ليبيا

تأخير المرتبات يهدد العائلات الليبية قبيل عيد الأضحى وأسعار السوق تشتعل

أزمة رواتب مايو تفاقم الغلاء وتحاصر المواطنين في ليبيا قبيل الأضحى


ليبيا 24

شرعية متآكلة تهدد لقمة العيش: عندما تتحول الوعود الرسمية إلى فخاخ معيشية

لا يبدو المشهد الليبي الراهن مجرد أزمة سيولة عابرة، أو تأخير إداري روتيني في صرف المرتبات، بل هو تجسيد صارخ لأزمة حكم عميقة، تتداخل فيها خيوط الاقتصاد المنهك، والسياسات المرتجلة، والشرعية المتآكلة، لتشكل معاً عاصفة تهدد الاستقرار الاجتماعي الهش. التحذير الذي أطلقه المترشح الرئاسي السابق سليمان البيوضي، والقائل إنه “إذا لم تدفع مرتبات شهر مايو منتصف هذا الشهر، والربع الثاني لمنحة الزوجة والأبناء للعام 2026، فصعوبات كبيرة ستواجهها العائلات الليبية في عيد الأضحى بسبب ارتفاع الأسعار الجنوني في السوق”، ليس مجرد تصريح سياسي، بل هو جرس إنذار يعكس هشاشة الوضع المعيشي لملايين الليبيين في ظل حكومة لا تملك من أدوات الحكم سوى البيانات المتكررة والإجراءات المتأخرة.

تأخير متكرر وثقة متآكلة

في الوقت الذي تؤكد فيه وزارة المالية بالحكومة منتهية الولاية، التي يترأسها عبدالحميد الدبيبة، إحالة مرتبات شهر أبريل إلى مصرف ليبيا المركزي في الثالث من مايو، وتعلن عن نسبة إنجاز 75% في حساب الخزانة الموحد، تظل التساؤلات الجوهرية معلقة: لماذا يتكرر هذا السيناريو شهرياً؟ كيف يمكن لحكومة تدير واحدة من أكبر الميزانيات في تاريخ ليبيا أن تعجز عن صرف المرتبات في موعدها المحدد؟ البيان الحكومي الذي أرجع التأخير إلى “إدراج إفراجات جديدة لـ 11,376 موظفاً ضمن كشوفات المرتبات” يبدو، في نظر المراقبين، أقرب إلى اعتراف ضمني بفشل التخطيط المالي المسبق، منه إلى توضيح لإجراءات قانونية روتينية.

إن إصرار الحكومة على إلقاء تبعة التأخير على “استيفاء الاشتراطات والضوابط القانونية لشغل الوظيفة العامة” لا يمكن فصله عن سياق أوسع من انعدام الثقة بين المواطن والسلطة التنفيذية. ففي الوقت الذي تتحدث فيه الوزارة عن “حرصها على استكمال الإجراءات وفق الأطر القانونية”، يرى المواطن الليبي أن هذه الأطر تحولت إلى قيود بيروقراطية تعطّل قوته اليومي، وتجعله رهينة لصراع غير معلن بين مؤسسات الدولة التي تعاني من شرخ سياسي عميق. فهل يُعقل أن مؤسسة بهذا الحجم لا تستطيع أن تُنهي إجراءات توظيف 11 ألف موظف قبل موعد صرف الرواتب بأيام، بدلاً من مفاجأة السوق المالية بتأخير يضرب استقرار آلاف الأسر؟

العيد في مرمى الغلاء: أزمة إنسانية تلوح في الأفق

يأتي تحذير البيوضي في لحظة فارقة. اقتراب عيد الأضحى، وهو مناسبة دينية واجتماعية تتضاعف فيها النفقات الأسرية، يجعل من تأخير صرف مرتبات شهر مايو، والربع الثاني من منحة الزوجة والأبناء، قنبلة موقوتة في وجه الاستقرار الاجتماعي. الأسواق الليبية، التي تشهد أصلاً موجة تضخم جامحة، تستعد لزيادة موسمية في الطلب تؤدي، في غياب السيولة النقدية، إلى كارثة إنسانية صامتة. العائلات الليبية، التي أنهكتها سنوات من عدم الاستقرار الاقتصادي، ستجد نفسها بين خيارين أحلاهما مر: الاقتراض بفوائد ربوية من السوق السوداء، أو التضحية بمتطلبات العيد الأساسية، وهو ما يعني تفكيك ما تبقى من النسيج الاجتماعي.

هذا المشهد القاتم ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة مباشرة لغياب الرؤية الاقتصادية لدى حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي. فبينما تتباهى بيانات مصرف ليبيا المركزي بارتفاع احتياطيات النقد الأجنبي، وتتحدث تقارير حكومية عن “إنجازات” في حساب الخزانة الموحد، يغرق المواطن في دوامة من الغلاء غير المسبوق. الارتفاع الجنوني للأسعار ليس مجرد ظاهرة سوقية، بل هو انعكاس لغياب سياسات حماية المستهلك، وتقاعس أجهزة الرقابة عن ضبط الأسواق، وتواطؤ ضمني مع شبكات الاحتكار التي تنهش جسد الاقتصاد الوطني. كيف يمكن للحكومة أن تبرر ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية بنسب تتجاوز 50% في بعض المناطق، بينما تتباهى في الوقت نفسه بـ”إنجاز” يتعلق بنظام معلوماتي للمرتبات؟

حكومة بلا سلطة وقرار بلا تأثير

جوهر الأزمة يتجاوز الجانب المالي والإداري ليطال طبيعة السلطة الحاكمة في غرب ليبيا. حكومة الدبيبة، التي توصف بـ”منتهية الولاية” في الخطاب السياسي، تعاني من أزمة شراكة عميقة مع باقي المؤسسات، وهو ما ينعكس على قدرتها في إدارة الملفات الحيوية. إن الإعلان عن إحالة مرتبات أبريل في الثالث من مايو هو دليل مادي على أن الحكومة أصبحت تتحرك بردود أفعال متأخرة، لا بخطط استباقية منسقة، وكأنها تدير شؤون البلاد من غرفة عمليات طوارئ دائمة، لا من مكاتب تخطيط استراتيجي. تحذير البيوضي يكشف بما لا يدع مجالاً للشك أن أزمة السيولة والمرتبات لم تعد مشكلة فنية بحتة، بل تحولت إلى سلاح سياسي يُستخدم في لعبة عض الأصابع بين الفرقاء.

المجلس الرئاسي، برئاسة محمد المنفي، والذي يفترض دستورياً أن يكون رأس السلطة، يقف عارياً أمام هذه الأزمة. لا هو قادر على فرض إيقاع منتظم لعمل الحكومة، ولا هو قادر على إصدار توجيهات ملزمة تضمن حقوق المواطنين الأساسية. أين دور المجلس في مراقبة الأداء الحكومي؟ أين ممارسته لصلاحياته في ضمان حسن سير المرافق العامة؟ الغياب المطبق للمجلس الرئاسي عن هذا المشهد، ما لم يكن تواطؤاً مقصوداً، يكشف عن فراغ دستوري وسياسي تملؤه البيانات الحكومية المتناقلة بين الوزارة والمصرف المركزي، بينما يدفع المواطن الثمن من صحته النفسية واستقرار أسرته.

“حساب الخزانة الموحد”: إنجاز على الورق أم فشل على الأرض؟

تروج وزارة المالية لنسبة إنجاز بلغت 75% في حساب الخزانة الموحد للمرتبات، وكأنها تقدم كشف حساب عن المستقبل. بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا عن النسبة المتبقية البالغة 25%؟ هل تمثل فقط تأخيراً تقنياً، أم أنها تعكس عجزاً مزمناً في نظام يمكّن الحكومة من السيطرة على مسار الأموال العامة؟ إن تسليط الضوء على نظام “راتبك لحظي” كمنظومة للصرف يخفي حقيقة أكثر قتامة، وهي أن هذا النظام أصبح أداة للتحكم في توقيت إيصال الأموال للمواطن، بدلاً من أن يكون وسيلة لتسريعها. فالتكنولوجيا هنا لا تخدم الشفافية، بل تضاعف من ضبابية المشهد وتتيح للحكومة ذرائع لا تنتهي لتبرير تقصيرها.

في أي دولة تعمل بنظام مؤسساتي سليم، يُعد تأخير صرف المرتبات أسابيع أو حتى أياماً حدثاً استثنائياً يستوجب المساءلة الفورية. أما في ليبيا، فقد تحول هذا التأخير إلى قاعدة شهرية لا تُستثنى منها إلا حالات نادرة. إن فشل السلطات في معالجة هذا الملف يعكس تخبطاً على أعلى المستويات، ويُظهر كيف أن “الإصلاحات” التي تتبناها الحكومة، بدءاً من توحيد الحسابات وصولاً إلى إعادة هيكلة الوظيفة العامة، لا تتعدى كونها عناوين براقة لتقارير العلاقات العامة، بينما الواقع اليومي للمواطن يزداد بؤساً. من غير المعقول أن تستمر حكومة في الحديث عن برامج طموحة للتنمية، بينما تعجز عن أبسط واجباتها وهو دفع أجر الموظف في نهاية الشهر.

تداعيات اجتماعية وسياسية لا تحتمل الانتظار

إن استمرار هذا النهج الإداري المُعجز لا يهدد فقط القدرة الشرائية للأسر الليبية خلال موسم الأعياد، بل يهدد السلم الاجتماعي برمته. الاحتقان الشعبي الذي لمسناه في تحذير البيوضي ليس تهديداً، بل وصف لواقع تتشكل ملامحه. فالتأخير في الرواتب لا يعني مجرد حسابات بنكية فارغة مؤقتاً، بل يعني عدم القدرة على دفع الإيجارات، والعجز عن سداد أقساط القروض، وانهيار الميزانيات العائلية الهشة. وفي مجتمع يعتمد فيه ما يزيد عن 80% من القوى العاملة على الوظيفة العامة، فإن أي خلل في نظام المرتبات هو بمثابة شلل كامل للدورة الاقتصادية.

لقد آن الأوان أن يدرك المجتمع الدولي والبعثة الأممية أن الأزمة في ليبيا ليست مجرد صراع على الكراسي بين حكومة وأخرى، بل هي انهيار في العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم. إن حكومة تدار من قبل رئيس وزراء يكافح للبقاء في السلطة، ومجلس رئاسي فقد تأثيره، لن تكون قادرة على مواجهة التحديات الهيكلية التي تدفع البلاد إلى حافة الهاوية. كل يوم يمر دون حل سياسي شامل يمثل طعنة جديدة في خاصرة المواطن الليبي الذي لم يعد يثق بأن حكومته قادرة على تأمين لقمة عيشه، ناهيك عن تحقيق أحلامه في الاستقرار والرخاء. أزمة المرتبات الحالية ليست سوى عَرَض لمرض عضال اسمه: غياب الشرعية وافتقاد الإرادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى