معاناة الليبيين تتكرر صيفاً بعد صيف.. وطرح الأحمال يعود بقوة مع دخول موسم الحر
مليارات الدينارات تتبخر في كهرباء الليبيين.. والمواطن يدفع ثمن الفساد وسوء الإدارة
ليبيا 24:
صيف ساخن يعيد سيناريو المعاناة
ليبيا بين الظلام والفساد.. أزمة كهرباء متجددة تفضح إخفاقات حكومة الدبيبة منتهية الولاية
مع دخول شهر يوليو وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، عادت أزمة الكهرباء لتطرق أبواب الليبيين من جديد، في مشهد يتكرر كل صيف وكأنه قدر محتوم على شعب يمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا. فبينما تتراقص مؤشرات البورصات العالمية على أنغام النفط الليبي، يعيش المواطنون في العاصمة وبنغازي وسبها ومصراتة ظلاماً دامساً يمتد لساعات طويلة، في تناقض صارخ بين ثروات باطن الأرض وفقر خدماتها الظاهر.
فقد تجاوزت ساعات طرح الأحمال في بعض المناطق حدود الست ساعات يومياً، فيما امتدت في مناطق أخرى إلى يوم كامل دون إعلان رسمي عن جدول موحد للانقطاعات.
وتحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات احتجاجية تعج بمئات التعليقات الغاضبة، حيث طالب مواطنون بوقف الجباية وفصل العدادات الإلكترونية، معتبرين أن استمرار تحصيل قيمة الاستهلاك رغم الانقطاعات المتكررة يمثل أمراً غير مقبول.
الجنوب يعيش ظلاماً دامساً
وفي مشهد يعكس حجم المأساة، عانى سكان الجنوب الليبي من أكثر من 340 ساعة من الانقطاع الكامل للتيار الكهربائي، حيث عمّق الحر الشديد معاناة المواطنين في بلديات العوينات وتهالة وغات والبركت.
وأكد حسن عيسى، المتحدث باسم غرفة طوارئ بلدية غات، أن نحو 40 ألف مواطن عاشوا أياماً عصيبة تحت وطأة الحر والظلام، مضيفاً أن فرحة عودة التيار تبقى منقوصة في ظل استمرار المخاوف من تكرار الأزمة، بسبب تهالك أبراج نقل الطاقة وغياب صيانتها الدورية.
ولم تقتصر المعاناة على الجانب الخدماتي فحسب، بل امتدت إلى تهديد حياة المواطنين أنفسهم، إذ اضطرت أسر لديها مرضى وحالات حرجة تعتمد على أجهزة التنفس إلى الانتقال إلى مدن أخرى هرباً من الظلام.
وفي تناقض مأساوي آخر، يضطر السكان إلى اللجوء إلى وسائل بدائية لمواجهة الحر، كالوديان الأقل حرارة أو مراوح بسيطة تعمل عبر المولدات، في حين يصل سعر المولد الصغير إلى أكثر من 3500 دينار، بينما تزيد أسعار المولدات الأكبر على 10 آلاف دينار، مع محدودية البنزين والديزل الذي يباع بسعر رسمي لا يتجاوز 0.15 دينار للتر مقابل قرابة دينار في السوق السوداء.
بنغازي تغرق في الظلام
وفي الشرق، لم يكن المشهد أقل قسوة. فقد انتقدت آمال بوقعيقيص، عضو لجنة الحوار السياسي، ما وصفته بـ”غرق بنغازي في الظلام”، مشيرة إلى انقطاع الكهرباء في بعض مناطق المدينة لمدة تزيد على خمس ساعات يومياً، في وقت لا يملك فيه كثير من السكان ثمن المولدات، فضلاً عن تذبذب توافر الديزل اللازم لتشغيلها.
ولكن المفارقة أن بعض سكان بنغازي رأوا أن أوضاع الشبكة تحسنت مقارنة بالسنوات الماضية، مرجعين الانقطاعات اليومية الحالية إلى زيادة الطلب خلال الصيف والتوسع العمراني.
طرابلس والغرب: معاناة مضاعفة
وفي الغرب الليبي، تكرر السيناريو ذاته. ففي بلدية تاجوراء، شرق العاصمة، اشتكى السكان عبر منصات التواصل من انقطاع الكهرباء لأيام، وما خلّفه ذلك من مشقة بسبب أداء أبنائهم امتحانات الشهادة الثانوية، وتلف الأطعمة، وسط تراجع قدرتهم الشرائية بسبب غلاء الأسعار.
وانتقد أحمد عطية، عميد بلدية عين زارة، عدم رد الشركة العامة للكهرباء على استفسارات الأهالي بشأن طرح الأحمال منذ بداية الصيف، لمدة تتراوح بين 3 و7 ساعات يومياً شرق العاصمة وجنوبها، رغم وجود مرافق حيوية ومستشفيات داخل البلدية، مقارنة ببلديات أخرى لا ينقطع عنها التيار.
أزمة مالية أم هندسية؟
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً يبقى: لماذا تستمر هذه الأزمة رغم إنفاق المليارات؟ فقد تجاوزت مصاريف الشركة العامة للكهرباء في عهد إدارة محمد عمر المشاي حاجز 27 مليار دينار، ومع ذلك بقيت الحصيلة على أرض الواقع متمثلة في استمرار الانقطاعات وتكرار طرح الأحمال.
وتشير المعطيات إلى أن عمليات الاستيراد تمت بالتكليف المباشر عبر إدارة الشركة وبأسعار مرتفعة بشكل لافت، مع وجود شبهات تضخيم في الفواتير وصلت إلى عدة أضعاف قيمتها الحقيقية، ما يمثل استنزافاً لأموال الدولة.
وتضاف إلى ذلك مظاهر الفساد المالي والإداري داخل الشركة، إلى جانب تعيينات لأشخاص دون مؤهلات أو خبرات كافية، وهو ما ساهم في تدهور الأداء العام وضعف كفاءة التشغيل.
ويبدو أن المشكلة ليست فنية بقدر ما هي أزمة مالية لأصحاب البطون الكبيرة، فمنذ خمسة عشر عاماً والحكومات المتعاقبة تضخ المليارات للشركة كي تضع حلولاً لأزمة الكهرباء دون جدوى.
فالأحمال المصطنعة لا تزال كما هي، فهي سلاح تستخدمه شركة الكهرباء لابتزاز الحكومات المتعاقبة بغية الحصول على المال بأسباب تتكرر كل عام: نقص الوقود، الصيانات، الأعطال. والضحية للأسف الشديد هي مناطق دون أخرى.
مليونيرات الظلام
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي هشام الحاراتي أن مطالبة الحكومة منتهية الولاية بترشيد استهلاك الوقود أغفلت أن لجوء المواطنين إلى المولدات لم يكن ترفاً، بل نتيجة الانقطاع المتكرر للكهرباء.
وأوضح أن تعليقات المواطنين على البيان الحكومي أرجعت السبب الرئيسي لنقص الديزل المدعوم إلى ما يتردد حول تهريبه، إلى جانب شكاوى من ارتفاع سعره في السوق السوداء.
وأكد الحاراتي أن معاناة الليبيين، رغم امتلاك بلادهم ثاني أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، تعكس ضعف الإدارة وعدم القدرة على إدارة الموارد. وهو تشخيص يجد صدى له في تقارير ديوان المحاسبة التي كشفت أن حكومة الدبيبة منتهية الولاية أنفقت حتى نهاية عام 2024 نحو 24 مليار دينار لصالح الشركة العامة للكهرباء.
صفقات السياسة على حساب المواطن
غير أن أزمة الكهرباء لا تقف عند حدود الفساد الإداري والمالي، بل تتشابك مع ملفات سياسية أكبر. فقد أثارت الأنباء المتداولة حول لقاءات جمعت مسؤولين في حكومة الدبيبة منتهية الولاية بمسؤولين إسرائيليين في روما موجة غضب واسعة في الشارع الليبي.
ويرى متابعون أن هذه التحركات تأتي في سياق صفقات سياسية تهدف إلى تقاسم النفوذ والثروة على حساب المواطن البسيط الذي يعيش الحر والظلام.
ففي الوقت الذي يبحث فيه المسؤولون عن شراكات سياسية مشبوهة، يغرق الليبيون في بحر من المعاناة اليومية، بين انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار.
وقد زادت نسبة التضخم الغذائي في ليبيا 17.6% في مايو 2026 مقارنة بنفس الشهر من العام 2025، أي أن التكلفة المعيشية زادت في سنة واحدة قرابة 20%.
فقر مدقع في بلد النفط
وهنا تبرز المفارقة الأكثر إيلاماً: ليبيا التي تمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، تعيش حالة من الفقر المدقع في خدماتها الأساسية.
فبينما يعيش السادة في الفلل والقصور ويركبون السيارات الفارهة، يرزح بقية الليبيين تحت نير الجور والظلم والفساد، وكأن الزمن عاد بهم إلى خمسينات القرن الماضي حيث حياة الصفيح والحرمان.
ويبقى السؤال المطروح بقوة: إلى متى سيظل المواطن الليبي هو الضحية الأبدية لهذه المسرحية التي تتكرر كل صيف؟ وإلى متى ستظل المليارات تتبخر في جيوب الفاسدين بينما يعيش الناس في الظلام؟ الأكيد أن الشارع الليبي بدأ يمل من التبريرات الواهية، ويطالب بمحاسبة حقيقية للمقصرين، وخطة واضحة لإنهاء هذه المأساة التي لا تطاق.



