حكومة منتهية الصلاحية ومجلس رئاسي متواطئ: حين يطلق خفر السواحل الليبي النار على المنقذين بتمويل أوروبي
برلين تطلب تفسيرا فوريا لاعتداء خفر السواحل على منقذي
ليبيا 24
طرابلس تحت المجهر بعد اعتداء في المياه الدولية يفضح زيف الشراكات التي ترعاها سلطة الدبيبة والمنفي
رصاص في المتوسط: تفاصيل اعتداء أربك عاصمة الوفد الأوروبي
على بعد خمسة وخمسين ميلاً بحرياً شمال طرابلس، وفي مشهد ينتمي إلى أسوأ فصول الفوضى الأمنية التي ترعاها سلطة أمر واقع، أطلق عناصر مما يُسمى بـ”خفر السواحل الليبي” النار مجدداً على سفينة إنقاذ مدنية. هذه المرة، كانت الضحية السفينة “سي ووتش 5” التابعة لمنظمة إغاثة ألمانية، بعد دقائق من انتشالها تسعين شخصاً من مياه المتوسط.
الواقعة التي وثقتها المنظمة وأبلغت بها مراكز الإنقاذ البحرية الألمانية، لم تكن مجرد ترهيب عابر، بل تضمنت وفق رواية الطاقم تهديدات صريحة “بالصعود إلى السفينة واختطاف من كانوا على متنها ونقلهم إلى ليبيا”. التهديد الذي نُقل حرفياً في بيانات المنظمة، يكشف بجلاء الطبيعة الحقيقية للجهة التي تتلقى تمويلاً أوروبياً سخياً لتقوم بدور حارس البوابة البحرية للقارة العجوز.
وسارعت وزارة الخارجية في برلين إلى طلب “تفسير فوري” عبر سفارتها في طرابلس، بينما أعلن متحدث باسم المفوضية الأوروبية أن وفد الاتحاد سيتصل بالمسؤولين الليبيين للحصول على شرح وإثبات الحقائق، مع تذكير بأن جميع الأطراف المشاركة في عمليات البحث والإنقاذ ملزمة باحترام القانون الدولي والقانون البحري الدولي بشكل كامل. غير أن هذا الإعلان الأوروبي، في توقيته ولهجته، لا يخلو من مرارة المفارقة لمن يعرف طبيعة العلاقة القائمة بين بروكسل والميليشيات البحرية التي ترتدي قميص الدولة في غرب ليبيا.
تمويل بلا مساءلة: 59 مليون يورو رهينة بيد حكومة منتهية الولاية
منذ العام 2017، تدير المفوضية الأوروبية تعاوناً تقوده روما مع خفر السواحل الليبي، ضخت فيه ما يقرب من تسعة وخمسين مليون يورو، بحسب معطيات سابقة. صُمم البرنامج ليؤدي وظيفة مزدوجة: الحد من تدفق المهاجرين إلى الشواطئ الإيطالية أولاً، وإضفاء غطاء مؤسساتي على كيان أمني هش ثانياً. غير أن الدرس الذي تؤكده واقعة إطلاق النار الأخيرة، أن هذه الأموال لم تشترِ امتثالاً للقانون الدولي، بل أنتجت قوة ردع لا تتردد في استخدام الرصاص الحي ضد من ينتشلون أرواحاً من الغرق.
المشكلة لا تكمن في واقعة فردية، بل في البنية السياسية الآمرة لهذا الجهاز. فخفر السواحل يتبع نظرياً وزارة الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وهي حكومة تقادمت شرعيتها وأضحت تصنف قانوناً وسياسياً على أنها “منتهية الولاية”. وبقاء هذه الحكومة في السلطة، برعاية إقليمية ودولية ملتبسة، جعل من ملف الهجرة أحد أهم أوراق المساومة التي يستخدمها الدبيبة لضمان استمرار تدفق الاعتراف الدولي والأموال الأوروبية، لا سيما الإيطالية، التي تريد إبقاء المتوسط مغلقاً بأي ثمن سياسي أو أخلاقي.
الدبيبة والمنفي: شراكة أمر واقع تحتكر مأساة البشر
في المعادلة المعقدة للمشهد الليبي، لا يمكن فصل أداء حكومة الدبيبة عن موقف المجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي. فالمجلس، الذي يفترض أن يكون حامياً للشرعية وضامناً لمسار الوحدة الوطنية، تحول فعلياً إلى غطاء سياسي للانتهاكات التي تقترفها الأجهزة الأمنية التابعة للحكومة. صمت المنفي إزاء الاعتداء على سفينة “سي ووتش” ليس حياداً، بل ضوء أخضر ضمني لاستمرار النهج القائم على اعتبار المنقذين خصوماً لا شركاء.
واقع الحال يقول إن الدبيبة والمنفي يديران معاً احتكاراً مقيتاً لملف الهجرة. الأول عبر القبضة الأمنية والمالية على التشكيلات المسلحة التي تنتحل صفة خفر السواحل، والثاني عبر شرعنة هذا الاحتكار بخطاب السيادة والوحدة الوطنية في المحافل الدولية. وعندما يقف سفير الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا، نيكولا أورلاندو، في احتفالية “يوم أوروبا” بطرابلس ليتحدث عن “شريك موثوق وثابت” وعن “ترسيخ السيادة والوحدة والازدهار وتعزيز الحقوق والحريات”، فإن المشهد يكون قد بلغ ذروة العبث: احتفال دبلوماسي تنطلق في الوقت نفسه رصاصات القوة البحرية الممولة أوروبياً باتجاه سفينة ترفع راية الإنقاذ الإنساني.
أداة قمع لا حارس حدود: عندما يصبح خفر السواحل نافذة الجريمة المنظمة
شهادات الناجين وتقارير المنظمات الحقوقية طالما وثقت أن خفر السواحل الليبي ليس جهازاً تقنياً محايداً، بل واجهة لشبكات معقدة تمتد من الاحتجاز التعسفي إلى الاتجار بالبشر. تهديد عناصره “باختطاف” من على متن سفينة الإنقاذ ليس زلة لسان، بل إعلان نوايا يعكس ممارسة راسخة: إعادة المهاجرين قسراً إلى ليبيا حيث يواجهون التعذيب والابتزاز والسخرة، في معسكرات تديرها أحياناً الميليشيات نفسها التي تتقاسم الكعكة مع مسؤولين في طرابلس.
إن الجهة التي تطلق النار على منظمة إغاثة ألمانية في المياه الدولية هي جهة لا تعترف بالحدود ولا بالقانون، ولا تشعر بأي رادع طالما ظلت محمية بالغرض الأوروبي الأعمى المتمثل في “ضبط الحدود”. وهذا يضع حكومة الدبيبة أمام مأزق جديد: فإما أنها لا تسيطر فعلياً على قواتها، وهذا يعني أنها سلطة شكلية ينبغي للعالم أن يكف عن معاملتها كدولة ذات سيادة، وإما أنها تسيطر عليها وتقبل بهذه الممارسات بصفتها سياسة دولة، وهو اعتراف يستوجب مراجعة فورية لجميع الاتفاقيات الأمنية والمالية الموقعة معها.
النفاق الأوروبي بين إدانة خجولة وشراكة إستراتيجية
لا يمكن قراءة رد الفعل الأوروبي بمعزل عن الارتهان العميق لبروكسل وروما للدور الذي تلعبه قوات خفر السواحل الليبية. فعبارة “طلب إيضاحات” التي استخدمها المتحدث باسم المفوضية، تنم عن رغبة في احتواء الأزمة دبلوماسياً بدل فتح تحقيق جدي. وبينما تشدد بروكسل على “احترام القانون الدولي”، تواصل تمويل جهاز أثبت مراراً أنه لا يكترث بهذا القانون.
هذا التمويل لم يعد مجرد دعم تقني، بل تحول إلى أحد أعمدة بقاء حكومة الدبيبة اقتصادياً. فالأموال الأوروبية، التي تتجاوز منح خفر السواحل لتشمل حزم دعم مباشر للموازنة، تمنح هذه الحكومة المنتهية الولاية متنفساً مالياً يشكل بديلاً عن إيرادات النفط التي تصارع عليها قوى الشرق والغرب. وبذلك تكون أوروبا، عن قصد أو عن غير قصد، قد خلقت وحشاً بيروقراطياً أمنياً تعتمد عليه لضبط الهجرة، وفي المقابل تعتمد عليه سلطة الدبيبة للبقاء في المشهد.
الأبعاد الجيوسياسية: بوابة الهجرة مقابل استمرار الاعتراف
على مستوى التحليل الجيوسياسي، صار ملف الهجرة في ليبيا يمثل رهينة بيد حفنة من صانعي القرار في غرب البلاد. كل حادثة إطلاق نار جديدة، وكل اعتراض عنيف لقارب مطاطي، يذكر بأن أوروبا اختارت نموذج “اللامركزية الأمنية” حيث تُمنح الميليشيات المحلية غطاء الدولة، لتقوم بالعمل القذر الذي تعجز عن القيام به جيوش الاتحاد وسفنه. ثمن هذا الخيار ليس مالياً فحسب، بل هو جيوسياسي بامتياز: حكومة الدبيبة تراهن على أن قدرتها على التحكم في تدفق المهاجرين هي بوليصة التأمين الوحيدة التي تضمن عدم تحرك الدول الفاعلة لإزاحتها، فيما يراهن المجلس الرئاسي على أن صمته إزاء هذه الترتيبات يضمن حصته في هامش المناورة الإقليمية.
ويزيد من تعقيد المشهد أن إيطاليا، الشريك الأوروبي الأقرب لهذه المنظومة، تتبنى سياسة خارجية عملية تختصر ليبيا في شريطها الساحلي الغربي. وقد أثبتت الوقائع أن روما مستعدة لغض الطرف عن أي تجاوز طالما ظلت أرقام الوصول إلى لامبيدوزا تحت السيطرة. وهذا الاعتماد المتبادل خلق حلقة مفرغة: كلما احتاج الدبيبة إلى تأكيد شرعيته الدولية، شدد الخناق على المنظمات الإنسانية وأظهر أنه قادر على إدارة “الأزمة”، وكلما تلقت روما التطمينات، جددت ثقتها بهذه الحكومة التي تجاوزها الزمن الدستوري.
شهادات الميدان تقوض رواية الدولة
منظمة “سي ووتش” ليست وحدها من يوثق التجاوزات. فخلال العامين الأخيرين، تضاعفت تقارير الاستهداف الممنهج لسفن الإنقاذ المدنية: من التشويش على أجهزة الاتصال إلى المناورات الخطرة، وصولاً إلى إطلاق النار الحي. والجديد في حادثة يوم الاثنين أنها وقعت على مرأى ومسمع من مراكز الإنقاذ الدولية، وفي وقت كانت فيه ألمانيا تنشط دبلوماسياً لتعزيز التعاون مع طرابلس. رد برلين الفوري عبر سفارتها يشي بغضب قد يتجاوز الخطاب الدبلوماسي المعتاد، لكن السؤال المطروح يبقى: هل ستترجم برلين هذا الغضب إلى مراجعة لسياستها الداعمة ضمناً للدور الأوروبي الذي يسلح خفر السواحل ويدربه، أم ستكتفي بـ”تفسير” لن يغير من واقع المأساة شيئاً؟
إفلات ممنهج: كيف تتحول طرابلس إلى منطقة لا قانون فيها
أحد أخطر انعكاسات هذه الحادثة هو تكريس الإفلات من العقاب. فعندما تبادر أطراف دولية إلى تدريب قوة بحرية وتجهيزها ثم توفر لها الغطاء السياسي، ويقابل ذلك صمت رئاسي ليبي لا يحرك ساكناً، تصبح الرسالة الموجهة إلى عناصر خفر السواحل أن لا خطوط حمراء. وهذا ما يفسر التحول التدريجي في سلوكهم من اعتراض المهاجرين إلى تهديد طواقم الإنقاذ الدولية، في سلوك لا يختلف كثيراً عن القرصنة.
غياب أي إجراء محاسبة من جانب حكومة الدبيبة ضد المسؤولين عن الهجوم الأخير، أو حتى تشكيل لجنة تحقيق حقيقية، يعزز هذا المنحى. فالحكومة التي تسكت عن اعتداء في المياه الدولية على سفينة تحمل علم منظمة غير حكومية ألمانية، لن تجد غضاضة غداً في التعامل بعنف أشد مع قوارب اللاجئين الهشة. وهكذا تصبح مياه المتوسط قبالة طرابلس مسرحاً لانتهاك مزدوج: تمويل أوروبي يغذي سلوكاً خارجاً عن القانون، وسلطة زبائنية تضمن لداعميها استمرار تدفق المال والنفوذ.
ضرورة مراجعة الشراكة وإسقاط وهم السيادة المنتقاة
إن الاستنتاج الذي تفرضه وقائع هذا الهجوم لا يحتمل التأويل: لا يمكن لدولة أن تطالب بالسيادة والاحترام الدولي، وفي الوقت نفسه توظف قواتها لترويع من يقومون بعمل إنساني في المياه الدولية. وعلى الحكومات الأوروبية أن تدرك أن بقاءها في ذات الخندق مع كيان منفلت كهذا لا يخدم مصالحها الإستراتيجية، بل يعمق أزمة مصداقيتها الأخلاقية في الداخل والخارج.
الترياق ليس في بيانات الإدانة وحدها، بل في إعادة هيكلة شاملة للتعاون مع ليبيا في مجال الهجرة، تبدأ بتعليق كل أشكال الدعم المالي واللوجستي لوحدات ثبت تورطها في انتهاكات جسيمة، مروراً بفرض عقوبات شخصية على القادة العسكريين والأمنيين المسؤولين عن هذه الوحدات، ووصولاً إلى ربط أي دعم مستقبلي لحكومة ليبية بوجود تفويض انتخابي حقيقي وإطار دستوري يضع القوات المسلحة والأمنية تحت سيطرة مدنية كاملة.
مستقبل غامض: ماذا ينتظر شراكة الهجرة بعد 2026؟
في الأفق المنظور، يبدو أن حوادث كهذه ستتكرر ما لم يحدث تحول جذري في المقاربة الأوروبية. فالاتحاد الأوروبي الذي يحتفل بـ”يومه” في طرابلس، ويستمع إلى تعهدات سفيره بترسيخ الحقوق والحريات، هو ذاته الذي يغذي بالمال والتدريب قوة تطلق النار على من ينقذون الأرواح. هذا التناقض الصارخ سيظل يطبع الشراكة الأوروبية الليبية، وسيظل يستثمر من قبل حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي كورقة ضغط مزدوجة: ضغط على الغرب لإبقاء التمويل والاعتراف متواصلين، وضغط على الداخل الليبي لفرض معادلة أمنية يستحيل معها فرز ما هو دولة عما هو ميليشيا.
الاعتداء على “سي ووتش 5” ليس مجرد سطر في سجل انتهاكات المتوسط، بل هو إعلان بأن الترتيب القائم في غرب ليبيا – القائم على تحالف ضمني بين قوى دولية عاجزة عن إيجاد بديل وسلطات محلية منتهية الصلاحية – قد وصل إلى نقطة انكشاف أخلاقي وقانوني لم يعد ممكناً دفنها بدبلوماسية العبارات الفضفاضة. فإما أن تتحرك بروكسل وبرلين وروما نحو نموذج جديد يقوم على المساءلة واحترام القانون الدولي، وإما أن تستمر رصاصات خفر السواحل في حفر قبر الشراكة بأكملها، على مرأى من مجلس رئاسي يكتفي بدور الشاهد الصامت وحكومة ترى في المأساة فرصة وجودها الوحيدة.



