزامات الإنسانية في آن واحد.
غياب إدارة فعالة لهذا الملف لا يولّد تعقيدات اجتماعية وقانونية فحسب، بل يخلق أوراق ضغط بيد قوى خارجية، ويغذي أسواق التهريب والجريمة المنظمة. وهذا ينسجم مع التحذير الأوسع في التدوينة من أن الدول التي لا تحسن إدارة مواردها تصبح عرضة لتأثيرات خارجية قد تحمل عناوين مختلفة، لكن جوهرها يبقى محكوماً بالمصالح والنفوذ. التاريخ الليبي الحديث يقدّم شواهد حية على هذه المعادلة: حيثما غاب النظام، تسللت القوى المتنافسة لملء الفراغ، وتحولت الجغرافيا الليبية إلى رقعة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
في قلب الأزمة: الداخل قبل الخارج
غير أن الرسالة الأشد وضوحاً في التحليل هي أن التحدي الحقيقي ليس في الخارج، بل في الداخل. النخبوية السياسية التي تتقاسم المشهد منذ سنوات طويلة، والانقسام المزمن بين شرق البلاد وغربها وجنوبها، وتأخر المصالحة الوطنية، كلها عوامل تضعف الدولة وتنزع عنها القدرة على حماية قرارها الوطني. وهذا ما تجسده العبارة التي تقول إن «الأجيال القادمة ليست طرفاً في هذا الصراع، لكنها ستكون أول من يدفع ثمن استمراره»، وهي عبارة تختزل مأساة جيل كامل سيرث بلداً معلقاً بين الموارد المبددة والصراعات التي لا تنتهي.
من هنا يصبح الحل ضرورة لا خياراً، والمدخل المنطقي هو مصالحة وطنية شاملة لا تقف عند حدود تقاسم المناصب أو تبادل الأدوار، بل تتجاوز الجراح، وتعيد بناء الثقة بين المكونات الاجتماعية. هذه المصالحة المطلوبة هي عملية طويلة الأمد، ذات بعد سياسي واقتصادي واجتماعي ونفسي، تحتاج إلى إطار مؤسسي يرعاها، وإلى إرادة داخلية صادقة تحميها من المناورات.
إعادة بناء الأجسام المهنية: نقابات حقيقية بديلاً عن الانقسام
يتضمن الطرح المقدم نقلة نوعية في التفكير بشأن إعادة بناء الدولة؛ إذ لا يركز فقط على الأجهزة الحكومية التقليدية، بل يراهن على المجتمع المنظم ممثلاً في النقابات والروابط المهنية. فالنقابات، كما تقول التدوينة، «ليست مجرد هياكل، بل أدوات لتنظيم المجتمع وإشراكه في صنع القرار بطريقة مؤسسية». هذه الرؤية تنطلق من تشخيص واقعي مفاده أن شرائح واسعة من الليبيين لا تجد نفسها معبَّراً عنها في الهياكل الحالية، وأن كثيراً من الأجسام المهنية القائمة إما هشة أو قائمة على أسس جهوية وولاءات ضيقة.
لذلك، يشكل إنشاء اتحاد عام للنقابات والروابط المهنية، منبثق من قواعد حقيقية وتمثيلية، نموذجاً لتوازن اجتماعي يشارك في الضبط ويُسهم في إدارة الشأن العام. هذا النوع من البنى الوسيطة يقلص من فرص الانقسام الأفقي والعمودي، ويوفر آليات سلمية لتداول المصالح والمطالب. في التجارب الدولية، كثيراً ما كانت النقابات القوية والمستقلة ركيزة لاستقرار الديمقراطيات الناشئة، وأداة لإدماج المواطنين في مسار الإصلاح بدلاً من تركهم لقوى الشارع غير المنظمة أو لجماعات المصالح.
الرقمنة كأداة للضبط: من الرقم الوطني إلى الدولة المنظمة
من الجوانب اللافتة في هذا الطرح الإصلاحي إدماج التقنيات الحديثة والأنظمة الرقمية في صلب عملية إعادة بناء الدولة. توظيف الرقم الوطني والمنظومات الرقمية يمكن أن يعزز من دقة التنظيم، ويحد من الفوضى، ويضمن تمثيلاً حقيقياً لكل فئة بعيداً عن الازدواجية والتزوير. في بلد تعاني سجلاته من تداخل البيانات وغياب التحديث، يمثل الرقم الوطني الموحد والمنصات الرقمية الآمنة أساساً لبناء هوية مواطنة واضحة، ولإقامة علاقة مباشرة بين الفرد والدولة تتجاوز الوسطاء التقليديين الذين غالباً ما يتحكمون في التمثيل ويحتكرون المنافع.
الدولة التي تنجح في رقمنة خدماتها وسجلاتها تستطيع في الوقت نفسه أن تراقب أداءها الذاتي، وتقلص هامش الاقتصاد غير الرسمي، وتوسع القاعدة الضريبية دون أن تثقل كاهل المواطن. كما أن الرقمنة تفتح الباب أمام آليات جديدة للمحاسبة والشفافية في إدارة الموارد، وهو ما تحتاجه ليبيا بشكل حاد لكسر دائرة الريع والفساد. وعليه، فإن الدعوة إلى الرقمنة ليست ترفاً تقنياً، بل جزء من استراتيجية أوسع لبناء دولة عادلة ومنضبطة.
السؤال الجوهري: هل الأزمة في غياب القانون أم في غياب الالتزام به؟
تعود التدوينة في ختامها إلى السؤال الذي افتتحت به، لكن بعدما وضعت أمام القارئ صورة متكاملة للاختلالات البنيوية. هذا السؤال ليس بلاغياً، بل هو إعادة تعريف للمشكلة. غياب القانون في ليبيا جزئي وليس كلياً؛ فهناك نصوص تشريعية وإجراءات شكلية، ولكن غياب الالتزام به هو المأزق الحقيقي. هذا الغياب لا يعود فقط إلى ضعف الأجهزة الرقابية والقضائية، بل إلى منظومة قيم اجتماعية وسياسية لا تضع احترام النظام العام في صدارة الأولويات.
الدولة التي تريد الخروج من النفق المزدوج لانهيار الأخلاق وغياب القانون، مطالبة باستعادة «الإرادة الوطنية الصادقة» التي أشار إليها عصر. هذه الإرادة لا تتجسد في خطاب سياسي، بل في قدرة النخب والمجتمع معاً على بناء عقد اجتماعي جديد، يبدأ من مصالحة شاملة، ويمر عبر أجسام مهنية معبّرة، ويصل إلى دولة رقمية حديثة. وحده هذا المسار المتعدد الأبعاد يمكن أن يحول دون أن تدفع الأجيال القادمة ثمن إخفاقات الحاضر.



