ليبيا

تقرير رقابي يزلزل أركان حكومة الدبيبة .. الخلل إدارة لا موارد

أرقام الصدمة: ليبيا تنزف ثروات وسط غياب المحاسبة

ليبيا 24

حصاد الفوضى: حين تتحول الثروة إلى نقمة في ليبيا

في مشهد يليق بتراجيديا الدولة الريعية، خرج تقرير هيئة الرقابة الإدارية ليس كوثيقة رقابية روتينية، بل كشهادة وفاة للإدارة المالية في حكومة الدبيب منتهية الولاية.
الأرقام التي تضمنها التقرير لا تحتمل التأويل: 22 مليار دولار إيرادات نفطية، و84 مليار دينار ديوناً عامة على مصرف طرابلس المركزي، و270 مليار دينار إجمالي الدين العام مع توقعات بتجاوزه 303 مليارات مع نهاية العام. هذه الأرقام لا تصف أزمة سيولة عابرة، بل تنذر بانهيار هيكلي في دولة تملك أحد أكبر احتياطيات النفط المؤكدة في القارة الأفريقية.

المفارقة القاتلة التي يفضحها التقرير أن إيرادات النفط ارتفعت إلى قرابة 22 مليار دولار رغم انخفاض متوسط أسعار خام برنت، ما يعني أن الخلل ليس في شح الموارد كما تكرر حكومة عبد الحميد الدبيبة في خطابها التبريري، بل في سوء إدارة هذه الموارد ونهبها.

هذا التشخيص ينسف الرواية الحكومية من أساسها: فالمشكلة ليست نقصاً في الإيرادات، بل ثقب أسود في بنية الإنفاق يبتلع كل ما يصل إلى خزينة الدولة.

تشريح جثة الإدارة المالية: من النفط إلى الدواء

يكشف تقرير الرقابة عن سلسلة مذهلة من الإخفاقات المتزامنة التي يصعب تفسيرها بعيداً عن الفساد المنظم. فالمؤسسة الوطنية للنفط تلقت ميزانيات استثنائية تجاوزت 56 مليار دينار لزيادة الإنتاج دون أن تحقق الأهداف المرجوة، واستمرت في مراكمة الديون رغم التدفقات المالية الضخمة، حيث تجاوزت مديونيتها 31 مليار دينار خلال عامي 2024 و2025.

والأخطر أن هذه الديون المتراكمة دفعت الموردين إلى حجب إيرادات بيع النفط الخام مقابل مستحقاتهم، في حلقة مفرغة تذكر باقتصاديات الدول الفاشلة.
تسجيل عجز في النقد الأجنبي لأربع سنوات من أصل خمس، تجاوز 20 مليار دولار، مع بلوغ العجز الدولاري خلال عام 2025 وحده 9.070 مليار دولار. هذه الأرقام تفسر لماذا فرضت حكومة الدبيبة ضريبة على الدولار ورفعت سعره من 4.85 إلى 6.10 دينار، في إجراء وصفه التقرير بأنه لا مبرر لاستمراره.

مهزلة دعم المحروقات: 16.8 مليار دينار تتبخر

في أحد أكثر فصول التقرير إثارة للغضب، تبرز أرقام دعم المحروقات كفضيحة مالية متكاملة.
المبالغ المستلمة لدعم المحروقات من الميزانية العامة خلال 2025 بلغت 16.8 مليار دينار، بينما قيمة المحروقات الموردة فعلياً لم تتجاوز 7.8 مليار دولار، مع وجود فجوة بين القيمة الفعلية والمبالغ المسيلة من المصرف المركزي، والتزامات غير مسيلة قاربت 3.8 مليار دولار. هذه الفجوة تمثل النافذة التي يتسرب منها الدعم إلى جيوب المهربين وشبكات الفساد العابرة للحدود، فيما يقف المواطن الليبي في طوابير الذل أمام محطات الوقود.

ما لم يقله التقرير صراحة، لكنه يومئ إليه بقوة، أن جزءاً كبيراً من هذا الدعم يذهب لتمويل اقتصاد الظل، حيث تزدهر شبكات تهريب الوقود التي كلفت ليبيا ما لا يقل عن 5 مليارات دولار سنوياً، بحسب تقديرات المنظمة البحثية “ذا سنتري” التي تتخذ من واشنطن مقراً لها.
هذه الشبكات ليست عصابات هامشية، بل تتقاطع مع مصالح نخب سياسية وعسكرية في قلب منظومة الحكم، في تحالف غير مقدس يحول المال العام إلى ثروة خاصة.

مأساة الصحة والتعليم: حين يصبح المواطن ضحية

بعيداً عن لغة الأرقام المجردة، يروي تقرير الرقابة الإدارية حكاية أكثر قتامة عن انهيار القطاعات الخدمية. ففي قطاع الصحة الذي استنزف 26.6 مليار دينار بين 2022 ومنتصف 2025، كشف التقرير أن انتشار الأدوية المغشوشة والرديئة في الأسواق أصبح ظاهرة متفشية بسبب ضعف الرقابة.
والأكثر صدمة أن من أصل قرابة 24 ألف مصاب بالسرطان، تم وصف أدوية لـ 12% فقط، ولم يتلق العلاج الفعلي سوى 6% من المرضى.

هذا الرقم وحده يمثل لائحة اتهام أخلاقية وسياسية لحكومة تتباهى في خطابها الإعلامي بدعم القطاع الصحي، بينما يموت 94% من مرضى السرطان دون أن تطالهم يد العلاج. ورغم محاولة المركز الوطني لمكافحة الأمراض الدفاع عن أداء الهيئة الوطنية لمكافحة السرطان، إلا أن الأرقام تتحدث بصوت أعلى: فجوة هائلة بين ما يعلن وما ينجز فعلياً.

أما في قطاع التعليم، فالمهزلة لا تقل فداحة: 381 مليون دينار أنفقت على طباعة 485 مليون نسخة من الكتب المدرسية، مع احتساب سعر السوق الموازية كأساس للتكلفة، وشحن كتب دون شهادات تفتيش خارجية بالمخالفة للعقود، ما أدى إلى وصول شحنات معيبة بتدنٍ في جودة الطباعة والحبر وأخطاء جوهرية في المحتوى.

المؤسسة الليبية للاستثمار: 12 مليار دولار تتبخر في الهواء

في فصل آخر من فصول الفشل المؤسسي، كشف التقرير أن خسائر المؤسسة الليبية للاستثمار تجاوزت 12 مليار دولار بين عامي 2011 و2024، مع صرف مبالغ كبيرة كمكافآت لرؤساء وأعضاء مجالس إدارة صناديق الاستثمار والمكاتب القانونية دون عائد استثماري واضح.

هذه المؤسسة، التي يفترض أن تكون صندوق الثروة السيادي الذي يحمي مستقبل الأجيال القادمة، تحولت إلى ما يشبه البنك الخاص للنخب الحاكمة، حيث توزع المكافآت بسخاء على الإداريين فيما تتبخر أصول المؤسسة عاماً بعد عام.

غياب العائد الاستثماري ليس مجرد سوء حظ أو تقلبات أسواق، بل نتيجة حتمية لغياب الحوكمة الرشيدة، وانعدام الشفافية، وتغليب المحسوبية على الكفاءة. إنها صورة مصغرة لما آلت إليه الدولة الليبية: مؤسسات عملاقة بلا أسنان، تدار كإقطاعيات خاصة تدر الأموال على القلة التي تسيطر عليها.

المجلس الرئاسي: صمت مطبق أمام الفضيحة

في مقابل هذا الكم الهائل من الفضائح المالية والإدارية، يقف المجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي في حالة صمت مطبق، أو انشغال بتصريحات فضفاضة عن “التمسك بالسيادة الليبية” و”طرح أفكار جديدة” دون أن تترجم إلى أي إجراء عملي. هذا الصمت ليس بريئاً، بل هو تواطؤ ضمني مع استمرار النهب المنظم.

المنفي، الذي يفترض أن يكون رأس السلطة التنفيذية وصمام الأمان للمال العام، اكتفى بتغريدات على منصة “إكس” عن “فشل المشاريع البديلة”، بينما تنهار المنظومة المالية للدولة تحت أقدام حكومة الدبيبة. غياب المجلس الرئاسي عن المشهد الرقابي ليس مجرد تقاعس، بل استقالة من المسؤولية وشراكة غير مباشرة في الجريمة المالية المستمرة.

اقتصاد ما بعد الدولة: العجز المزدوج والانهيار المؤجل

العجز المزدوج الذي يعاني منه الاقتصاد الليبي – عجز في الميزانية وعجز في ميزان المدفوعات – ليس وليد اللحظة، بل نتيجة تراكمية لسياسات مالية عبثية. الإنفاق العام سجل قفزة كبيرة بأكثر من 85 مليار دينار ليصل إلى قرابة 137 مليار دينار في 2025، بينما ظل الاقتصاد رهيناً لإيرادات النفط دون أي تنويع حقيقي.

غياب البيانات التفصيلية الخاصة بالمصرف المركزي في بنغازي يحد من القدرة على تحليل مخاطر الدين العام بشكل شامل، لكن الاتجاه العام واضح: الدولة تسير نحو حافة الهاوية المالية بخطى ثابتة. التحذير من استمرار استنزاف احتياطيات المصرف المركزي من العملة الأجنبية ليس مجرد سيناريو نظري، بل مسار واقعي يتكرر في الدول التي تنهار فيها مؤسسات الحوكمة المالية.

أزمة شرعية متجذرة

ما يوثقه تقرير هيئة الرقابة الإدارية ليس مجرد أزمة إدارة أو نقص كفاءة، بل أزمة شرعية عميقة لنظام سياسي فقد صلته بالمواطن ومسؤوليته عن المال العام. فحكومة انتهت ولايتها منذ سنوات، لكنها تواصل التحكم في موارد الدولة وكأنها إرث عائلي، لا يمكن أن تكون مؤتمنة على مستقبل بلد بأكمله.

الأرقام التي كشفها التقرير – 270 مليار دينار ديناً عاماً، 12 مليار دولار خسائر استثمارية، 6% فقط من مرضى السرطان يتلقون علاجاً، 20 مليار دولار عجزاً في النقد الأجنبي – ليست مجرد إحصاءات جافة. إنها حكاية وطن يسرق يومياً تحت سمع وبصر العالم، بينما تنشغل نخبه الحاكمة بتقاسم الغنائم.

في النهاية، يبقى السؤال المعلق: كم يحتاج الليبيون من التقارير الرقابية ليدركوا أن خلاصهم لن يأتي من داخل المنظومة ذاتها، بل من إرادة شعبية قادرة على إسقاط منظومة الفساد بأكملها؟

  1. الديون العامة:
    · إجمالي الدين العام: 270 مليار دينار (متوقع 303 مليارات نهاية 2025)
    · ديون المصرف المركزي طرابلس: 84 مليار دينار
    · ديون المصرف المركزي بنغازي: 186 مليار دينار
  2. إيرادات النفط والإنفاق:
    · إيرادات النفط 2025: 22 مليار دولار
    · ميزانيات استثنائية للمؤسسة الوطنية للنفط: 56 مليار دينار
    · ديون المؤسسة الوطنية للنفط: 31 مليار دينار
  3. أزمة النقد الأجنبي:
    · عجز النقد الأجنبي التراكمي: 20 مليار دولار (4 من 5 سنوات)
    · العجز الدولاري 2025: 9.070 مليار دولار
    · سعر صرف الدولار قبل الضريبة: 4.85 دينار / بعدها: 6.10 دينار
  4. قطاع الصحة:
    · إجمالي الإنفاق الصحي (2022-2025): 26.6 مليار دينار
    · مرضى السرطان المسجلون: 24,000 مريض
    · نسبة من وُصفت لهم أدوية: 12%
    · نسبة من تلقوا علاجاً فعلياً: 6%
  5. دعم المحروقات:
    · المبالغ المستلمة للدعم 2025: 16.8 مليار دينار
    · قيمة المحروقات الموردة فعلياً: 7.8 مليار دولار
    · التزامات غير مسيلة: 3.8 مليار دولار
  6. قطاع التعليم:
    · الإنفاق على الكتاب المدرسي: 381 مليون دينار
    · عدد النسخ المطبوعة: 485 مليون نسخة
  7. المؤسسة الليبية للاستثمار:
    · الخسائر (2011-2024): 12 مليار دولار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى