ليبيا

بن شرادة: لجنة “4+4” ولدت من رحم العجز السياسي وتتحرك في حقل ألغام دستورية

بن شرادة: تقدم تقني في الانتخابات يصطدم بجدار الأزمة الدستورية في ليبيا


ليبيا 24

الانقسام الليبي: مختبر “اللجان المصغرة” يعيد إنتاج الأزمة وسط سباق مع الفراغ

في مشهد يعكس التحولات العميقة التي تعصف بالعملية السياسية في ليبيا، لم تعد الأزمة تتمحور حول صراع الحكومات المتوازية أو اشتباكات الميليشيات فحسب، بل انتقلت إلى حرب باردة من نوع خاص تُخاض داخل أروقة اللجان والمبادرات الدولية. من وسط هذا المشهد، خرج عضو المجلس الأعلى للدولة سعد بن شرادة بتصريحات تنطوي على اعتراف ضمني بفشل الأجسام السياسية الكبرى، وتكشف في الوقت ذاته عن استراتيجية أممية جديدة تقوم على اختراق الجمود عبر “لجان مصغرة” تتحرك في الظل.

إعادة إحياء المبادرة: من مختبر باتيلي إلى عهد تيتيه

لم تكن لجنة “4+4” التي تحتل واجهة النقاش اليوم فكرة طارئة في المشهد الليبي. ووفقاً لبن شرادة، فإن جذور هذه الآلية تعود إلى حقبة المبعوث الأممي السابق عبد الله باتيلي، لكنها اصطدمت آنذاك بعقبة جوهرية تمثلت في عدم جهوزية أحد الفرقاء الرئيسيين وافتقاده السيطرة الميدانية الكاملة على المنطقة المعنية.

هذا الجمود دفع البعثة الأممية إلى تجميد الفكرة مؤقتاً، قبل أن تعود إلى الواجهة بقوة مع وصول المبعوثة هانا تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري إلى طرابلس. عملية الإحياء هذه تكشف عن قناعة راسخة داخل أروقة البعثة الأممية بأن المسار التقليدي القائم على التوافق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة قد استنفد أغراضه تماماً، وتحول إلى مجرد غطاء لاستمرار الفراغ الدستوري.

تقول المصادر المطلعة إن نائبة المبعوث الأممي تقود بنفسها محادثات تقنية هادئة بعيداً عن الأضواء، في محاولة لفك اشتباك المصالح الذي يعطل أي تقدم.

ملف الانتخابات: انتصار تقني بنسبة 90% يصطدم بواقع السياسة

يكشف بن شرادة عن مفارقة لافتة في مسار اللجنة؛ فبينما تمكنت من تحقيق اختراق وصفه بـ”الكبير” في ملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ووصلت فيه إلى نسبة إنجاز بلغت 90%، فإنها ما إن حاولت الاقتراب من المسار الأكثر حساسية والمتعلق بالقاعدة الدستورية وقوانين الانتخابات، حتى ظهرت مؤشرات التعثر مجدداً. هذه المفارقة بين المسار التقني والمسار السياسي ليست جديدة على الحالة الليبية، لكنها تؤكد قاعدة صارمة في النزاعات الممتدة: يمكن للخبراء حل المعضلات اللوجستية، لكنهم يقفون عاجزين أمام عُقد السيادة والقوة. إن إعادة هيكلة المفوضية أو تحديث سجل الناخبين، رغم تعقيده، لا يمس جوهر توزيع السلطة، بينما يؤدي فتح ملف القاعدة الدستورية فوراً إلى تفجير كل الأسئلة المؤجلة حول طبيعة النظام السياسي، وصلاحيات الرئيس، وعلاقة المدنيين بالعسكر، وهي أسئلة لا يريد النخبة السياسية الحالية الإجابة عنها لأن وجودهم ذاته بات مرهوناً بإبقائها معلقة.

خطر تجاوز “6+6”: الفجوة تتسع والقطيعة الدستورية تلوح في الأفق

ربما يكون الجزء الأكثر خطورة في تصريحات بن شرادة هو تحذيره الصريح من أن تجاوز مخرجات لجنة “6+6” والتعديل الدستوري العشرين من شأنه أن يوسع الفجوة بين الأطراف السياسية إلى حد القطيعة.

هذا التحذير ليس مجرد تحليل أكاديمي، بل هو انعكاس لانقسام حقيقي يعتمل في الكواليس بين تيار يدفع نحو انتخابات برلمانية فقط، يرى فيها مخرجاً آمناً يحافظ على موازين القوى القائمة، وتيار آخر يطالب بانتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، معتبراً أن الذهاب إلى صناديق الاقتراع بسلطة تنفيذية كاملة هو الطريق الوحيد لكسر دورة الجمود. واعتبر بن شرادة أن اعتماد مخرجات “6+6” والتعديل الدستوري العشرين، رغم ما يكتنفها من عيوب، قد يكون بمثابة “طوق النجاة” الذي يقرب وجهات النظر ويخلق أرضية صلبة للتفاهم.

لكن استبعاد هذه المخرجات بشكل كامل، بحسب تقديره، سيدخل البلاد في نفق مظلم من الانسداد السياسي يصعب الخروج منه، خاصة في ظل غياب أي إطار دستوري بديل يحظى بالإجماع.

سياسة اللجان… ترقيع زمني أم هندسة حل؟

في المحصلة، تكشف تصريحات بن شرادة الستار عن استراتيجية أممية تقوم على تجاوز الأجسام السياسية المتكلسة عبر خلق مسارات موازية. لكن السؤال الجوهري يبقى مطروحاً: هل يمكن لهذه اللجان المصغرة أن تنجح حيث فشلت الحوارات الكبرى؟ إن تجربة ليبيا منذ عام 2011 تثبت أن الحلول التقنية والترتيبات الجزئية تصطدم في نهاية المطاف بحائط الإرادات السياسية المتصارعة. إن تحقيق تقدم بنسبة 90% في ملف تقني يظل عديم الجدوى إذا ظلت نسبة الـ 10% المتبقية في الملف الدستوري والسيادي قابلة لنسف كل ما تم إنجازه.

ليبيا لا تعاني من نقص في القوانين الانتخابية أو نقص في خبراء إدارة العملية الانتخابية، بل تعاني من انعدام الثقة بين الفرقاء وغياب ضمانات حقيقية لاحترام النتائج. وطالما ظل هذا الملف دون معالجة جذرية، ستبقى اللجان، سواء كانت “4+4” أو غيرها، مجرد محطات لشراء الوقت في قطار الأزمة الليبية الذي لا يبدو أنه سيتوقف قريباً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى