ليبيا

تحقيقات تكشف نزيف الاحتياطي الأجنبي عبر استيراد وهمي وشركات صورية

فساد مصرفي وجمركي يبتلع ملايين الدولارات وسط غياب رقابي مؤسسي

ليبيا 24

في خضم أزمة سيولة خانقة وانهيار متسارع لقيمة العملة المحلية، تتكشف فصول مأساوية من الإهدار المنظم للثروة السيادية الليبية. لم يعد الأمر يقتصر على مزاحمة الاحتياجات المعيشية للمواطنين، بل تجاوزه إلى ما يمكن وصفه بأكبر عملية تجفيف منهجي لاحتياطيات النقد الأجنبي، عبر متاهة من الاعتمادات المستندية التي تتحول، في غياب شبه كامل للرقابة الفاعلة، إلى أداة طيعة في أيدي شبكات تهريب الأموال.

التحقيقات الجارية ترسم صورة قاتمة لدولة تتآكل مقدراتها من الداخل، بينما تقف مؤسساتها الرسمية عاجزة أو متواطئة في مشهد يعمق الهوة بين سلطة منتهية الصلاحية وواقع يزداد بؤساً.

تشريح آلية النزيف: الاعتماد المستندي كباب خلفي

تكشف البيانات والتصريحات المتطابقة من مسؤولين سابقين وحاليين عن الهندسة الدقيقة لهذه العملية. يشرح وزير المالية الأسبق فرج بومطاري الآلية بقوله: “يفتح البنك المحلي اعتماداً مستندياً لصالح مستفيد، ثم يخطر مصرف ليبيا المركزي لتوفير العملة الصعبة اللازمة لتمويل الصفقة. بعد ذلك تحول الأموال بناءً على مستندات مثل الفواتير التجارية وبوليصات الشحن وشهادات المنشأ ووثائق التأمين، وبذلك يخرج الدولار بشكل قانوني ظاهرياً”.

هذه “القانونية الظاهرية” هي مربط الفرس. ففي الظاهر، كل شيء سليم؛ هناك فواتير، وهناك وثائق تأمين، وهناك شحنات مزعومة. لكن في العمق، توثق التقارير الرسمية أن جزءاً كبيراً من هذه العمليات إما أن يكون استيراداً وهمياً بالكلية، أو تضخيماً مفرطاً لقيم الفواتير، أو شحن سلع لا تساوي سوى جزء يسير من المبالغ المحولة. والمحصلة النهائية، كما يضيف بومطاري، هي أن الأموال “تنقل بين شركات وسيطة وحسابات متعددة لإخفاء مصدرها الحقيقي، قبل أن يعود جزء منها إلى السوق المحلية عبر شبكات صرافة أو حوالات غير رسمية، للاستفادة من فارق سعر الصرف”. إنها دورة مربحة للطفيليين، ومدمرة للاقتصاد الوطني.

“ثروة البلاد تهرّب إلى الخارج”: سخط مسؤول سابق

بمرارة غاضبة، لخص وكيل وزارة الاقتصاد السابق في حكومة الوحدة الوطنية، سهيل أبو شيحة، الكارثة بعبارة واحدة: “ثروة البلاد تُهرَّب إلى الخارج”. اعتمد الرجل على وقائع رصدها خلال فترة عمله، والتي كشفت عنها نتائج لجنة مكلفة بمراجعة وضبط الاعتمادات المستندية.

المفاجأة الصادمة التي توصلت إليها اللجنة هي أن 85 شركة حصلت خلال عام واحد فقط على 130 مليون دولار أميركي، بحجة توريد زيوت غذائية. لكن المفارقة الكبرى أن بيانات الموانئ وسجلات التجارة الخارجية لم تُظهر أي دليل على دخول شحنات تقابل هذه المبالغ الهائلة. السؤال المنطقي: أين ذهبت هذه الأموال؟ الإجابة تختزل جزءاً كبيراً من مأساة الاقتصاد الليبي: لقد غادرت البلاد دون أن تترك وراءها سوى فواتير وهمية وثروة وطنية منهوبة.

فصل من مسرحية العبث: شركات بلا رأس مال تحصل على الملايين

يبرز تساؤل مركزي ومحرج: كيف يمكن لشركات هزيلة، لا يتجاوز رأس مالها بضعة آلاف من الدنانير، أن تحصل على اعتمادات بملايين الدولارات؟ وصف النائب العام، الصديق الصور، هذا المشهد بأنه “غرائب ليبية”، مشيراً إلى “ثقب أسود مالي يبتلع كل التساؤلات حول مدى جدية آليات التقييم، والضمانات، ومسؤولية الجهات التي منحت هذه التسهيلات”.

فهل يُعقل أن تحصل شركة رأس مالها 15 ألف دينار، أي ما يعادل بضعة آلاف من الدولارات، على اعتماد مستندي يتجاوز مليوني دولار؟
هذا ليس استثناءً، بل قاعدة مستشرية، كما يؤكد تقرير ديوان المحاسبة لسنة 2024. يرصد التقرير فضيحة من العيار الثقيل تتعلق بعقود توريد الكتاب المدرسي، حيث حصلت 13 شركة متخصصة في هذا القطاع الحيوي على عقود ضخمة، رغم أن “أصولها الثابتة تتراوح من صفر إلى أقل من 3 آلاف دينار”، فضلاً عن عدم احتفاظها بالنقد الكافي لتغطية قيمة التوريدات. ويؤكد التقرير أن هذه العقود تمت من الباطن “بالمخالفة للمادة 97 من لائحة العقود الإدارية التي تنص على عدم جواز إبرام هكذا عقود”.

في هذه النقطة تحديداً، يتجسد الفشل المؤسسي الذريع؛ حيث تمنح تسهيلات بملايين الدولارات لكيانات وهمية، في صفقات تمس بشكل مباشر قطاعاً استراتيجياً كالتعليم. مثال آخر فاقع هو شركة “البشير للطباعة والنشر” التي مُنحت اعتماداً بـ 23 مليون دولار لاستيراد كتب مدرسية، بعد أسابيع قليلة من حصولها على ترخيص، رغم أن تقارير ديوان المحاسبة أكدت أن “رأس مال الشركة ضعيف وبياناتها لا تتوافق مع شروط منح الاعتمادات المستندية، وهي غير مؤهلة مالياً”.

من داخل المنظومة: أطراف متواطئة وآليات ملتوية

الصورة تكتمل حين نعلم أن العبث لا يقتصر على المستفيدين الخارجيين، بل يمتد إلى عمق المؤسسات المالية والرقابية. النائب العام يقر بوجود “فساد واسع النطاق في منظومة الاعتمادات المستندية وتحويل الدولار إلى الخارج”، مشيراً إلى أن التحقيقات تتبع معاملات مرتبطة بمصارف معروفة، بينها مصرف اليقين ومصرف الصحاري ومصرف الواحة. وبينما يحرص على التأكيد أن ذكر الأسماء يأتي في إطار “التحقيق لا الإدانة”، إلا أن مجرد خضوع هذه المؤسسات للتدقيق يلقي بظلال كثيفة على سلامة القطاع المصرفي برمته.

وتتجاوز الأدلة مرحلة الشكوك إلى الوقائع المثبتة. ففي السادس من مايو الجاري، أمرت نيابة مكافحة الفساد بحبس مسؤول الاعتمادات المستندية بفرع أحد المصارف في منطقة سوق الثلاثاء، بعد أن نفذ عملية بقيمة 2.8 مليون دولار دون أن يقابل ذلك إيداع للقيم المالية المقابلة بالدينار الليبي.

هذا الإجراء، الذي يبدو تقنياً، هو في جوهره إخلال متعمد بأساسيات العمل المصرفي، لأنه يعني تحويل أموال إلى الخارج دون غطاء مالي محلي، مما يكشف عن تواطؤ محتمل بين موظف المصرف والشركة المستفيدة.
المستشار السابق بمصرف ليبيا المركزي، محمد أبوسنينة، يسلط الضوء على إجراء مالي بالغ الخطورة أعيد العمل به بموجب منشور عام 2024، وهو السماح “بفتح اعتماد مستندي على قوة اعتماد مستندي آخر”.

ويعني ذلك استخدام اعتماد قائم، غالباً لصالح تاجر وسيط لا يملك البضاعة فعلياً، كضمان لإصدار اعتماد جديد لصالح مورد آخر. ويعتبر أبوسنينة أن هذا النوع من التصرفات المالية، الذي كان موقوفاً قبل عام 2011 لمخاطره، “غير ملائم للمرحلة الحالية في ظل هشاشة البيئة الرقابية واستمرار الاختلالات في المنظومة الرقابية”. إنه بمثابة بناء هرم مالي من الورق، أساسه اعتماد وهمي، وقمته ملايين الدولارات المسربة إلى الخارج.

دور الجمارك: بين التزوير والتقصير

في هذه المسرحية المأساوية، تؤدي مصلحة الجمارك دوراً محورياً، وإن بدا سلبياً في كثير من الأحيان. يعترف المتحدث الرسمي باسم مصلحة الجمارك، العقيد فهمي الماقوري، بأن المتابعات الرقابية “كشفت العديد من المخالفات والتجاوزات المرتبطة بملف الاعتمادات المستندية”.

والأخطر من ذلك، هو الكشف عن “حالات تزوير لرسائل صادرة باسم بعض المديريات الجمركية”، كانت تقدم إلى المصارف المانحة للاعتمادات “بغرض إثبات وصول البضائع وفق الفواتير المقدمة من الشركات المستفيدة من الاعتماد، في حين أن الواقع كان يخالف ذلك في بعض الحالات”. هنا تكتمل دائرة التلاعب: شركات وهمية تحصل على اعتمادات، ومستندات مزورة تثبت وصول بضائع لم تصل، وأموال تتدفق إلى الخارج دون رقيب.

إنه انهيار كامل لمنظومة الضبط والتحقق، يسمح بنهب المال العام تحت سمع وبصر المؤسسات المنوط بها حمايته.

إفلات من العقاب في ظل غياب الدولة

رغم وضوح الصورة وتعدد الأدلة، تبقى العقبة الكبرى في تفعيل المساءلة الحقيقية. الخبير القانوني الطاهر رضوان يختصر المعضلة بقوله إن مثل هذه الأفعال تعد “من أخطر الجرائم الاقتصادية التي تهدد الاستقرار المالي وتقتل شفافية النظام المصرفي”، وتندرج تحت بند “الاستيلاء على المال العام”.

لكنه يستدرك موضحاً أنه “رغم وضوح نصوص القوانين الليبية مثل رقم 2 لسنة 2005 بشأن تجريم التعامل في الأموال غير المشروعة وإخفاء مصادرها، لكن إثبات عنصر القصد الجنائي يمثل صعوبة لدى الممارسة العملية”.

هنا، وبين سطور التصريحات الرسمية، يكمن جوهر الأزمة. في بيئة تتآكل فيها سيادة القانون، وتفرغ فيها النصوص التشريعية من مضمونها، يصبح أسهل ما يكون على شبكات الفساد أن تجد لنفسها ملاذاً آمناً. فالتعقيدات الإجرائية لإثبات “القصد الجنائي” في عمليات مالية معقدة ومستترة، تتحول إلى درع واقٍ للمتورطين، في دولة لم تعد قادرة على حماية مقدراتها.

إن استمراء هذا العبث لا يمكن فصله عن أزمة الشرعية الممتدة التي تعيشها المؤسسات الحاكمة، حيث تصبح كل جهة وكأنها دولة داخل الدولة، تدير مصالحها الخاصة، بينما يدفع المواطن الثمن من قوت يومه ومن انهيار عملته.

حصاد سنوات من الإفلات: أرقام صادمة ومستقبل مجهول

الأرقام والإحصاءات، رغم فظاعتها، لا تلتقط سوى جزء من الكارثة. منذ عام 2015، وثق ديوان المحاسبة منع اعتمادات لـ 13 شركة بعد أن ثبت تلاعبها وحصولها على أكثر من 50 مليون دولار. لكن ذلك لم يوقف النزيف. فبحسب رصد استند إلى بيانات جهات رسمية، تمكنت 97 شركة حتى نهاية عام 2025 من الحصول على أرصدة واعتمادات بمئات الملايين من الدولارات دون أن تقابلها بضائع. وفي يناير 2026 وحده، ضبطت مصلحة الجمارك 11 شركة استولت على 54.5 مليون دولار بنفس الآلية.
هذه ليست حوادث معزولة، بل هي نمط منهجي لعملية نقل ثروة منظمة من الخزينة العامة إلى جيوب قلة، مستفيدة من بيئة الفوضى والانقسام وغياب المحاسبة. إنه نزيف لا يتوقف، يضع مستقبل الأجيال القادمة رهينة لشبكات فساد عابرة للحدود، تعمل في وضح النهار، محمية بشبكة معقدة من الإجراءات المصرفية، والمستندات المزورة، والتراخي الرسمي المريب.

ضحية بين شبكات الفساد وعجز الدولة

ما يحدث اليوم في ليبيا ليس مجرد فساد مالي عابر، بل هو إعادة هندسة ممنهجة لاقتصاد كامل لصالح لوبيات الفساد. إن تحويل الاعتماد المستندي، وهو أداة حيوية لتمويل الاستيراد، إلى قناة لتهريب رأس المال وتجفيف الاحتياطي النقدي، هو جريمة اقتصادية كاملة الأركان. وبينما تصدر البيانات الرسمية القوية، وتفتح التحقيقات، يبقى السؤال الجوهري معلقاً في الهواء: من سيحاسب من؟ ففي ظل هشاشة البيئة الرقابية التي يتحدث عنها الخبراء، وفي ظل سلطة تنفيذية تعيش فترة ما بعد الشرعية، تتقاذفها مراكز النفوذ، يبدو المشهد أشبه بمسرحية يعرف الجميع نهايتها المأساوية، بينما تواصل سفينة الاقتصاد الليبي الغرق، مثقلة بثروات منهوبة ومستقبل مسروق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى