عربىليبيا

ليبيا على فوهة «كانتونات» جديدة.. ناكر يعلن إقليم الحمادة الحمراء ويشعل الجدل حول مستقبل الدولة الموحدة

«حقوق المواطنين» في مواجهة «أمراض الجسد الليبي».. مبادرة إقليم الحمادة الحمراء تختبر هشاشة الوحدة الوطنية

ليبيا 24

ناكر يعلن «إقليم الحمادة الحمراء» غرب ليبيا.. حماية للتمثيل أم مقدمة لكانتونات النفوذ؟

في خطوة تعكس عمق المأزق الوطني وتداعيات فشل بناء الدولة الواحدة، أعلن رئيس حزب القمة عبدالله ناكر عن قرب الإعلان الرسمي عن «إقليم الحمادة الحمراء»، الممتد من تخوم ورشفانة شرقاً إلى الزاوية وزوارة غرباً، ومن غريان والجبل الغربي شرقاً حتى الحدود مع تونس والجزائر وتشاد والنيجر جنوباً، مروراً بمزدة والشويرف والشاطئ وأوباري ومرزق وغات.

الإعلان، الذي صيغ بوصفه استجابة لواقع فرضته مشاريع توزيع النفوذ والمناصب بين الأقاليم، يفتح الباب أمام نقاش وجودي حول مستقبل الدولة الليبية، بين من يراه تحصيناً للحقوق ومن يخشى أن يكون لبنة جديدة في جدار التفكيك.

الإعلان وسياقه: رد فعل على واقع الأقاليم

جاء إعلان ناكر بعد سلسلة تحركات مماثلة؛ إذ سبق أن أُعلن عن «إقليم طرابلس الكبرى» بمناطق محدودة، ثم أعلنت مصراتة عن «إقليم الوسط» متحالفة مع بني وليد وترهونة في اصطفاف تجاوز خصومات سابقة.
وفي هذا المشهد المجزأ، يرى ناكر أن المناطق الواقعة في غرب البلاد وجنوبها الغربي باتت مهددة بالتهميش ما لم تُنشئ إطارها الإقليمي الخاص.

ويقول في توضيحه: «بعد فشل الأطراف المتصارعة في فرض سلطتها على كامل التراب الليبي، واستمرار الانقسام السياسي، وتعثر تشكيل حكومة موحدة، وفشل إجراء الانتخابات، برز على طاولة النقاش حلٌّ يقوم على توزيع الميزانية والمناصب الحكومية والسيادية على الأقاليم، ومنح كل إقليم صلاحيات واسعة في إطار حكم ذاتي شبه فيدرالي».

ويضيف أن المشروع «ليس ترفاً سياسياً ولا خياراً ثانوياً، بل يُنظر إليه كوسيلة لحماية الحقوق والكرامة وضمان التمثيل العادل في أي ترتيبات سياسية أو إدارية مستقبلية».

بالأرقام والجغرافيا: إقليم يوازن أم يقتطع؟

بحسب التقسيمات المتداولة، يحظى إقليم طرابلس الكبرى بنحو 63 في المئة من السكان، مقابل 29 في المئة لإقليم برقة و8 في المئة فقط لفزان.

غير أن إقليم طرابلس الكبرى، وفق ناكر، أُعلن سابقاً بصورة انتقائية اقتصرت على القره بوللي وتاجوراء وسوق الجمعة وطرابلس المركز وجنزور وقصر بن غشير، متجاهلاً مدناً ومناطق تاريخية مثل الزاوية وزوارة وغريان والجبل الغربي والجنوب الغربي. ومن هذا المنطلق، تسعى مبادرة الحمادة الحمراء إلى خلق إقليم رابع يُحدث توازناً عددياً وسياسياً في أي مفاوضات مقبلة.

إلا أن هذه المعادلة الرقمية تختزل أزمة ليبيا في لعبة محاصصة محفوفة بالمخاطر. فالإقليم المقترح يمتد على رقعة شاسعة تضم الصحراء الغنية بالنفط والغاز والمعابر الحدودية الحساسة، ويقطع أوصال إقليم طرابلس الكبرى ويمتد جنوباً ليأخذ من فزان مناطق حيوية. وبذلك يتحول التقسيم من مجرد ترتيب إداري إلى إعادة رسم لخريطة النفوذ الاقتصادي والأمني.

منطق الحماية أم التسليم بالأمر الواقع؟

النقطة الأكثر جدلاً في خطاب ناكر تكمن في قبوله الضمني بمنطق الأقاليم كأمر واقع. فهو يقول صراحة: «إذا كان الاتجاه نحو نظام الأقاليم أمراً واقعاً، فمن حق أبناء هذه المناطق أن يكون لهم إقليمهم الذي يحفظ حقوقهم ويضمن مشاركتهم العادلة.

أما إذا تم التراجع عن هذا المسار مع تقديم ضمانات حقيقية وعادلة لحقوق جميع المناطق والمكونات الليبية في إطار دولة موحدة، فإننا سنكون أول الداعمين لذلك».

هذا الطرح، وإن بدا براغماتياً، يحمل في جوهره تناقضاً يهدد جوهر المشروع الوطني الوحدوي. فالتأسيس على فرضية أن التقسيم قدر محتوم يضع العربة أمام الحصان؛ إذ يشرعن منطق الكانتونات ويحوّل رفض التقسيم إلى مجرد شرط قابل للتفاوض، بدلاً من أن يكون ثابتاً وطنياً لا يحيد عنه أي فاعل سياسي.

ومتى أصبح لكل جماعة إقليمها الذي يحميها من الآخرين، فإن فكرة المواطنة الواحدة تذوب في انتماءات جهوية ضيقة، ويتحول الوطن إلى رقعة شطرنج تتصارع عليها البيادق.

التداخلات الأمنية: هل تكون الحمادة مسرحاً لصراع جديد؟

لا تقف الإشكالية عند الجوانب السياسية، بل تمتد إلى الميدان الأمني. فمنطقة الحمادة الحمراء تتداخل مع نفوذ قوى مسلحة متعددة. الزاوية وزوارة تخضعان لتأثير تشكيلات منضوية إلى حد كبير تحت مظلة حكومة الدبيبة منتهية الولاية ، بينما تعيش غريان والجبل الغربي على إرث معارك سابقة وما زالت تحتفظ بنسيج مسلح معقد.

أما مناطق أوباري ومرزق وغات في الجنوب، فهي مسرح لوجود قوات تابعة للقيادة العامة وأخرى محلية ومجموعات متعددة الجنسيات، فضلاً عن التهريب والجريمة المنظمة.

إعلان إقليم جديد بهذه الحدود من شأنه أن يُفسر من قبل القوى المسيطرة على الأرض باعتباره تحدياً لسلطتها، وقد يشعل جولة جديدة من العنف لإعادة ضبط موازين السيطرة. فالدبيبة، الذي يراهن على بقاء العاصمة والغرب ضمن فضاء نفوذه، قد يرى في الإقليم الجديد تهديداً لخزان دعمه القبلي والمالي. وبذلك تصبح المبادرة التي انطلقت تحت شعار «حماية الحقوق» بؤرة صراع إضافية.

سابقة مصراتة ومسار الأقاليم: نحو كانتونات دائمة؟

يأتي إعلان الحمادة الحمراء في أعقاب تجربة إقليم الوسط بقيادة مصراتة، التي تخلت عن تحالفاتها السابقة مع الزاوية وغريان والجبل في حقبة «فجر ليبيا»، لتصوغ تحالفاً جديداً مع بني وليد وترهونة بهدف ضمان موقعها السياسي وعدم الذوبان بين الأقاليم الأخرى.

وهذا النمط من الاصطفافات يكشف أن مشاريع الأقاليم لا تستند إلى معايير تاريخية أو دستورية، بل إلى توازنات قوى وقتية ومصالح نخبوية.

وعندما ينضم إلى هذه المنظومة إقليم رابع، فإن ليبيا تقترب من سيناريو تفكيكي تتحول فيه كل جهة إلى كيان شبه مستقل، يملك موارده الذاتية وشبكات ولاءاته الإقليمية والدولية. وهذا يكرس فعلياً ما يُحذر منه الداعون إلى الوحدة: دولة هشة مقسمة إلى مناطق نفوذ لا تجمعها سوى حدود مصطنعة وصراع على الثروة.

بين ضمان الحقوق ورفض التقسيم: الطريق الثالث

لا يمكن تجاهل الهواجس المشروعة التي عبّر عنها ناكر بشأن تغييب مدن ومناطق كاملة عن معادلات التمثيل وتوزيع الثروة. فحالة التهميش التي تعاني منها مناطق في الجبل الغربي وفي الجنوب الغربي حقيقة قائمة، وفشل الحكومات المتعاقبة في تقديم نموذج عادل للحكم غذّى نزعات التذرع بالأقاليم كحل.

غير أن الحل لا يكمن في خلق كيان إقليمي جديد يكرس ذات العلة، بل في بناء دولة موحدة تضمن حقوق الجميع تحت سقف دستور دائم وانتخابات حرة وإدارة محلية لا مركزية حقيقية، لا تصل إلى حد تقويض السيادة.

فاللامركزية الموسعة التي تمكّن البلديات والمحافظات من إدارة شؤونها دون تمزيق الجيش والسيادة النقدية والسياسة الخارجية، تظل البديل القادر على استيعاب التنوع دون تفكيك الدولة.

موقف ليبيا 24: الوحدة لا تتجزأ

إذ تنشر «ليبيا 24» تفاصيل هذه المبادرة وتناقشها من باب المهنية وحرية الرأي، فإنها تؤكد على ثوابتها الوحدوية. نحن مع ليبيا الواحدة الموحدة، ونرى في أي مشروع إقليمي يقوم على أساس المحاصصة وتوازن القوى المسلحة خطراً وجودياً.

إن حق المواطن الليبي في العيش في دولة ذات سيادة على كامل ترابها، يحتّم رفض المساعي التي تكرّس الانقسام، حتى وإن عبأت بخطاب حماية الحقوق.

فالضمانة الحقيقية للحقوق ليست في الإقليم، بل في الدولة التي لا تفرق بين أبنائها، والتي تبسط سلطتها بالعدل والقانون من أقصى الجبل الغربي إلى عمق الصحراء، ومن زوارة إلى الكفرة. وأي ترتيب خارج هذا الإطار، مهما بدا مبرراً، لن يكون سوى محطة جديدة في مسار التفكك الطويل.

وعليه، فإن الدعوة التي أطلقها ناكر، بقدر ما تعكس وجعاً حقيقياً، ينبغي أن تُقرأ كجرس إنذار. وعلى النخب الليبية والفاعلين الدوليين أن يدركوا أن الطريق الوحيد لتجنب كانتونات الحمادة والوسط وبرقة وطرابلس، هو إنجاز التسوية السياسية العادلة التي تعيد بناء الدولة، وإلا فإن الانهيار آتٍ من حيث تظن الأطراف أنها تحمي نفسها.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى