ليبيا

غرباء في ردهات الألم: حين تصبح رحلة العلاج الليبي حكاية موت مؤجل على أرصفة الجوار

استغاثات علاجية تتصاعد وعجز الدولة يفتح أبواب المأساة الإنسانية


ليبيا 24

مرضى ليبيا في المهجر تحت وطأة ديون منسية وحكومة غائبة

لا تشبه رحلة المريض الليبي إلى الخارج بحثاً عن شفاء مفقود تلك الصورة النمطية عن مواطن دولة نفطية يتلقى العلاج في أرقى المصحات بتمويل حكومي لا ينضب.

هي أقرب إلى منفى قسري داخل غرف الانتظار، حيث يتساوى وجع الجسد مع وجع الانتظار، وتصبح الاستغاثة الإنسانية مجرد نداء يتلاشى في متاهات بيروقراطية أنهكتها الانقسامات وبددت مواردها سياسات لا ترى في الإنسان سوى رقم في تقرير مالي مؤجل.

في القاهرة وتونس، حيث يتكدس آلاف المرضى الليبيين، تتحول المأساة الصحية إلى مرآة عاكسة لعمق الانهيار الذي يضرب مفاصل الدولة الليبية تحت حكم عبدالحميد الدبيبة منتهية الولاية ومنظومة المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، تلك المنظومة التي تحولت، وفق شهادات المطحونين، من جهة مفترض أن تكون ضامنة للحق في الحياة إلى مجرد هيكل إداري منتهي الصلاحية يوزع الوعود ويؤجل الاستحقاقات حتى تفقد الأرواح قيمتها.

جحيم الانتظار: عندما يصبح الفقر رفيق العلاج

في أحد شوارع القاهرة الجانبية، بعيداً عن صخب العاصمة المصرية، يقف ستيني ليبي، أنهكه ورم خبيث كما أنهكته ديون العلاج. يتنقل بين مصر وتونس ليس بدافع الاختيار، بل اضطراراً فرضته حكومة تقول إنها تدير شؤون البلاد بينما تترك مواطنيها يواجهون مصيرهم الصحي وحدهم.
الرجل الذي أمضى عقوداً في عمله بـ«إخلاص وانضباط» وفق وصفه، يجد نفسه اليوم معتمداً على صدقات الأقارب وتبرعات الأصدقاء لاستكمال جرعات علاجية تصل تكلفتها الشهرية إلى أرقام فلكية بالنسبة له.

يقول بصوت يقطر أسى: «لم أكن أتصور أن ينتهي بي الحال أستجدي ثمن الدواء بعد كل هذه السنوات من العطاء. أين الدولة؟ أين حكومة الدبيبة التي تتحدث عن توطين العلاج؟ هل تريدنا أن نموت في صمت لترتاح منا؟».

هذا المشهد لا يمثل حالة استثنائية، بل قاعدة راسخة في معادلة العلاج بالخارج التي حولتها حكومة الدبيبة، وبمباركة صامتة من المجلس الرئاسي، إلى رحلة محفوفة بالإذلال. ففي وقفة احتجاجية نظمها مرضى أورام وزراعة نخاع وكبد هذا الأسبوع في القاهرة، خرجت أصوات مبحوحة تطالب بصرف مستحقات مالية متأخرة منذ ديسمبر من العام المنصرم.

بعضهم ينتظر تحويل المخصصات منذ أكثر من ستة أشهر، فيما اضطر آخرون، ممن يمتلكون ملفات علاجية معتمدة رسمياً، إلى تسليف مبالغ طائلة من جيوبهم الخاصة أو بيع ممتلكاتهم، ليكتشفوا لاحقاً أن التسديد الحكومي أصبح أشبه بسراب.

يقول عبدالرحمن شعيب، الناشط المدني الذي يدير مع متطوعين صفحة إغاثة على منصات التواصل الاجتماعي، إن حجم المأساة أكبر بكثير مما ينشر. «تصلني يومياً مئات الرسائل من مرضى وأهاليهم. حالات أورام مثبتة بأوراق رسمية تحتاج إلى جرعات علاجية تصل كلفة الواحدة إلى خمسة آلاف يورو شهرياً. الدولة لم توفر هذه الأدوية منذ سنوات.

البعض باع بيته، والبعض الآخر باع ذهب زوجته. هل هذه دولة؟». يضيف شعيب، الذي تحول إلى وسيط إنساني بين فاعلي خير ومرضى محتضرين، أن الجهود الفردية والتطوعية «لم تعد قادرة على سد الفجوة. نحن نواجه انهياراً كاملاً في ملف العلاج بالخارج، والحكومة تكتفي بالتصريحات. الدبيبة يُجري عملية قسطرة في مصراتة ويصفها بالإنجاز التاريخي، لكنه ينسى آلاف الليبيين الذين يموتون يومياً وهم ينتظرون تحويلاً مصرفياً لن يصل».

تونس: ديون تتراكم وأبواب مصحات تغلق

على بعد آلاف الكيلومترات غرباً، في العاصمة التونسية، تتخذ المأساة وجهاً أكثر قسوة. هناك، لا يقتصر الأمر على تأخر المخصصات، بل يمتد إلى تهديدات بالطرد من المصحات وغرف الفنادق المتواضعة التي تؤوي المرضى وعائلاتهم. وقفة احتجاجية جديدة نظمها ليبيون مؤخراً كشفت أن بعض المؤسسات الصحية التونسية بدأت فعلياً في تقليص خدماتها أو وقفها بالكامل، فيما سُجلت حالات طرد لمرضى لم تعد المصحات قادرة على تحمل ديونهم المتراكمة.

المشهد بلغة الأرقام يكشف أن «المرصد التونسي لحقوق الإنسان» رصد خمس وقفات احتجاجية مماثلة خلال الأشهر الستة الماضية فقط، وهو ما يعكس، بحسب مدير المرصد مصطفى عبد الكبير، «أزمة مزمنة تعجز حكومة غرب ليبيا عن حلها رغم كل الوعود». ويضيف عبد الكبير، في تصريح تناقلته تقارير حقوقية: «المؤسسات الصحية التونسية ليست جمعيات خيرية. لديها التزامات مالية ورواتب موظفين. استمرار تدفق الجرحى والمرضى الليبيين دون تسديد المتأخرات يهدد بتفجير الأزمة. حكومة الدبيبة تتحمل المسؤولية كاملة».

مواطن ليبي في الخمسين من عمره، يتردد على تونس لتلقي العلاج، كتب على صفحته الشخصية كلمات تختصر المأساة بأكملها: «الدافع الذي قادني إلى تونس هو ذاته الذي يدفع كثيراً من الليبيين إلى شد الرحال: البحث عن علاج لأوجاع أرهقت أجسادنا، ولم نجد لها شفاءً في وطن يفترض أنه غني بموارده».

رسالة هذا الرجل، التي لاقت تفاعلاً واسعاً بين مرضى يشاركونه المصير، تكشف المفارقة القاتلة: دولة تملك احتياطيات نفطية بمليارات الدولارات، لكن مواطنيها يضطرون لاستجداء العلاج في بلدان الجوار، محمّلين بمرضهم وديونهم وإحساس مرير بالخذلان.

خطط توطين العلاج: سراب إعلامي يخفي تعميق الانهيار

في مواجهة هذا العجز المزري، تكرر حكومة الدبيبة خطاباً أصبح مكشوفاً لكل متابع: «مشروع توطين العلاج». رئيس الحكومة منتهية الولاية، الذي أجرى عملية قسطرة قلبية في أحد مستشفيات مصراتة، اعتبر نجاحها دليلاً على تقدم جهود إصلاح القطاع الصحي. كما أعلن سابقاً عن «استراتيجية المئة يوم» التي شملت افتتاح أكثر من عشرين مرفقاً صحياً، وتجهيزها بمعدات حديثة وكوادر طبية، في خطوة زعم أنها تهدف إلى تقليص الحاجة للعلاج في الخارج. لكن هذه الرواية تتحطم على صخرة الواقع الذي يعيشه المرضى.

تقول سيدة ليبية تبلغ الثامنة والخمسين من عمرها، وتعاني مشكلة حادة في الأعصاب تتطلب جراحة عاجلة في مصر بتكلفة تتجاوز ثمانين ألف جنيه، إنها عالقة في ليبيا لأنها لا تملك حتى ربع المبلغ.

إحدى مقرباتها، التي تحفظت على ذكر اسمها لدواعي الخوف من الملاحقة، تسرد بتفاصيل موجعة: «الجراحة ضرورية لإنقاذ قدرتها على الحركة. الأوراق جاهزة، والملف العلاجي معتمد. لكن المال غير موجود. الحكومة تقول افتتحنا مراكز ونوطّن العلاج، لكن أين المركز القادر على علاج حالتها هنا؟ لا يوجد. هذه كذبة كبيرة».

هذه الشهادة ليست معزولة. خبراء في الشأن الصحي الليبي، تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هوياتهم خشية الاستهداف، يؤكدون أن البنية التحتية الصحية في ليبيا لا تزال هشة، وأن مراكز علاج الأورام والتخصصات الدقيقة تعاني من نقص حاد في الأدوية والكوادر، وأن الحديث عن توطين العلاج ليس سوى «ستار دخاني لتبرير تقليص ميزانيات العلاج بالخارج دون توفير البديل الفعلي».
وبحسب هؤلاء الخبراء، فإن استراتيجية حكومة الدبيبة ترتكز على خفض الإنفاق على حساب حياة المواطنين، لا على بناء نظام صحي حقيقي.

«لو كان هناك توطين جاد للعلاج، فلماذا لا يزال الآلاف يموتون على قوائم الانتظار للسفر؟»، يقول أحد الأطباء الليبيين العاملين في القطاع الخاص بطرابلس، مضيفاً أن «ما يحدث هو جريمة منظمة ترتكبها دولة غائبة ومجلس رئاسي لا حول له ولا قوة».

المجلس الرئاسي: صمت متواطئ في مواجهة نزيف الأرواح

إذا كان الدبيبة وحكومته يتحملان المسؤولية التنفيذية المباشرة عن هذه الكارثة الإنسانية، فإن المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي لا يخرج من الصورة إلا وقد لطخه عار التواطؤ بالصمت.

فبينما تتعالى استغاثات المرضى في القاهرة وتونس، وتتكدس ملفاتهم المالية على أرفف الإدارات الحكومية، يقف الرئاسي متفرجاً، غارقاً في صراعاته السياسية، غير آبه بمن يسقطون يومياً ضحايا لسياسات التقشف القاتل وسوء الإدارة المتعمد.

الناشط الحقوقي مصطفى عبد الكبير حذّر من أي «توظيف سياسي لمعاناة المرضى، أو استخدامهم ورقة ضغط»، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أليس الصمت الرسمي واستمرار الأزمة لسنوات دون حل هو في حد ذاته توظيف سياسي من نوع آخر؟ توظيف يجعل من جثث المرضى سلماً لاستمرار نخب منتهية الولاية في كراسي لا شرعية لها إلا من حصيلة بيع آمال الليبيين ودمائهم؟

مواطنون غاضبون تحدثوا في تجمعاتهم الاحتجاجية، وفضلوا عدم ذكر أسمائهم كاملة، يصفون المجلس الرئاسي بأنه «مجلس لإدارة الأزمات وليس لحلها». أحدهم، وهو ابن مريض سرطان في القاهرة، قال بصوت مختنق: «المنفي والدبيبة يتبادلان الاتهامات في بيانات التلفزة، ونحن نتبادل الأدوار لنبقى بجانب آبائنا في المستشفيات الأجنبية.

أين دور الرئاسي؟ لم نسمع منه كلمة واحدة عن معاناتنا. هم مشغولون بترتيبات السلطة، ونحن مشغولون بترتيب مواعيد الدفن».

دوامة الانقسام: ضحايا الصراع بين الشرق والغرب

لا يمكن فهم المأساة الصحية الليبية بمعزل عن الانقسام السياسي والمؤسساتي الذي مزق البلاد منذ عام ألفين وأحد عشر.

فبينما تتصارع حكومة الدبيبة حول شرعية الإنفاق وصلاحيات إدارة المال العام، يدفع المريض الليبي الثمن من لحمه ودمه.
التحويلات المالية المجمدة، والمنازعات على الميزانيات، والصراع حول إيرادات النفط، كلها عوامل جعلت من ملف العلاج بالخارج رهينة للتصفيات السياسية.

تقول سيدة أربعينية ترافق والدها المريض في تونس: «لا يهمني من يحكم في طرابلس أو بنغازي. أنا أريد دواء والدي. لقد حولونا إلى كرة قدم تتقاذفها حكومتان لا تملك أي منهما ذرة إنسانية».

ويزيد الطين بلة أن الإعلان الحكومي عن «تسوية مديونيات» سابقة، كما حدث حين أعلن القائم بأعمال السفارة الليبية في القاهرة عبدالمطلب ثابت عن تسديد التزامات تعود للفترة من عام ألفين وثمانية عشر حتى ألفين وواحد وعشرين، لا يغير شيئاً في جوهر الأزمة.
فالمتأخرات المالية الحالية، التي تعود للعامين الأخيرين، لا تزال عالقة، لتتحول هذه التسويات إلى مجرد إعلانات استهلاكية تهدف إلى تحسين الصورة لا إلى إنقاذ الأرواح.

مبادرات شعبية في مواجهة دولة غائبة

وسط هذا الخراب المؤسساتي، برزت مبادرات تطوعية ومجتمعية تحاول سد الفراغ الذي تركته الدولة، لكنها تصطدم بحجم الكارثة. عبدالرحمن شعيب وفريقه استطاعوا، بفضل تبرعات مغتربين ليبيين وفاعلي خير، انتشال عشرات الحالات من حافة الهاوية، لكن الرجل يعترف بمرارة: «ما نفعله هو مجرد إسعافات أولية في جريح ينزف حتى الموت.
لا يمكن لمبادرات فردية أن تحل مكان نظام صحي وطني. نحن نؤجل الموت فقط، لا نمنعه».
مبادرة أخرى تقودها نساء ليبيات في تونس تحولت إلى شبكة دعم لوجستي ونفسي للمرضى ومرافقيهم، لكن مسؤولة في هذه الشبكة، فضلت عدم الكشف عن اسمها لدواع أمنية، تقول: «نحن مرهقات. كل يوم نتلقى اتصالات من مصحات تهدد بطرد مرضى، ومن أسر لا تجد ثمن تذكرة العودة إلى ليبيا بعد وفاة ذويها. الحكومة لا ترد على اتصالاتنا. نحن وحدنا تماماً».

هذه المبادرات، رغم نبالتها، تكشف الوجه الحقيقي لمنظومة الحكم في غرب ليبيا: دولة انسحبت من واجباتها الأساسية، وتركت المواطن فريسة لموته وحيداً، لا يجد حوله سوى أيدي المتطوعين المنهكة وصدقات المحسنين.

نحو الهاوية: أفق مسدود بلا حلول

الخلاصة التي يتفق عليها المرضى وذووهم والناشطون والمراقبون هي أن الأزمة مرشحة لمزيد من التفاقم ما لم يحدث تحول جذري في طريقة إدارة الدولة. فخطط توطين العلاج، التي تتغنى بها حكومة الدبيبة، لا يمكن أن تؤتي ثمارها في ظل انعدام الأمن الدوائي، ونزيف الكفاءات الطبية نحو الخارج، وبنية تحتية صحية متهالكة لا تقوى على تحمل ضغط الحالات الحرجة.
أما الاستمرار في سياسة المماطلة المالية مع مستشفيات الجوار، فيهدد بإغلاق آخر الأبواب التي تمنح الأمل للمرضى الليبيين، ويحوّل حكايات علاجهم إلى قصص موت مؤجلة على أرصفة الانتظار.

يبقى السؤال الجوهري: إلى متى سيبقى حق المريض الليبي في الحياة رهينة لصراعات سياسية بين نخب فقدت شرعيتها وأفقدت الناس حياتهم؟ في غرف الانتظار بمستشفيات القاهرة وتونس، الإجابة ليست كلمات، بل وجوه شاحبة تترقب تحويلاً مصرفياً قد لا يأتي أبداً، وأجساد تنحني تحت وطأة داء ودين، في بلد يفيض بالنفط وتفيض حكومته بالوعود الكاذبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى