ليبيا

ثلث الليبيين فقراء في بلد النفط.. والوعود الحكومية حبر على رمال الانقسام

تعطل سجل الفقراء يفضح هشاشة خطط حكومة الدبيبة الليبية


ليبيا 24

وعود الدبيبة للفئات الهشة تصطدم بواقع فقر وانقسام مزمن

بينما تردد حكومة الوحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي انتهت ولايتها، التزامها بحماية الفئات الأكثر ضعفاً عبر حزمة برامج يعلن بعضها ويُنتظر بعضها الآخر، تكشف الأرقام الميدانية وشهادات المواطنين عن فجوة صادمة بين لغة الوعود وواقع يعيشه نحو ثلث سكان البلاد.
في هذا التقرير الاستقصائي، تتنقل عدسة ليبيا 24 بين غرف الانتظار المزدحمة في مراكز الإعانات، وأروقة مؤسسات منقسمة عاجزة عن إنتاج قاعدة بيانات واحدة، وخيام النازحين على أطراف المدن، لترسم صورة مركّبة الأبعاد لمعضلة اجتماعية – اقتصادية تتحول، تحت وطأة الجمود السياسي، إلى قنبلة موقوتة تهدد بتفكيك النسيج المجتمعي الليبي برمته.

جسر الوعود وهاوية التنفيذ

منذ توليها زمام الأمور في طرابلس، دأبت حكومة الدبيبة على إطلاق تطمينات دورية مفادها أن الحماية الاجتماعية تقع في صلب أولوياتها، مستشهدة بإجراءات كرفع قيمة مرتبات المتقاعدين وزيادة المنحة المنزلية المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة.

غير أن مراقبين ومحللين اقتصاديين يرون في هذه الخطوات مجرد مسكنات ظرفية لا ترتقي إلى سياسة متكاملة لإعادة توزيع الموارد. ويقول المحلل السياسي عبدالعزيز الزقم : “الإجراءات الحكومية تنحصر في ما يُتاح لها مثل رفع مرتبات المتقاعدين بنسب كبيرة مقارنة بقيمتها السابقة، لذا لا تزال بعيدة عن توفير الوضع اللائق بالفئات التي تستحق الحصول على دعم”. ويلفت إلى أن أي حديث عن عدالة اجتماعية يظل ناقصاً ما لم يقترن ببناء سجل وطني دقيق للأسر المحتاجة، وهو ما اصطدم بجدار الانقسام الحكومي وفقدان الإرادة السياسية.

وتعكس هذه الإشكالية مأزقاً أوسع لدولةٍ تملك ثاني أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، لكنها عجزت عن ترجمة تلك الثروة إلى شبكات أمان حقيقية، تاركة نحو 32.5 في المئة من أسرها تتخبط في دوامة العوز.
وتظهر بيانات دراسة ميدانية اعتمدت على جهود ذاتية في غياب مسوح رسمية أن 30.5 في المئة من الليبيين يعيشون تحت خط الفقر المطلق، بينما يعاني 1.9 في المئة فقراً مدقعاً يحرمهم من أبسط مقومات البقاء.

تشريح الأرقام: حين يصير ثلث الشعب هشاً

لا تنحصر دلالة هذه الأرقام في حجم المأساة الإنسانية فحسب، بل تشير إلى تحول بنيوي خطير يرسم ملامح مجتمع يفقد تدريجياً طبقاته الوسطى التي كانت تاريخياً العمود الفقري للاستقرار.
وتكشف الدراسة أن الأسر التي يعيلها أفراد تراوح أعمارهم بين 45 و55 سنة تسجل أعلى نسب الفقر بنحو 12.6 في المئة، وهي الفئة التي يُفترض أن تكون في ذروة عطائها الإنتاجي، لكنها وجدت نفسها خارج سوق العمل التي مزقتها النزاعات وغياب التنمية. وفي بُعدٍ تعليمي، تؤكد الأرقام أن الأسر التي يُعيلها من يحملون مؤهلات متدنية تستأثر بنسبة 9.8 في المئة من الفقر الإجمالي، ما يرسخ حلقة جهنمية بين الأمية والحرمان.

ويضيف الزقم: “النسبة التي ذكرتها الدراسة تعكس تغيّراً اجتماعياً خطيراً لكون نحو ثلث السكان من الفئات الهشة. هذا يعني أن الخلل لم يعد هامشياً بل يضرب في صميم بنية المجتمع، وهو نتيجة مباشرة لسياسات ريعية فاشلة تركزت فيها عوائد النفط في أيدي نخب متنفذة دون أن تتسرب إلى شرايين الاقتصاد الحقيقي”.

مَن هم الهشّون؟ خريطة الألم الصامت

تتعدد أصناف الأسر الهشة في ليبيا، لكنها تلتقي عند قاسم مشترك هو الغياب الكلي أو الجزئي لشبكة الأمان. وتضم القائمة كبار السن الذين تقطعت بهم السبل بلا معيل، والمطلقات والأرامل اللواتي يحملن أعباء إعالة كاملة، والأيتام الذين تسربوا من دفء الأسر إلى برودة مؤسسات الرعاية المكتظة.

وتنسحب الهشاشة أيضاً على الأسر المحرومة من السند حين يكون معيلوها نزلاء في سجون أو مستشفيات، وعلى أسر ضحايا الكوارث الطبيعية وموجات التهجير والنزوح، فضلاً عن عائلات المفقودين في الحروب التي لا يزال أثرها النفسي والمادي يطارد آلاف البيوت.

أما ذوو الإعاقة، فيمثلون الفئة التي غالباً ما تكون الأقل صوتاً والأكثر تضرراً من عجز المؤسسات.
في لقاء هاتفي، تروي مواطنة من ضاحية تاجوراء، تعمل معلمة وتعتني بابنها المصاب بمتلازمة داون، قصتها قائلة: “أحصل على إعانة 600 دينار شهرياً بعد قرار رفع قيمة الإعانة المنزلية لذوي الاحتياجات الخاصة عام 2021، وأؤكد أن هذا المبلغ يعينني على إعالة ابني إلى جانب راتبي في قطاع التعليم، لكنه لا يكفي لتغطية جلسات العلاج الطبيعي والتخاطب والأدوية.
حياتنا صراع يومي، والوعود التي نسمعها في التلفزيون لا تصل إلى باب منزلنا”. كلمات الأم تختزل معاناة شريحة واسعة تنتظر حلولاً ظلت حبيسة الأدراج الحكومية.

التهجير القسري: عندما تُقتلع الحياة من جذورها

تعد أزمة النازحين داخلياً واحدة من أكثر تجليات الفشل في توفير الحماية. تشير مصادر مطلعة إلى أن نحو عشرة آلاف أسرة ليبية لا تزال تعيش خارج منازلها الأصلية جراء حروب واشتباكات متقطعة منذ عام 2011، متركزة في مخيمات عشوائية ومراكز إيواء تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات في ضواحي طرابلس ومدن الغرب.

هؤلاء النازحون تحولوا إلى ضحايا منسيين، لا يملكون أوراقاً ثبوتية تتيح لهم الوصول إلى الخدمات الحكومية، ويعتمدون اعتماداً كلياً على معونات المنظمات الإنسانية والجمعيات الخيرية التي باتت هي الأخرى مرهقة بقلة التمويل وتزايد الاحتياج.

ويكشف مسؤول ميداني في إحدى المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال الإغاثة أن “العمل على هذا السجل توقف بسبب الانقسام الحكومي، وعدم توفر البيانات اللازمة لبناء قاعدة المعلومات.
النتيجة أن آلاف الأسر غير مرئية، لا في إحصاءات الفقر ولا في برامج الدعم، وكأنها غير موجودة”. ويضيف أن غالبية النازحين فقدوا مصادر أرزاقهم وتحولوا من منتجين إلى متلقين دائمين للمساعدات، ما يحول أزمتهم من ظرف طارئ إلى وضع مزمن يهدد بخلق جيل كامل يعيش على الهوامش.

احتجاجات الشارع: مقياس الغضب المكبوت

في مشهد يعكس حالة الاحتقان الشعبي، تنظم عائلات بأكملها وقفات احتجاجية أمام مقار الحكومة والمصارف والمؤسسات الخدمية في طرابلس وبنغازي ومدن الجبل، تطالب بحقوقها في معاشات لائقة وتأمين صحي وتعويضات عن الأضرار التي لحقت بها. وتظهر لافتات المحتجين عبارات من قبيل “أبناؤنا لا يجدون دواء” و”أين ثروة النفط؟”، في إشارة واضحة إلى تناقض صارخ بين موارد البلاد الهائلة وعجز الخزينة عن تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين.

ويصف الزقم هذه التحركات بأنها “ترجمة ميدانية لفشل السلطات في احتواء الأزمة الإنسانية، وتحذير من أن استمرار تجاهل هذه الفئات قد يحول الغضب الاجتماعي إلى احتجاجات أوسع يصعب ضبط إيقاعها”.
ويستشهد بوقائع سابقة قاد فيها تراكم الإحباط إلى مواجهات عنيفة، محذراً من أن ليبيا التي تملك مخزوناً هائلاً من الشباب العاطل عن العمل تقف أمام مفترق خطير إذا لم تبادر النخب الحاكمة إلى تقديم إجابات مقنعة.

قاعدة بيانات غائبة.. عشوائية الدعم وريبة المواطن

يتفق الخبراء على أن أم المعارك في مواجهة الفقر تبدأ من حصر دقيق للمحتاجين، وهو ما تفتقر إليه الدولة الليبية بكل مكوناتها. ففي غياب تعداد سكاني موثوق وتصنيف للأسر بحسب الدخل، تظل الإعانات والمساعدات عُرضة للاجتهادات والمحسوبيات، وقد تتحول في بعض الحالات إلى أداة لشراء الولاءات السياسية بدلاً من أن تكون حقاً يُصرف لمستحقيه.

ويؤكد الزقم أن “الجهات الحكومية لا تملك حتى الآن الأساس لبناء قاعدة بيانات، تحديداً عدد السكان ونِسب الأسر الفقيرة، في حين تعتمد الدراسات المحلية على جهودها الخاصة، وهو وضع غير مسبوق في دولة بمقدرات ليبيا”.

ويضيف أن المشكلة لا تقف عند الجانب التقني؛ فهناك إحجام من قبل بعض المكونات السياسية عن إنجاز السجل الوطني للفقراء خوفاً من أن تُستخدم بياناته في حسابات انتخابية وصراعات مناطقية، ما يعكس عمق الأزمة السياسية التي تتغذى على غياب الشفافية.

وفي هذه الأثناء، يبقى المواطن الليبي ضائعاً بين أرقام متضاربة: تصريحات رسمية تشير إلى تخصيص مبالغ كبيرة للدعم، وتقارير ميدانية تؤكد أن تلك المبالغ لا تصل إلى مستحقيها أو لا تكفي لتغطية احتياجاتهم المتزايدة.

جهود خيرية تسد الفراغ ولكنها لا تصنع الحل

في خضم هذا المشهد القاتم، تبرز مبادرات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية كطوق نجاة لعشرات الآلاف من الأسر. فهي توزع سلالاً غذائية، وتسدد إيجارات المنازل، وتنظم قوافل طبية متنقلة إلى المناطق المهمشة. ويشهد العاملون في هذه الجمعيات بأن أعداد المستفيدين ارتفعت بأكثر من 40 في المئة خلال السنتين الماضيتين، في دليل كمي على تسارع وتيرة الأزمة.

ويشيد متابعون بهذه الجهود قائلين إنها “مشكورة تستحق الإشادة، ويمكن الاعتماد على إحصاءاتها في رصد عدد الأسر المحتاجة ضمن جهود تقدير حجم الفئات الهشة”. لكنهم يستدركون أن هذه الأرقام تبقى غير مكتملة، نظراً إلى طبيعة المجتمع الليبي الذي يفضل غالباً التكافل الأسري وعدم ترك الأقارب المحتاجين من دون دعم سري، مما يعني أن الحجم الفعلي للعوز أكبر مما تلتقطه أي جهة غير رسمية.

ويحذر هؤلاء من تحويل مسؤولية الحماية الاجتماعية من الدولة إلى الجمعيات الخيرية، لأن ذلك يرسخ ثقافة الاتكال على العمل التطوعي ويُعفِي المؤسسات الرسمية من واجباتها الدستورية.

انسداد سياسي يُعمّق الجرح الاجتماعي

لا يمكن فصل تدهور أوضاع الفئات الهشة عن المشهد السياسي الكلي في ليبيا. فمنذ تأجيل الانتخابات في نهاية عام 2021، دخلت البلاد في نفق مظلم من التجاذبات بين حكومة الدبيبة منتهية الولاية وحكومة الاستقرار الموازية، وانشغل المجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي في وساطات متعثرة بين الفرقاء بدل أن يمارس صلاحياته الدستورية في توحيد المؤسسات وتوجيه السياسات.

وفي غياب ميزانية موحدة ورؤية اقتصادية واضحة، جرى ترحيل ملف الحماية الاجتماعية إلى ذيل الأولويات، وظلت الفئات الهشة رهينة لمزاج اللجان المؤقتة وحسابات التوازنات السياسية.

ويشير المحللون إلى أن المجلس الرئاسي، الذي يفترض أن يكون رمزاً للوحدة وحارساً للقيم الدستورية، يبدو عاجزاً عن ممارسة أي ضغط حقيقي على الحكومات المتصارعة لتحويل جزء من الإنفاق العام من أوجه الصرف التسييري والترضيات السياسية إلى استثمارات في رأس المال البشري. ويعلق دبلوماسي غربي متابع للملف الليبي، في إحاطة مغلقة، بأن “المجتمع الدولي يتابع بقلق تحوّل ليبيا إلى بؤرة للفقر المدقع في منطقة غنية بالنفط، وهو ما يشكل فشلاً جماعياً للطبقة السياسية بأسرها”.

ورغم أن التصريحات الدولية تركز عادة على الجوانب الأمنية، فإن التقارير الداخلية لمنظمات الإغاثة باتت تُدرج الفقر والهشاشة كعاملين رئيسيين في زعزعة الاستقرار، في اعتراف ضمني بأن غياب العدالة الاجتماعية يغذي التطرف والهجرة غير النظامية والجريمة.

تحذيرات من ظاهرة اجتماعية دائمة

يتخوف المراقبون من أن يكون استمرار تفاقم معاناة الفئات الهشة مقدمة لتحولها إلى ظاهرة اجتماعية يصعب تفكيكها حتى في حال تحقيق انفراج سياسي. ويشرح الزقم أن “الفقر في ليبيا لم يعد حالة فردية عابرة، بل بدأ يتوارث جيلياً؛ فهناك أطفال يولدون في أسر بلا معيل، وآخرون يتسربون من التعليم مبكراً ليلتحقوا بسوق العمل غير الرسمي، وهكذا تتشكل حلقة مغلقة يصعب كسرها”.

ويضيف أن غياب سياسات الدمج وإعادة التأهيل يرسخ شعوراً بالإقصاء لدى هذه الشرائح، مما يدفع بعضها إلى الانكفاء على هويات قبلية أو مناطقية بحثاً عن الحماية، على نحو يهدد بتآكل مفهوم المواطنة الجامعة.

وتظهر البيانات الأولية لمبادرة “رصد ليبيا” غير الحكومية أن 60 في المئة من الأسر التي شملها المسح في أحياء الفقر في طرابلس وبنغازي لا تتوقع تحسناً في أوضاعها خلال السنوات الثلاث المقبلة، وهي نسبة مرتفعة من اليأس تعكس فشل الخطاب الرسمي في إقناع المواطن بوجود أفق للتغيير. وتختصر إحدى ربات الأسر، في حديث مقتضب خلال جولة ميدانية، الواقع بقولها: “لم نعد نصدق شيئاً. كل يوم نسمع تصريحاً جديداً، لكن طحين الشهر بالكاد يكفينا”.

الطريق إلى حل: ما بعد ترقيع الجروح

أمام هذه الصورة القاتمة، يُجمع خبراء الاقتصاد والعمل الاجتماعي على خارطة طريق أولية، تبدأ بإرادة سياسية حقيقية تضع ملف الفئات الهشة فوق الحسابات الضيقة. وتشمل المحاور المقترحة: الإسراع في إجراء مسح وطني شامل للأسر بالتعاون مع هيئات دولية محايدة، وفصل صندوق الدعم الاجتماعي عن الصراعات الحكومية بحيث يتحول إلى هيئة مستقلة تخضع لرقابة برلمانية ومجتمعية، وإعادة هيكلة الدعم بحيث يتحول من دعم عيني عشوائي إلى دعم نقدي مشروط بالتعليم والصحة للأسر الأكثر عوزاً.

وفي البعد الإنساني، تطالب منظمات حقوقية ببرنامج عاجل لتعويض النازحين وإعادة إعمار المناطق المدمرة، مع إيلاء عناية خاصة للدعم النفسي والاجتماعي للأطفال ضحايا الحروب والتهجير.
وفي العمق السياسي، يظل مطلب توحيد المؤسسات السيادية وتشكيل حكومة موحدة شرطاً أساسياً لا غنى عنه لترجمة هذه الاقتراحات إلى واقع، وهو ما يضع كلاً من حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي أمام اختبار حقيقي لمصداقيتهما.

ويبقى السؤال المعلق في الأفق: هل تملك النخب الحاكمة الشجاعة لتجاوز منطق المحاصصة والتضحية بجزء من مكاسبها الآنية من أجل إنقاذ ثلث الشعب الليبي من براثن العوز، أم أن هدير الاحتجاجات القادمة سيكون وحده القادر على إعادة ترتيب الأولويات؟ حتى ذلك الحين، ستظل شريحة واسعة من الليبيين تنتظر، بين وعودٍ حبيسة الأدراج، وأخرى تبخرت في سماء طرابلس الملبدة بغيوم الانقسام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى