ليبيا

البركي: المركزي يتلاعب بالاحتياطي والدولار سيقفز إلى 7.80 دينار

صفحات ممولة تحرق ميزانية الدولة ودعوات لتحريم شراء الدولار

ليبيا 24


ليبيا ومعركة سعر الصرف: اقتصاد التسريبات وشبكات النفوذ تدفع الدينار نحو 7.80

في توقيت يغلب فيه الغموض على إدارة الاحتياطي النقدي، تبرز تحذيرات متخصصة تعيد رسم خريطة العلاقة بين المال والسياسة والنفوذ في ليبيا. الإعلامية والباحثة في شؤون الأمن والهجرة الدكتورة ريم البركي وثقت، عبر سلسلة من المنشورات التحليلية، ملامح أزمة سعر صرف لا يديرها العرض والطلب وحدهما، بل تتحكم فيها شبكات تمويل رقمية وقرارات مصرفية مثيرة للجدل وفتاوى دينية توازي السياسة النقدية من حيث الأثر.

هذا التقرير يقرأ المشهد من منظور تحليلي يستند إلى المعطيات التي رصدتها البركي، لفهم المسارات التي قد تبلغ بالدينار الليبي حدود 7.80 دينار لكل دولار، ويكشف كيف تتحول منصات التواصل إلى أدوات لحرق الميزانية العامة وتوجيه السوق الموازي.

تشريح أزمة سعر الصرف: إشارات المركزي وتحركات الاحتياطي

أشارت البركي إلى توصيف دقيق لما أسمته رقابة إدارية بـ«المتغطيء» في تعامل مصرف ليبيا المركزي مع احتياطي النقد الأجنبي. هذا التعبير يختزل اتهاماً ضمنياً بأن ثمة عمليات غير معلنة تجري على الأرصدة الاحتياطية، في وقت تعتمد فيه ليبيا بشكل شبه كامل على الإيرادات النفطية لتغذية الخزينة العامة.

الخطوة التي كشفت عنها البركي تمثلت في مخاطبة المركزي للمصارف بمراجعة كافة الاعتمادات المستندية خلال عامي 2025 و2026، مع مراجعة المحفظة الائتمانية وحصر الحسابات المعلقة وبنود السلفيات والسحب على المكشوف الممنوحة للجهات الاعتبارية. توقيت هذا التعميم في لحظة ضغط طلب عالٍ على العملة الصعبة ليس بريئاً؛ فهو يشير إلى أن ثمة فجوة تمويلية تدفع المركزي إلى إعادة فتح ملفات ائتمانية سابقة بحثاً عن أخطاء أو مبالغ يمكن استردادها، في محاولة لتخفيف الضغط دون اللجوء إلى إعلان رسمي بخفض قيمة الدينار.

اقتصاد المنشورات الممولة: كيف تحرك عشرة آلاف دولار السوق الموازي؟

من أشد ما ركزت عليه تحليلات البركي الإشارة إلى دور ما وصفته بـ«صفحات الممول» في التأثير المباشر على سعر الصرف. الآلية التي شرحتْها تنطلق من فرضية أن جهات مستفيدة تضخ أموالاً لمجموعات رقمية كي تطلق منشوراً مسرباً يتحدث عن فتح حصة للأغراض بقيمة أربعة آلاف دولار تصرف نقداً بعد العيد، أو عن توفير سيولة دولارية للعلاج بطريقة الكاش.

النتيجة الفورية، بحسب رصد البركي، هي أن السوق الموازي يشهد تراجعاً بمقدار عشرة قروش في سعر الدولار، في عملية أقرب إلى جراحة تسعيرية مؤقتة تمولها أطراف مستفيدة من تحريك السعر باتجاه معين.

وتضيف الباحثة بعداً خطيراً حين تصف هذا السلوك بأنه «حرق ميزانية للدولة»، ذلك أن الممولين الذين يحركون السوق الرقمي إنما يتقاضون أموالاً تذهب سدى من الخزينة العامة، فيما ينخفض السعر لعشر قروش فقط، ليعاود الارتفاع بعد ساعات. هذا النمط من الاقتصاد الرقمي الموازي يحول قرار سعر الصرف من أداة نقدية إلى سلعة بيد شبكات مصالح لا تخضع لأي رقابة مؤسسية.

تناقض التوزيع النقدي: لماذا ارتفع الدولار رغم ضخ السيولة؟

في تتبعها الميداني لحركة السوق، توقفت البركي عند مفارقة لافتة: لماذا قفز سعر الدولار ثلاثين قرشاً في يوم واحد، رغم أن التوزيع النقدي للدولار يفترض أن يخفض السعر في السوق الموازي؟ التفسير الذي قدمته يقطع مع المقولات السائدة لدى الصفحات الممولة، إذ أكدت أن المشكلة ليست في ضخ الدولار للأغراض، بل تكمن في حجم الطلب الكبير والمتنوع المصادر.

وتقول بصراحة إن إيداع عشرة آلاف دولار اشتراها مواطن من السوق السوداء في حسابه الأجنبي واستخدام البطاقة للشراء، هو سؤال مفتوح على مصراعيه ينتظر جواباً تنظيمياً من المركزي، لا مجرد إجراء شكلي. السحب على المكشوف ومنح السلفيات للجهات الاعتبارية، إلى جانب اعتمادات مستندية معلقة، كلها مولدات طلب لا يقابلها نمو مقابل في العرض الحقيقي من النقد الأجنبي، بل تلتهم أي دولار يضخ بسرعة تفوق قدرة السوق على التنفس.

سعر 7.80 دينار: اعتراف ضمني بغياب الخطة الاقتصادية

خلصت البركي إلى نتيجة قد تكون الأكثر إثارة للجدل في أوساط صناع القرار، حين قالت إنه «لا مفر من تعديل سعر الصرف مجدداً لحدود الـ 7.80 دينار». لكنها أوضحت أن هذا التعديل ليس خياراً صائباً بذاته، بل هو اعتراف بفراغ استراتيجي: «مش عشان هكي هو الصح، لكن عشان مافيش خطة». بهذا التشخيص تنتقل الباحثة من دائرة التحليل الفني إلى قلب الأزمة السياسية؛ إذ أن غياب سياسة اقتصادية واضحة، وتآكل أدوات المركزي بفعل الضغوط السياسية وشبكات المصالح، يجعل التعديل المتكرر لسعر الصرف هو الأداة الوحيدة المتبقية، بالرغم من كلفته الاجتماعية العالية.

هذا المنحى يتطابق مع ما ترصده أدبيات الاقتصاد السياسي في الدول الريعية الهشة، حيث يصبح سعر الصرف صمام أمان وحيداً لتصريف الضغوط التضخمية وخفض العجز، دون معالجة جذرية للإنتاج والتنويع الاقتصادي.

فتوى التحريم: عندما تغلق القناة الرسمية الوحيدة لشراء العملة

لم تغفل البركي البعد الديني الذي تسلل إلى المشهد النقدي، عندما أشارت إلى أن «جماعة دار الإفتاء بقيادة المفتي المعزول الصادق الغرياني شكلهم عندهم بزنس مليح في الدولار… نازلين عشرات ضد شراء الدولار من المركزي (مكان البيع الوحيد السليم)».

هذا التعليق يفتح نافذة على اقتصاد موازٍ تغذيه الفتاوى، حيث يؤدي تحريم شراء الدولار من القناة الرسمية إلى دفع المتعاملين قسراً نحو السوق السوداء، التي يستفيد منها مشغلو شبكات التهريب والمضاربة.

حين تصبح المؤسسة الدينية طرفاً في لعبة الصرف، فإنها تفقد وظيفتها الإرشادية وتتحول إلى معرقل لاستقرار العملة الوطنية، إذ تمنع التداول من المصدر الوحيد الخاضع للرقابة وتفتح الأبواب أمام سوق غير منضبطة تلتهم مدخرات المواطنين.

وهم الكهرباء إلى أوروبا: إلهاء سياسي أم مشروع وهمي؟

في جانب آخر من تحليلاتها، تطرقت البركي إلى تصريح رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة بشأن عزم حكومته إنشاء خط كهرباء يغذي أوروبا بالطاقة. بتساؤل لاذع، قالت: «هو مش وكان يغذي ليبيا باعتبار أن بعض سكانها عابين عليه، ماله ومال تغذية أوروبا هلها ما يعرفوا حتى اسمه!».

بعيداً عن السخرية، يحمل هذا الموقف نقداً عميقاً لأولويات سياسية تتجه نحو مشاريع تصديرية كبرى في وقت يعاني فيه المواطن الليبي من انقطاعات كهرباء مزمنة. كما يتقاطع هذا الخطاب مع منطق الأنظمة الريعية التي تستخدم الإعلانات الضخمة للاستهلاك الداخلي والخارجي كغطاء على أزمات هيكلية، بينما تغيب خطط الإصلاح الحقيقي لقطاع الطاقة المحلي، مما يرسخ التبعية ويصرف الأنظار عن فشل الخدمات الأساسية.

حين تدير التسريبات السياسة النقدية

تقدم تحليلات البركي مجتمعة صورة لنظام سياسي اقتصادي هجين، تتشابك فيه قرارات المركزي مع منشورات ممولة على مواقع التواصل، وتغدو فيه فتوى التحريم أداة سوقية، وتتحول تصريحات المسؤولين إلى مناورة لصرف النظر عن الأزمة.

في العمق، تكشف هذه المنظومة أن غياب الرؤية المؤسسية يدفع إلى إدارة الأزمة بمنطق يومي، عبر تعديلات سعرية متوقعة تصل إلى 7.80 دينار، وعبر محاولات يائسة لضبط الطلب على العملة الصعبة دون ضبط منابع ذلك الطلب.

وحتى يصبح هناك خطة اقتصادية شاملة تبدأ بإصلاح إدارة الاحتياطي وإنهاء التوظيف السياسي للقطاع المصرفي ووقف استنزاف الميزانية عبر الممولين، فإن السيناريو الذي ترسمه البركي سيبقى شاخصاً في أفق كل صباح تتعامل فيه السوق الموازية مع الدولار لا كعملة، بل كورقة ضغط في لعبة نفوذ لا تبقي على شيء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى