ليبيا

مقبرة الأسفلت.. طرق ليبيا تبتلع العائلات ونزيف الأرواح لا يتوقف

"دم على الأسفلت.. ليبيا تدفع الثمن أرواحاً كل دقيقة"


ليبيا 24

طرق الموت في ليبيا: تشريح مؤسسي لمذبحة يومية ترعاها سلطة الدبيبة

على امتداد الشريط الأسفلتي الذي يربط العاصمة الليبية بمطارها الدولي، والذي بات يُعرف في الوجدان الشعبي بـ”طريق الموت”، تتجسد يومياً أزمة دولة بأكملها.
فبينما تتحول الطرقات الرئيسية والفرعية في عموم البلاد إلى مصائد للموت تحصد طفلاً وأماً وأسرة كاملة كل ساعة، تقف حكومة الوحدة منتهية الولاية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، في حالة من الشلل التام، متفرجَين على نزيف الدم الليبي الذي يسيل على الأسفلت المهترئ. لا يتعلق الأمر بعارض طارئ، بل بفشل مؤسسي مزمن يُجسّد الانهيار العميق للدولة، حيث تتداخل السياسة بالاقتصاد بالأمن في معادلة واحدة قاتلة، يدفع ثمنها المواطن وحده جثةً هامدة أو جريحاً معاقاً، في مشهد يليق بدولة خارجة عن سياق الزمن الحديث.

حصاد الموت اليومي: أرقام لا تكذب وسلطة لا تبالي

تكشف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية بحكومة الدبيبة نفسها عن مشهد مروّع يتجاوز قدرة أي سلطة تدّعي الحرص على شعبها على احتماله.

فخلال عام 2024 وحده، سجّلت ليبيا ما لا يقل عن 2,460 حالة وفاة جراء حوادث السير، وهو رقم يُعادل سقوط طائرة ركاب متوسطة الحجم أسبوعياً. ولم يتوقف النزيف مع بداية العام الجديد، إذ وثّقت الإحصائيات الرسمية وفاة 619 شخصاً وإصابة 1,767 آخرين في 2,670 حادثاً مرورياً خلال النصف الأول فقط من عام 2025.

وتُصنّف ليبيا، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، ضمن الدول الأعلى خطورة في حوادث السير عالمياً، بمعدل يلامس 34 حالة وفاة لكل 100 ألف نسمة.

غير أن هذه الأرقام الجافة، التي تتعامل معها أجهزة الدبيبة الإعلامية باعتبارها مجرد بيانات روتينية، تحمل وراءها مأساة إنسانية متجددة: أطفال تيتموا قبل أن يعرفوا معنى الأبوة، ونساء ترملن في عز الشباب، وأسر بأكملها مُحيت من السجل المدني في غمضة عين.

على طريق المطار في طرابلس وحده، تحولت الرحلة اليومية للمسافرين إلى مقامرة بالحياة، في ظل انعدام شبه كامل للإضاءة الليلية، وطرق منهكة لم تشهد صيانة جوهرية منذ سنوات، وسائقين يقودون مركباتهم في ظلام دامس لا يقطعه سوى وميض كاميرات الهواتف المحمولة التي يلهو بها المارة.

يكشف تحليل ميداني أجراه مراسل قناة ليبيا 24 بالتعاون مع مصادر في جهاز المرور، فضّلت عدم الكشف عن هويتها خشية الانتقام الإداري، أن دوام عناصر شرطة المرور يتركز بشكل شبه حصري في الشوارع الداخلية المزدحمة تجارياً لتحصيل “رسوم غير رسمية”، بينما تغيب أي دوريات فعلية عن الطرق السريعة والوصَلات بين المدن، خصوصاً في المناطق النائية والصحراوية.

ويؤكد الضابط في شرطة المرور “م. أ.” أن “القيادة العليا للجهاز تتلقى تعليمات مباشرة بعدم التشدد مع المخالفين من ذوي النفوذ، وتحويل الموارد البشرية إلى مراكز المدن لخدمة أغراض لا علاقة لها بالسلامة العامة. وتضرب السرعة الجنونية والتهور أطنابها في غياب العقاب الرادع.”

إمبراطورية الإهمال: تشريح اقتصادي لفساد الطرق

لا يمكن فصل مأساة الطرق في ليبيا عن بنية الفساد السياسي-الاقتصادي التي تُهيمن على مفاصل الدولة في ظل حكومة الدبيبة. فقد تحولت ميزانيات صيانة الطرق والبنية التحتية، المُدرجة تحت بند “التنمية” في ميزانية الحكومة منتهية الولاية، إلى أحد أكثر الأوعية غموضاً وعُرضة للنهب المنظم.

ويُقدّر خبير اقتصادي متخصص في الشأن العام، عمل سابقاً في جهاز الرقابة الإدارية، أن ما لا يقل عن ستين بالمائة من المخصصات المرصودة لتطوير الطرق العامة خلال الأعوام الأربعة الماضية قد تبخرت بين عقود وهمية مع شركات وهمية أو مرتبطة بدوائر صنع القرار، دون أن يُنفذ منها سوى ترقيعات موضعية سرعان ما تتآكل.

ويوضح المحلل المالي عمر الفيتوري، أن “آلية صرف بنود صيانة الطرق تحكمها شبكة معقدة من السماسرة والمقاولين المرتبطين بمراكز قوى داخل حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي. يتم إسناد مشاريع حيوية، مثل إعادة تأهيل طريق المطار أو الطريق الساحلي الرابط بين طرابلس ومصراتة، إلى كيانات غير مؤهلة فنياً، تستورد مواد رديئة، وتنفذ أعمالاً لا تلتزم بأدنى معايير السلامة، ثم تختفي بعد صرف الدفعات الأولى. النتيجة هي هذه الطرق المهترئة التي تبتلع السيارات.”

الوجه الآخر للإهمال الاقتصادي يتمثل في استنزاف القوة الشرائية للمواطن، الذي يضطر إلى تحمل تكاليف باهظة لإصلاح مركباته المتضررة من الحفر والمطبات العشوائية، فضلاً عن فاتورة العلاج الباهظة للإصابات الناجمة عن الحوادث، في بلد يعاني فيه القطاع الصحي العام من انهيار شبه كامل.

وهذا الحمل المالي المزدوج يفاقم الغضب الشعبي المتصاعد، ويُرسخ قناعة راسخة بأن حياة المواطن لا تساوي في حسابات السلطة القائمة ثمن برميل من الإسفلت الفاسد.

المجلس الرئاسي: صمت قاتل وفراغ أمني قاتل

إذا كانت حكومة الدبيبة تتحمل المسؤولية التنفيذية المباشرة عن تهالك البنية التحتية وغياب الخدمات، فإن المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، يُشاركه المسؤولية كاملة عن الفراغ الأمني الذي يحوّل الطرقات إلى ساحات للموت خارج القانون. فلم يُصدر المجلس الرئاسي أي توجيه ملزم للأجهزة الأمنية للانتشار على الطرق السريعة، ولم يستخدم نفوذه المعنوي للضغط من أجل تفعيل المحاكم المرورية المتخصصة، مكتفياً ببيانات التعزية الروتينية كلما وقعت كارثة كبرى.

ويُشير مصدر مقرّب من دوائر صنع القرار في المجلس الرئاسي إلى وجود “خلافات حادة” بين المنفي والدبيبة حول الصلاحيات الأمنية والموارد المالية. ففيما يحتفظ الدبيبة بسيطرته شبه الكاملة على تخصيص الميزانيات لوزارة الداخلية وجهاز المرور، يُبدي المجلس الرئاسي عزوفاً عن خوض مواجهة سياسية حول ملف يُصنّف خطأً بأنه “خدمي”، متجاهلاً بُعده الأمني المباشر.

هذه الازدواجية المريضة في الحكم تجعل أي جهد لفرض النظام المروري رهينة لصراع الكراسي، فيموت الليبيون على الطرقات بينما يتنازع أركان السلطة على حصة كلٍ منهم في الكعكة.

وتزداد الصورة قتامة عند التطرق للجرائم المرتبطة بحوادث السير، مثل الثأر القبلي. ففي حوادث الدهس والقتل الخطأ، يبرز غياب مؤسسات الدولة القضائية والأمنية، مما يدفع ذوي الضحايا إلى أخذ الحق باليد، مُشعلين دوامات من العنف العشائري كان يمكن لدولة حقيقية أن تحول دونها من خلال الحبس الاحتياطي الفوري وتوفير ضمانات العدالة.

تعليقاً على هذه الظاهرة، يُدلي وزير الاقتصاد والصناعة السابق منير علي عصر برأي خبير، قائلاً: “الحبس الاحتياطي في جرائم المرور ليس عقاباً، بل هو إجراء يمنع ذوي المتضرر من استيفاء الحق باليد تحت رد الفعل العاطفي، إلى أن يتم حل الموضوع اجتماعياً أو عرفياً بالتنازل.
فما بالك بالجرم الجنائي المتعلق بالدم وإزهاق الأرواح، الذي إن لم يتدخل القانون ويقوم بحبس الجاني، فسوف يتعاظم الثأر، ويصبح هناك خلل اجتماعي وقانوني وأمني، لأن القانون غايته العدل والسلم الاجتماعي، لا مجرد القصاص.” لكن هذا التدخل القانوني الذي ينشده عصر يبقى مفقوداً في ظل أجهزة أمنية ضعيفة وقضاء متعثر، ترعاهما سلطة لا تجيد سوى إدارة الأزمات لضمان بقائها في المشهد.

خبراء ومبادرات تصطدم بجدار الصمت الرسمي

في خضم هذا الخراب، تتصاعد أصوات الخبراء والمجتمع المدني بمقترحات تجمع بين الإبداع والصرامة، لكنها تصطدم كلها بجدار الصمت والعجز الرسمي. الدكتورة ريم البركي، الإعلامية والباحثة في شؤون الأمن والهجرة، طرحت على صفحتها بموقع فيسبوك مبادرة لافتة تستهدف ظاهرة قيادة الأطفال للمركبات، وهي أحد الوجوه القاتلة للفوضى المرورية.
وتقوم فكرة البركي، التي تستحق أن تكون مشروع قانون عاجل، على “مصادرة سيارة الطفل الذي يسوق، وبيعها في مزاد علني، بحيث يُعاد توزيع العائد بنسب: 30% لولي الأمر، و40% لجهاز تطوير الطرق العامة، و20% لجهاز المرور، و10% للشرطي المحرر للمخالفة.”
وتختتم البركي طرحها بعبارة تعكس وعياً عميقاً بالأزمة: “ممكن المشروع يفشل من البداية وما يدخلش فلوس، لأنه الأب معش هيعطي سيارة للطفل، لكن باعتبار أن المكسب المالي مش غرضي، فنحن نكونوا حققنا المكسب. فكروا فيها كويس.”

هذه الروح العملية التي تضع السلامة العامة فوق أي اعتبار آخر، تقف على النقيض تماماً من عقلية حكومة الدبيبة التي تنظر لملف المرور كفرصة للجباية لا للحماية. فحين تقدمت جهات مجتمعية بمقترح مماثل إلى رئاسة الوزراء قبل أشهر، تؤكد مصادر مطلعة أنه قوبل بالتجاهل التام، ولم يُدرج على أي جدول أعمال وزاري.

وعلى الجانب التشريعي، يرى خبراء قانون التخطيط العمراني أن الحل المستدام يكمن في إعادة هيكلة جهاز الطرق والمواصلات وحل مجالس إداراته الحالية المعينة بالمحاصصة، وتحويله إلى هيئة مستقلة ذات تمويل سيادي معزول عن الصراع السياسي. لكن في ظل وجود سلطة منتهية الولاية تعتبر كل مؤسسة سيادية غنيمة تؤول لمن يسيطر عليها، يبدو هذا التصور أقرب للخيال.

صوت الشارع: غضب يتصاعد ومطالب لا تجد من يسمعها

في جولة ميدانية على عدد من الطرقات الرئيسية في طرابلس ومصراتة والزاوية، التقط هذا التقرير شهادات حية من مواطنين تحولوا إلى شهود يوميين على الموت.

يقول أحمد القمودي، وهو معلم من سكان ضواحي طرابلس: “المرور غير متواجد طول الوقت إلا في الكمائن الموسمية. عدم مبالاة الناس والخروج من الإشارة الحمراء ومسك الهاتف واللعب به، كلها أصبحت أمراً عادياً. كلكم راعي ومسؤول عن رعيته، لكن المسؤول الأول غائب.”

أما مروان الأطرش، وهو سائق شاحنة على الطريق الساحلي، فيلخص أزمة البنية التحتية قائلاً: “عدم تخطيط الطريق وعدم وجود علامات تحذيرية في أغلب المناطق، وعدم وجود أضواء ليلية على الطرقات العامة، هو السبب الرئيسي. تمر على مناطق كأنك داخل في نفق مظلم، لتتفاجأ بحفر قاتلة أو بجمل سائب، والموت يتربص بك عند كل منعطف.”

ويضيف المواطن خالد البرعصي من بنغازي، متسائلاً بغضب: “الواقع والإحصائيات هي مقياس أداء شرطة المرور. وللأسف، يظهر فيها أداء شرطة المرور ضعيف جداً جداً ولم يصل إلى المطلوب.

مع احترامي لرجال المرور الذين نراهم يؤدون أعمالهم في الشوارع، لكن القيادة فاشلة والموارد منهوبة.” هذه الشهادات الشعبية تختزل الحقيقة المرة: لقد انفصمت العلاقة بين المواطن والدولة تماماً في ليبيا، ولم يعد هناك أدنى ثقة في قدرة الحكومة أو المجلس الرئاسي على توفير أبسط متطلبات الحياة الآمنة.

نحو حتمية التغيير: أجندة للسلامة المرورية من تحت الرماد

وسط هذا المشهد القاتم، يبقى السؤال الملح: هل من سبيل لوقف هذه المذبحة دون إرادة سياسية؟ يجيب المحلل السياسي عبدالعزيز الزقم، بأن “الحديث عن حلول تقنية بحتة في ظل انهيار السيادة الوطنية هو عبث. لا يمكن ضبط المرور في دولة يُسرق فيها الوقود على الطرق العامة تحت مرأى ومسمع الميليشيات، وحيث يفرض أمراء الحرب قانونهم الخاص. على القوى الفاعلة دولياً أن تدرك أن استمرار دعمها لهذه الأجسام منتهية الصلاحية يترجم مباشرة إلى هذه الجثث المتناثرة يومياً على الأسفلت. على المجتمع الدولي أن يُحمّل الدبيبة والمنفي المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن هذه الدماء، لأنها ثمن استمرارهما غير الشرعي في الحكم.”

في الأثناء، تواصل الأسر الليبية دفن موتاها في صمت، وتواصل المستشفيات استقبال جثث وأشلاء لا تُحصى، فيما تُعلق آمال عريضة على تحرك شعبي ضاغط يجبر هذه السلطات على الرحيل، أو على الأقل على توجيه جزء يسير من الموارد المنهوبة لإصلاح الطرق وتركيب أعمدة إنارة.

فطريق المطار في طرابلس، وغيره من طرق الموت، ليست مجرد شرايين أسفلتية، بل أصبحت النصب التذكاري الأكثر دموية لحكم فشل في حماية أبسط حقوق الإنسان: الحق في العبور إلى الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى