من الانتخابات والأقاليم إلى الجماعات المسلحة والهجرة.. سعيد ونيس لـ«ليبيا 24»: خارطة الطريق الأممية المسار الوحيد المتاح حالياً والقابل للتنفيذ نحو استقرار ليبيا
ونيس: خارطة البعثة الأممية المسار الوحيد القابل للتنفيذ للانتخابات

ليبيا 24 _ حوار: عبد العزيز الزقم
ونيس يحذر: مقاربة الدبيبة للمجموعات المسلحة تفتح أبواب الفساد والابتزاز
عمق المشهد الليبي: حوار مع سعيد ونيس
في ظل استمرار الانسداد السياسي وتعثر المسارات الانتقالية، تتصاعد التساؤلات بشأن مستقبل العملية الانتخابية، وجدوى الطروحات المتعلقة بإعادة هيكلة الدولة، إضافة إلى ملفات الحوكمة والمجموعات المسلحة والهجرة غير الشرعية.
وفي هذا الحوار الخاص مع قناة ليبيا 24، يقدم عضو المجلس الأعلى للدولة الأستاذ سعيد ونيس رؤيته إزاء أبرز القضايا المطروحة على الساحة الليبية، متناولاً فرص الوصول إلى انتخابات وطنية شاملة، والجدل الدائر حول الأقاليم الجديدة، ومستقبل التعامل مع المجموعات المسلحة، فضلاً عن مقاربته لملف الهجرة والنزوح.
- خارطة الطريق الأممية تمثل المسار الأكثر واقعية للانتخابات- فيما يتعلق بالاستحقاق الانتخابي، كيف ترى شخصياً إمكانية تجاوز العقبات السياسية والقانونية الحالية للوصول إلى انتخابات وطنية شاملة ومقبولة من جميع الأطراف؟
سعيد ونيس: فيما يتعلق بالاستحقاق الانتخابي، أرى أنه في هذه المرحلة لا يوجد مسار أكثر وضوحاً وقابلية للتنفيذ وواقعية من خارطة الطريق التي تقودها البعثة الأممية، والتي حظيت بدعم مجلس الأمن، مع الاسترشاد بمخرجات اللجنة الاستشارية التي ضمت نخبة وطنية تمثل مختلف الأطراف السياسية الفاعلة.
وقد نجحت اللجنة الاستشارية في حصر الملفات الخلافية الرئيسية وتقديم خيارات محددة لمعالجتها، وعلى رأسها المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، والقوانين الانتخابية، والسلطة التنفيذية. ولم تتجاوز الخيارات المطروحة في كل ملف ثلاثة بدائل، الأمر الذي يجعل الوصول إلى توافق أمراً ممكناً إذا توفرت الإرادة السياسية.
وفي تقديري، فإن الخطوة العملية المطلوبة من مجلسي النواب والدولة تتمثل في الإعلان عن جلسة رسمية علنية ومباشرة للرأي العام، يتم خلالها انتخاب لجنة مشتركة من خمسة أعضاء من كل مجلس عبر التصويت داخل القاعة، بدلاً من اختيار الأعضاء من قبل مكاتب الرئاسات. فالحل يكمن في أن تتولى المؤسسة التشريعية نفسها اختيار ممثليها بشكل شفاف، بما يعزز الثقة في مخرجات العملية.
وعند تشكيل هذه اللجنة المشتركة، يمكنها دراسة الخيارات الواردة في تقرير اللجنة الاستشارية واختيار الأنسب منها، بما يقود إلى معالجة الملفات العالقة، وخاصة ما يتعلق بتعديل القوانين الانتخابية، وصولاً إلى توافق يهيئ البلاد لإجراء انتخابات وطنية شاملة.أما فيما يتعلق بالمسارات الأخرى، وبخاصة الطروحات التي تقوم على تقاسم السلطة والثروة والنفوذ بين أطراف أو عائلات سياسية بعينها، فأرى أنها لا تمثل حلاً مستداماً، لأنها لا تستند إلى أسس دستورية وقانونية راسخة.
كما أن محاولة فرض مثل هذه الترتيبات أو إيجاد غطاء قانوني لها تظل محل جدل كبير، وقد تواجه هذه الأطراف تحديات قانونية وحقوقية ومالية أمام القضاء المحلي والدولي، بما قد يؤدي إلى إضعاف أو انهيار هذا المسار في أي مرحلة من مراحل تنفيذه.
لذلك، فإن الحل الأكثر استدامة يظل في التوافق على قواعد دستورية وقانونية واضحة، والاحتكام إلى المؤسسات الشرعية، والذهاب إلى انتخابات حرة ونزيهة تحظى بقبول مختلف الأطراف الليبية.
الأقاليم الجديدة تثير أسئلة حول التوازن والتمثيل- برز حديثاً طرح الأقاليم الجديدة، مثل إقليم المنطقة الوسطى وإقليم الحمادة الحمراء. برأيك، هل يمثل هذا التوجه حلاً جذرياً لإشكالية المركزية المفرطة، أم أنه قد يفتح الباب لتحديات إدارية ومجتمعية إضافية؟
سعيد ونيس: إن التسويق لفكرة الأقاليم في هذه المرحلة باعتبارها حلاً لمعالجة المركزية المفرطة يثير العديد من التساؤلات، خاصة في ظل الظروف الانتقالية الحالية والطريقة التي طُرحت بها الفكرة من قبل بعض عمداء البلديات.فعلى سبيل المثال، إذا نظرنا إلى ما يُطرح بشأن إقليم المنطقة الوسطى، نجد تفاوتاً كبيراً بين البلديات المكونة له.
فبلدية مصراتة، التي يتجاوز عدد سكانها 300 ألف نسمة، تُعد من أكبر المدن الاقتصادية في ليبيا، وقد حظيت على مدى عقود بنصيب وافر من ميزانيات التنمية والاستثمارات الوطنية بمئات المليارات من الدنانير، الأمر الذي يجعلها أحد أهم المراكز الاقتصادية التي يُعوَّل عليها في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق عوائد للدولة الليبية.
في المقابل، نجد بلدية المردوم، التي أُنشئت بقرار من حكومة الوحدة الوطنية، لا يتجاوز عدد سكانها أربعة آلاف نسمة، ولا تمتلك حتى الآن بنية إدارية متكاملة أو مقراً إدارياً دائماً، حيث يُدار عملها من مقر مستأجر. كما أن النشاط الاقتصادي فيها محدود للغاية، ويقتصر تقريباً على مشروع زراعي واحد هو مشروع قرارة القطف، والذي تعرّض لإشكالات حالت دون استثماره بالشكل المطلوب.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: ما هو معيار التكافؤ والتوازن بين البلديات المكوِّنة لهذه الأقاليم؟
وكيف يمكن ضمان عدم هيمنة البلديات الأكبر والأقوى اقتصادياً وسياسياً على البلديات الأصغر والأقل إمكانيات؟ إن إنشاء الأقاليم دون أساس دستوري وتشريعي وتنظيمي واضح، وبدون لوائح تنفيذية تحدد الصلاحيات والاختصاصات وآليات اتخاذ القرار، قد يؤدي عملياً إلى هيمنة الكيانات الأكبر على الأصغر، بما يفتح الباب أمام النفوذ والسيطرة بدلاً من تحقيق التنمية المتوازنة.
كما أن ذلك قد يفضي إلى حالات من الرفض والتمرد والمقاومة المجتمعية، وهو ما يهدد الاستقرار بدلاً من تعزيزه.وفي تقديري، فإن معالجة إشكالية المركزية في هذه المرحلة ينبغي أن تبدأ بتطوير قانون الإدارة المحلية، مع التأكيد على مفهوم الإدارة المحلية وليس الحكم المحلي. كما يجب العمل على استحداث المحافظات كوحدات إدارية وسيطة وفق توافق مجتمعي واسع وآليات ديمقراطية واضحة، بما يضمن توزيعاً أفضل للصلاحيات والخدمات.
وبعد ترسيخ تجربة الإدارة المحلية وتحقيق الاستقرار المؤسسي، يمكن الانتقال تدريجياً إلى توسيع صلاحيات الوحدات المحلية وصولاً إلى نموذج أكثر تطوراً للحكم المحلي. أما فكرة الأقاليم الاقتصادية، فيمكن النظر فيها لاحقاً وفق رؤية وطنية شاملة تراعي الإمكانيات الاقتصادية لكل منطقة وكيفية توظيفها لتحقيق التنمية، ضمن إطار دستوري وتشريعي يحافظ على وحدة الدولة الليبية ويعزز سيادتها على كامل أراضيها.مراجعة مقاربة حكومة الوحدة تجاه المجموعات المسلحة-
- فيما يتعلق بملف المليشيات والنفوذ المسلح في المنطقة الغربية، كيف تقيم مقاربة حكومة الوحدة بقيادة عبدالحميد الدبيبة في التعامل مع هذا الملف؟ وما الذي تراه ناجحاً أو يحتاج إلى مراجعة؟
سعيد ونيس: إن مقاربة حكومة الوحدة الوطنية في التعامل مع ملف المجموعات المسلحة لم تركز على هدف دمج هذه المجموعات ضمن مؤسستي الأمن والدفاع، بقدر ما انصبّ جهدها على إعادة تشكيل الولاءات ومحاولة تمكين الأطراف الأكثر ولاءً لها من مفاصل المشهد الأمني والاقتصادي، مقابل استبعاد ومحاربة وتفتيت الأطراف الأقل ولاءً.
وقد ترتب على هذا النهج أن وجدت الحكومة نفسها في دوامة من الابتزاز تمارسها المجموعات التي توفر لها الحماية، وفي مواجهة مستمرة مع المجموعات التي لم تحظَ بالدعم الحكومي. كما انعكس ذلك على حالة الاستقرار في مدن المنطقة الغربية، وأسهم في تنامي عمليات التهريب والاستيلاء على مرافق الدولة بغرض توفير مصادر تمويل لهذه التشكيلات المسلحة.
إن هذا النهج الخاطئ الذي اتبعته حكومة الوحدة ، والقائم على إرضاء الموالين وتمكينهم من مرافق الدولة والسيطرة على مؤسساتها، مقابل محاربة الأطراف الأقل ولاءً والتضييق عليها، لن ينتج حلاً حقيقياً على المدى القريب أو المتوسط. بل إنه يزيد من تعقيد الأوضاع، ويفتح أبواب الفساد على مصراعيها. وقد أدى ذلك بالفعل إلى محدودية سيطرة الحكومة حتى على بعض المنافذ البحرية والجوية والحدودية.
لذلك، فإن على الحكومة مراجعة هذا النهج ما دام لديها متسع من الوقت لإدارة هذا الملف الحساس، مع التفكير الجاد في ضرورة العمل داخل المنطقة الغربية على تفكيك التشكيلات المسلحة ذات الطابع المناطقي، وإعادة هيكلة وتسليح المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس وطنية تخدم كامل المنطقة، بما يهيئ لاحقاً لعملية دمج وتوحيد أكثر فاعلية مع الكتلة العسكرية في شرق البلاد ضمن مؤسسة عسكرية وطنية موحدة.
- رؤية وطنية شاملة لمعالجة الهجرة والنزوح- ليبيا تبقى بلد عبور واستقرار للهجرة غير الشرعية. ما هي الرؤية السياسية والأمنية التي تراها مناسبة للتعامل مع هذا الملف دون تحميل ليبيا أعباء تفوق طاقتها وبعيداً عن مشاريع التوطين؟
- سعيد ونيس: ليبيا دولة مؤسسة لمنظمة الوحدة الأفريقية، وساهمت في إنشاء وتطوير مؤسساتها المختلفة، ومن بينها مجلس السلم والأمن الأفريقي.
كما أنها كانت من الدول الرائدة في دعم وحدة أفريقيا وتعزيز دورها ومكانتها بين قارات العالم. ومن هذه الزاوية تقع على عاتق ليبيا مسؤولية أخلاقية وإنسانية إلى جانب مسؤوليتها السياسية والقانونية في التعامل مع ملف الهجرة غير الشرعية.ومن وجهة نظري، فإن التعامل مع هذا الملف يتطلب إنجاز رؤية وطنية استراتيجية شاملة للهجرة والنزوح، تراعي السيادة الوطنية وتحفظ حقوق الإنسان وتلتزم بالواجبات الإنسانية والقانونية المترتبة على ليبيا باعتبارها عضواً في المجتمع الدولي.
وينبغي أن تشمل هذه الرؤية مراجعة التشريعات الوطنية والقوانين المنظمة للملف وتحديثها، ومراجعة الاتفاقيات الدولية والإقليمية ذات الصلة، وإعادة دراسة المعاهدات الدولية المتعلقة بالهجرة والنزوح، وإعادة تنظيم عمل المنظمات الدولية العاملة داخل ليبيا بما يضمن احترام السيادة الوطنية وتحقيق أعلى درجات التنسيق والشفافية.
كما تتطلب متابعة التقارير الدولية وتقارير لجان الخبراء المختصة والاستفادة من توصياتها في تطوير السياسات الوطنية، إلى جانب التأكيد على التزام جميع الأطراف المحلية والدولية بأحكام هذه الرؤية وآليات تنفيذها.
وأرى أن إعداد هذه الرؤية يندرج ضمن صميم الدور الاستشاري للمجلس الأعلى للدولة، من خلال العمل على بلورتها بالتنسيق مع الجهات الوطنية المختصة والمنظمات الدولية المعنية، وفي مقدمتها المنظمة الدولية للهجرة، بما يضمن تحويلها إلى إطار وطني مرجعي وملزم أخلاقياً وسياسياً لجميع الأطراف ذات العلاقة.
وبهذه المقاربة يمكن لليبيا أن تتعامل مع ملف الهجرة والنزوح بصورة متوازنة تحفظ مصالحها الوطنية وسيادتها، وتراعي في الوقت ذاته التزاماتها الإنسانية والقانونية، بعيداً عن أي مشاريع أو ترتيبات قد تفرض عليها أعباءً تفوق قدراتها أو تمس تركيبتها السكانية والاجتماعية.



