الشريف يحذر من سيناريو النفط الأسوأ وعجز الحوكمة
الشريف: استقرار الدينار رهن ضبط الإنفاق العام المتفلت
ليبيا 24
حذر الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد الدكتور علي الشريف من تداعيات التراجع المحتمل في أسعار النفط على الاقتصاد الليبي، مشيراً إلى أن انخفاض خام برنت إلى ما دون ثلاثة وثمانين دولاراً للبرميل بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني يستوجب الاستعداد الفوري لأسوأ السيناريوهات.
وجاءت تحذيرات الشريف في وقت تواصل فيه الحكومة منتهية الولاية انتهاج سياسة إنفاق متضخمة، متجاهلة كل الدعوات إلى ضبط المالية العامة، في مشهد ينذر بأزمة اقتصادية خانقة قد تفوق قدرة أي إجراءات جزئية على احتوائها.تحذير من صدمة النفط وعجز السياسات الجزئية.
وقال الشريف في عدة منشور ات له عبر صفحته على فيسبوك تابعتها “ليبيا 24” إن زيادة حصة الأغراض الشخصية إلى أربعة آلاف دولار تمثل خطوة مهمة من شأنها زيادة المعروض من النقد الأجنبي وإعادة الحصة إلى مستواها السابق، وهي تأتي في إطار الدور الأساسي للمصرف المركزي المتمثل في الحفاظ على قيمة العملة والحد من تدهورها. لكنه لفت إلى أن هذه الإجراءات قد لا تكون كافية في ظل وجود طلب مرتفع وغير منضبط على النقد الأجنبي، خاصة من جانب الإنفاق الحكومي المتصاعد.
وأوضح أن آثار هذه الخطوة قد تكون مؤقتة أو محدودة الأثر ما لم تدعم بإجراءات مكملة من بقية الجهات ذات العلاقة، وفي مقدمتها الحكومة التي تواصل التوسع في الصرف دون وازع من حوكمة أو تخطيط.
وشدد الشريف على أن تحقيق الاستقرار في سعر الصرف يظل مرهوناً بتنسيق السياسات الاقتصادية وضبط الإنفاق العام بما يتناسب مع الإيرادات المتاحة، محذراً من أن استمرار ارتفاع الطلب على العملة الأجنبية من قبل الحكومة منتهية الولاية سينعكس سلباً على استقرار الدينار وقوته الشرائية، وهو ما يدفع ثمنه المواطن وحده.اختراق المنظومة المصرفية: أمن قومي مهدوروفيما يتعلق بالاختراق الذي تعرضت له المنظومة المصرفية مؤخراً، أوضح الشريف أنه حسب بيان مصرف ليبيا المركزي فقد استعادت المنظومة عافيتها وتمت استعادة الخدمات المتأثرة، وهو أمر يبعث على الاطمئنان. لكنه شدد على أن مسألة اختراق المنظومة المصرفية لا تمس الأشخاص القائمين على المؤسسة فحسب، بل تعد قضية أمن قومي تمس أحد أهم شرايين الاقتصاد الوطني، لما قد يترتب عليها من أضرار تطال الثقة في النظام المالي والمصرفي ككل.وانتقد الشريف ما رصده من حملات مضادة شنتها بعض الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي ضد المصرف المركزي في خضم الأزمة، وكأنها تتجاهل خطورة المساس بمؤسسات الدولة الاقتصادية. وقال إن تصفية الحسابات أو توظيف الأزمات لتحقيق أهداف ضيقة على حساب المصلحة العامة والاقتصاد الوطني أمر غير مقبول، ويرفضه كل الليبيين الحريصين على استقرار الدولة وسلامة مؤسساتها المالية. وأضاف أن الواجب الوطني في مثل هذه الظروف هو دعم الجهود الرامية إلى حماية المنظومة المصرفية وتعزيز الثقة بها، مع المطالبة بالتحقيق في أي تجاوزات أو تهديدات تستهدف أمن البلاد الاقتصادي.استدامة المالية العامة بين إنفاق متفلت وإيرادات متسربةوانتقل الشريف إلى جوهر الأزمة الاقتصادية الليبية، موضحاً أن الحديث عن استدامة المالية العامة يعني بالأساس ركيزتين: الإنفاق العام والإيرادات العامة. وفي جانب الإنفاق، حذر من أن التوسع الكبير الذي تجاوز القدرة الاستيعابية للاقتصاد الليبي أسهم في إرباك المشهد الاقتصادي وأثر سلباً على عدد من المتغيرات الاقتصادية الكلية، وفي مقدمتها سعر الصرف ومستويات التضخم والاستقرار المالي بشكل عام. ويقف خلف هذا التوسع المتفلت حكومة لا تملك تفويضاً شعبياً ولا شرعية دستورية، لكنها تواصل ضخ الأموال في بنود غير منتجة.أما في جانب الإيرادات العامة، فأكد الشريف أن الإيرادات النفطية، التي تمثل المصدر الرئيس للدخل العام، تعاني من تسربات كبيرة ومتطورة، ما يستوجب العمل بشكل عاجل على معالجة هذا الخلل وتعزيز الحوكمة والرقابة على موارد الدولة. ودعا إلى التركيز على تنويع مصادر الإيرادات غير النفطية، خاصة الإيرادات الجمركية التي لا تزال متواضعة جداً مقارنة بحجم الاعتمادات المستندية والواردات، وكذلك إلى اتخاذ سياسات فعالة لدمج الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية ضمن الاقتصاد المنظم، بعد أن اتسع اقتصاد الظل وأصبح لا يساهم بأي شكل يذكر في الإيرادات الضريبية.وختم الشريف بالتأكيد على أن معالجة هذه الاختلالات أصبحت ضرورة ملحة لضمان استدامة المالية العامة، إلا أن تحقيق ذلك يظل مرتبطاً بوجود دولة موحدة ومؤسسات قادرة على فرض الحوكمة الرشيدة على جانبي الإيرادات والإنفاق، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل الانقسام المؤسسي وغياب آليات الرقابة والمساءلة الفعالة. وتبرز هنا المفارقة القاتلة: فالحكومة التي يُفترض أن تقود الإصلاح هي ذاتها التي تغذي الأزمة بسياساتها، وتقف عاجزة – أو غير راغبة – عن مد يدها لمعالجة التسربات في الإيرادات وضبط نزيف الإنفاق.



