ليبيا

محكمة الاستئناف تلغي تفعيل القرار (49) وتُسقط امتيازات حاملي الجنسيات العربية في الجهاز الإداري

المحكمة تنتصر لإرادة الشعب: القضاء يلغي تفعيل قرار منح الأجانب حقوقاً مساوية للمواطنين


ليبيا 24

المشهد الليبي يشهد انتصاراً قضائياً لرفض التوطين

في تطور قضائي وسياسي حمل دلالات عميقة حول هوية الدولة الليبية ومدى التزام مؤسساتها بحماية السيادة الوطنية، أصدرت الدائرة الإدارية بمحكمة استئناف طرابلس، الاثنين، حكمها في الطعن رقم 73/57، القاضي بإلغاء قرار تفعيل القرار رقم (49) لسنة 1990، المتعلق بالضوابط المنظمة لحقوق وواجبات العرب في ليبيا، والذي كان يمنح حاملي الجنسيات الفلسطينية والسودانية وجنسيات أخرى عاملة في الجهات الإدارية، حقوقاً مساوية لحقوق المواطنين الليبيين.

وقائع القضية وجذور الأزمة القانونية

تعود جذور هذه القضية إلى عام 1990، حين أصدرت اللجنة الشعبية العامة (الحكومة آنذاك) القرار رقم (49) الذي نظم حقوق وواجبات العرب المقيمين في ليبيا، ومنحهم بموجبه حق التملك والانتفاع بالعقارات، والعمل في الوظائف العامة، والتمتع بخدمات التعليم والعلاج، وحتى حق المشاركة في العمل الشعبي، شريطة الموافقة الكتابية على ذلك.

غير أن هذا القرار تعرض للإلغاء في عام 2005، بموجب قرار اللجنة الشعبية العامة رقم (125) لسنة 2005، والذي تضمن في مادته (47) إلغاء القرار رقم (49) بشكل كامل، ليصبح بذلك من الناحية القانونية لاغياً لا أثر له.

لكن الأمور تعقدت في عام 2023، عندما أصدرت حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، قراراً بتفعيل القرار الملغي، وأعادت العمل به، مانحة بموجبه حاملي الجنسية الفلسطينية والسودانية وغيرهم من الجنسيات العربية، حقوقاً كانت حصراً للمواطن الليبي، الأمر الذي أثار موجة من الغضب الشعبي، واعتبره المراقبون خطوة باتجاه توطين الأجانب في ليبيا، وتغييراً ديموغرافياً ممنهجاً.

تفاصيل الحكم القضائي

في هذا السياق، تقدمت المحامية ثريا الطويبي بطعن أمام محكمة استئناف طرابلس ضد قرار تفعيل القرار (49)، وليس ضد القرار الأصلي الصادر عام 1990، كما أوضحت الوزيرة السابقة سميرة الفرجاني، في توضيحها للالتباس الذي رافق تداول الخبر.

وأكدت الفرجاني في منشور لها على منصة فيسبوك، أن “الدبيبة تجاوز صلاحياته وقام بتفعيل القرار الملغي، وبهذا منح الأجانب حقوقاً وواجبات هي من حق المواطن الليبي فقط، وفتح الباب على مصراعيه لقدوم الملايين إلى ليبيا من أجل الحصول على هذه الامتيازات، وهذا يعني توطينهم بمعاملتهم معاملة المواطن الليبي، وبالتالي لن يخرجوا منها أبداً”.

وأصدرت المحكمة حكمها بإلغاء القرار المطعون فيه، وإلزام المطعون ضدهم بالمصاريف، في خطوة وصفتها الطويبي بأنها “بشرى لكل الليبيين”، مضيفة في منشورها: “نعم يحق لنا أن نحتفل بهذا اليوم، وأن نفتخر، يحق لنا أن نفرح فرحة بسيطة عفوية بإمكانياتنا البسيطة.. فهذه قضية شعب، قضية وطن، وقضية حق، عملنا عليها في الميادين وأمام السفارات والمنظمات الدولية، وقلنا كلمتنا: لا للتوطن، لا للتوطين، لا لمساواة الأجنبي بالليبي، لا للقواعد الأجنبية”.

تنفيذ الحكم.. التحدي الأكبر

في المقابل، أثار الناشط السياسي أسامة البوعيشي، في منشور له، تساؤلاً حول الجانب الأهم في هذه القضية، قائلاً: “فرحة تجتاح الصفحات بعد انتشار خبر صدور حكم من محكمة الاستئناف بإلغاء القرار رقم 49، لكن الأهم من صدور الحكم هو تنفيذه فعلياً على أرض الواقع، عبر إلغاء كافة الامتيازات والآثار التي ترتبت عليه، ووضع حد لأي إجراءات تخالف القانون”.

وتابع البوعيشي: “الأهم من الحكم هو التنفيذ، وهو ما يتطلب وقفة جادة من كافة مؤسسات الدولة لضمان عدم التفاف الجهات التنفيذية على القضاء، وتطبيق الحكم بحذافيره”.

ومن جانبها، أكدت الناشطة السياسية والخبيرة في التشريعات، نادية الراشد، أن “القرار (49) ملغي من سنة 2005، وصدر فيه حكم اليوم بعد الطعن المقدم بأنه لا يمكن العمل به، لأنه ملغي قانونياً، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في التنفيذ، لأن الأمر الملغي ثم تفعيله من حكومة الدبيبة سنة 2023، ولليوم يُعمل به بالأمر الواقع”.

وأضافت الراشد: “هذا اختصاص المشرع الليبي في سن وتعديل وإلغاء القوانين، حتى يكون معمولاً به، بينما الجهة التشريعية لم تصدر قراراً بإلغاء هذا القرار المعيب، فالقرار يلغيه قرار شرعي، وبالتالي مجلس النواب الليبي صدر بيان فقط، ينص على رفض التسكين والتوطين، والتأكيد على تطبيق القانون رقم (24) لسنة 2023 بشأن مكافحة توطين الأجانب في ليبيا، ورفض التوطين والتجنيس والتغيير الديمغرافي”.

موقف متناقض.. بين الإلغاء والتفعيل

في السياق ذاته، أبدى الناشط السياسي المهندس عبد السلام زبيدة، تحفظه على ما وصفه بـ”التضخيم الإعلامي والفيسبوكي” للحكم، مشيراً إلى أن “القرار ملغي منذ 21 عاماً بقرار اللجنة الشعبية العامة رقم 125 لسنة 2005، ويمكن للجميع التأكد من ذلك بالدخول إلى موقع المجمع القانوني الليبي”.

وتساءل زبيدة: “لا أدري ما هي الأسس التي تم الاستناد عليها في رفع الدعوى ضد قرار ملغي، ولا الأسس التي استندت عليها المحكمة في إصدار حكم بتجميد العمل به، ولا الأسس التي سوف تستند عليها في البت في الدعوى.. لماذا كل هذه الضجة والتهليل وتبادل التهاني والتبريكات على صدور حكم بوقف تنفيذ قرار ملغي منذ 21 عاماً؟”.

غير أن هذا التحفظ قوبل بردود من قبل فريق الطعن، الذين أكدوا أن الدعوى لم تكن موجهة ضد القرار الأصلي الملغي، بل ضد قرار تفعيله الصادر عن حكومة الدبيبة، وهو ما يجعل الحكم قائماً على أسس قانونية سليمة، حيث إن تفعيل قرار ملغي يشكل تجاوزاً للصلاحيات، ويخضع للطعن القضائي.

موقف المجلس التشريعي

وفي تطور موازٍ، كان مجلس النواب الليبي قد أصدر بياناً رقم (2) لسنة 2026، أكد فيه رفضه القاطع للتسكين والتوطين، وشدد على تطبيق القانون رقم (24) لسنة 2023 بشأن مكافحة توطين الأجانب في ليبيا، ورفض التوطين والتجنيس والتغيير الديمغرافي، في خطوة اعتبرت دعماً للجهود الشعبية والقضائية الرافضة لمنح الأجانب حقوقاً مساوية للمواطنين.

غير أن المراقبين أشاروا إلى أن بيان المجلس يظل في إطار المواقف السياسية، ما لم يترجم إلى تشريعات ملزمة تمنع أي حكومة مستقبلية من العودة إلى تفعيل قرارات مشابهة، أو تغلق الباب أمام أي محاولات لتوطين الأجانب في ليبيا.

بين النص والتنفيذ.. معركة السيادة مستمرة

في قراءة تحليلية للقضية، يرى خبراء قانونيون أن الحكم الصادر عن محكمة استئناف طرابلس، وإن كان يمثل انتصاراً قضائياً مهماً، إلا أن معركة السيادة الوطنية لم تنتهِ بعد، إذ يظل التحدي الأكبر في مرحلة التنفيذ، خاصة في ظل غياب آلية رادعة تضمن التزام الجهات التنفيذية بأحكام القضاء.

ويشير المحللون إلى أن ملف توطين الأجانب في ليبيا، يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة، تتشابك فيها المصالح الإقليمية والدولية، مع رغبة بعض الأطراف المحلية في استقطاب دعم خارجي، عبر تقديم تسهيلات غير مسبوقة للأجانب، على حساب حقوق المواطن الليبي، الذي يعاني أصلاً من تردي الأوضاع المعيشية والخدمية.

كما يلفت الخبراء إلى أن القرار (49) في نسخته الأصلية، كان يحمل في طياته أبعاداً أيديولوجية مرتبطة بفكرة “الوحدة العربية” التي كانت سائدة في التسعينيات، لكن إعادة تفعيله في ظل الظروف الراهنة، يحمل مضامين مختلفة، ترتبط بملفات الهجرة غير الشرعية، والتوطين، والتغيير الديمغرافي، وهي قضايا تمس الأمن القومي الليبي بشكل مباشر.

تحذيرات من خطاب الكراهية

في خضم هذا الانتصار، حرصت المحامية الطويبي على توجيه رسالة طمأنة للرأي العام، مؤكدة أن الحراك الذي قادته “ليس حراكاً عنصرياً، ولا عداء للأجانب، كما تحاول هيئة الأمم المتحدة الترويج له”، مضيفة: “نحن لسنا أعداء للبشرية، ولسنا عنصريين، ولا أعداء للأجانب، ولكننا طالبين حق، وطالبين لإنفاذ القانون وتقرير المصير”.

وشددت على ضرورة استمرار العمل “بشكل سلمي حضاري، بلا تخريب ولا اعتداء ولا عنف ولا تحريض ولا خطاب كراهية، حتى لا يجد خصومنا زلة يمسكوها علينا، وينقلونا لساحة حرب لسنا مستعدين لخوضها، ويكون تأثيرها على ليبيا سلبياً، ومن ثم نحقق لهم مرادهم ونصبح على ما فعلنا نادمين”.

هذه الرسالة، وإن كانت تحمل دعوة للاعتدال، إلا أنها تكشف عن وعي عميق لدى قادة الحراك، بحساسية الملف، وحاجة الدولة الليبية إلى معالجة قضية التوطين بمنهجية قانونية رصينة، بعيداً عن الشعارات المتطرفة، أو الانزلاق إلى صراعات تحمل أبعاداً عنصرية قد تستغلها أطراف خارجية لتحقيق أجنداتها في ليبيا.

خاتمة.. السيادة خط أحمر

في المحصلة، يمثل حكم محكمة استئناف طرابلس بإلغاء تفعيل القرار (49)، محطة فارقة في مسار النضال الوطني الليبي للحفاظ على الهوية والسيادة، لكنه في الوقت ذاته، يضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية، تتمثل في ترجمة هذا الحكم إلى واقع ملموس، وضمان عدم تكرار سيناريو تفعيل قرارات ملغية في المستقبل، عبر تشريعات واضحة تحمي حقوق الليبيين، وتصون كرامة الدولة ومؤسساتها.

كما أن هذا الحكم يبعث برسالة واضحة إلى كل الأطراف الداخلية والخارجية، مفادها أن الشعب الليبي لن يقبل بأي مساس بسيادته الوطنية، وأن القضاء الليبي، رغم كل التحديات، يظل حامياً للدستور والقانون، ومرجعاً للفصل في النزاعات، وحائط صد ضد أي محاولات لفرض وقائع جديدة على الأرض، تخالف إرادة الشعب وتطلعاته في دولة مدنية تحترم القانون وتصون حقوق المواطنين.

ويبقى السؤال الأهم مطروحاً بقوة: هل ستلتزم الحكومة والجهات التنفيذية بتنفيذ الحكم القضائي بشكل كامل، وإلغاء كل الامتيازات الممنوحة للأجانب، أم أن الأمر سيبقى حبراً على ورق، كما حدث مع العديد من الأحكام القضائية السابقة؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى