ليبيا تحت وطأة الصيف الحارق.. طرح الأحمال يعود بسيناريو مكرر واتهامات بالفساد وسوء الإدارة تطيح بحكومة الدبيبة
ليبيا تعود إلى عصور الظلام: طرح الأحمال يجتاح المدن ومواطنون تحت وطأة الحر والانقطاعات وسط فساد مستشرٍ في قطاع الكهرباء
ليبيا 24:
حكومة الدبيبة تواجه اتهامات بـ”الكذب والبلعطة” وسط أزمة كهرباء خانقة وتضخم غذائي قياسي وفضيحة لقاءات إسرائيلية سرية
مع أولى موجات الحر التي اجتاحت البلاد، عاد الكابوس الصيفي ليلقي بظلاله الثقيلة على حياة الليبيين، حيث عمَّت الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي معظم المدن والمناطق، في مشهد بات يتكرر سنوياً دون أي بوادر لحل جذري.
فبينما ترتفع درجات الحرارة بشكل قياسي، يجد المواطن نفسه مرغماً على مواجهة الحر والظلام في وقت واحد، في معادلة صيفية لا تتغير، يدفع فيها المواطن وحده الثمن، بينما تتبادل الحكومات الاتهامات وتستمر صفقات الفساد في نهب المال العام.
ساعات الظلام المعلنة.. وجدول يغطي ربوع البلاد
في إعلان يعكس حجم الأزمة، كشفت الشركة العامة للكهرباء عن جداول طرح الأحمال التي ستطبق اليوم وغداً ويوم الأحد على مرحلتين كاملتين، ضمن الفترة المسائية والليلية، تمتد من الساعة الواحدة ظهراً حتى الثانية بعد منتصف الليل.
وتوزعت ساعات الانقطاع لتشمل كامل التراب الليبي، حيث ستعيش طرابلس الكبرى ومناطقها الأربع (طرابلس، تاجوراء، سوق الجمعة، حي الأندلس، عين زارة، بوسليم، قصر بن غشير، العزيزية، السبيعة) ثماني ساعات من الظلام، موزعة بين مرحلتين، الأولى من الواحدة ظهراً حتى الخامسة عصراً، والثانية من التاسعة ليلاً حتى الواحدة بعد منتصف الليل.
ولا يختلف الحال في بنغازي وضواحيها، حيث سيعيش السكان سبع ساعات من الانقطاع، فيما ستعاني مصراتة والمنطقة الوسطى من ثماني ساعات، وتنال المنطقة الغربية والساحل النصيب ذاته، بينما ستعيش مدن الجبل الغربي وباطن الجبل سبع ساعات، وتواجه المنطقة الجنوبية فزان سبع ساعات مماثلة، فيما تعاني المنطقة الشرقية والجبل الأخضر ثماني ساعات كاملة.
هذا الجدول الموجع، الذي يغطي كامل ساعات النهار والليل، يكشف عن أزمة هيكلية في قطاع الكهرباء، تتفاقم عاماً بعد عام، رغم ضخ مليارات الدنانير التي تتحدث التقارير الرقابية عنها.
معاناة يومية وصراع مع الحر والمرض
في مشاهد تعكس قسوة الواقع، يعيش سكان الجنوب أسوأ أيامهم، حيث عانوا من أكثر من 340 ساعة من الانقطاع الكامل للكهرباء في بلديات العوينات وتهالة وغات والبركت، وفق ما أكده المتحدث باسم غرفة طوارئ بلدية غات، حسن عيسى.
وأوضح عيسى أن نحو 40 ألف مواطن في هذه البلديات الأربع عاشوا في ظلام دامس لأكثر من أسبوعين، مع لجوء السكان إلى وسائل بدائية لمواجهة الحر، كالوديان الأقل حرارة أو مراوح بسيطة تعمل عبر المولدات، فيما اضطرت أسر لديها مرضى وحالات حرجة تعتمد على أجهزة التنفس إلى الانتقال إلى مدن أخرى.
ولم تقتصر المعاناة على الجنوب، ففي بنغازي، المدينة ذات الثقل السياسي الأبرز في الشرق، تحدثت عضو لجنة الحوار السياسي، آمال بوقعيقيص، عن معاناة المدن الشرقية، واصفة ما يحدث بـ”غرق بنغازي في الظلام”، مشيرة إلى انقطاع الكهرباء في بعض مناطق المدينة لمدة تزيد على خمس ساعات يومياً، في وقت لا يملك فيه كثير من السكان ثمن المولدات، فضلاً عن تذبذب توافر الديزل اللازم لتشغيلها.
وفي العاصمة، اشتكى سكان بلدية تاجوراء من انقطاع الكهرباء لأيام، وما خلّفه ذلك من مشقة بسبب أداء أبنائهم امتحانات الشهادة الثانوية، وتلف الأطعمة، وسط تراجع قدرتهم الشرائية بسبب غلاء الأسعار.
وانتقد أحمد عطية، عميد بلدية عين زارة، في تصريحات إعلامية عدم رد الشركة العامة للكهرباء على استفسارات الأهالي بشأن طرح الأحمال منذ بداية الصيف، لمدة تتراوح بين 3 و7 ساعات يومياً، شرق العاصمة وجنوبها، رغم وجود مرافق حيوية ومستشفيات داخل البلدية.
بين التضخم والفقر.. المواطن يدفع الثمن مرتين
في خضم أزمة الكهرباء المتفاقمة، تنكشف أبعاد مأساوية أخرى تتمثل في تآكل القدرة الشرائية للمواطن، حيث سجلت نسبة التضخم الغذائي في ليبيا ارتفاعاً قياسياً بلغ 17.6% في مايو 2026 مقارنة بنفس الشهر من العام 2025، ما يعني أن التكلفة المعيشية زادت في سنة واحدة قرابة 20%.
هذا التضخم، المقترن بانقطاع التيار الكهربائي الذي يتلف المواد الغذائية ويدمر مخزون الأسر، يخلق واقعاً معيشياً قاسياً، خاصة في ظل غلاء أسعار المولدات وصعوبة الحصول على الوقود.
ويُقدَّر سعر المولد الصغير، الذي يشغّل الإضاءة وتكييف غرفة واحدة، بأكثر من 3500 دينار، فيما تزيد أسعار المولدات الأكبر على 10 آلاف دينار، مع محدودية البنزين والديزل.
ويباع اللتر رسمياً بنحو 0.15 دينار، مقابل قرابة دينار في السوق السوداء. وهذه الأسعار، كما يرى ناشطون، قصرت امتلاك المولدات على طبقة محدودة من السكان، خاصة في الجنوب حيث يعاني أغلبهم محدودية الدخل.
مليارات ضائعة وفساد مستشرٍ في كهرباء ليبيا
تكشف المعطيات الرقابية عن مشهد مثير للاستغراب، حيث تجاوزت مصاريف الشركة العامة للكهرباء في عهد إدارة محمد عمر المشاي حاجز 27 مليار دينار، فيما أنفقت حكومة الدبيبة منتهية الولاية حتى نهاية عام 2024 نحو 24 مليار دينار لصالح الشركة، حسب تقارير ديوان المحاسبة.
ورغم هذه الميزانيات الضخمة، يعكس الوضع الحالي تبايناً واضحاً بين حجم الإنفاق وجودة النتائج، حيث تم توريد قطع غيار ومحطات توزيع يُشتبه في تدني جودتها، حيث لا تتجاوز صلاحيتها التشغيلية ثلاث سنوات، فضلاً عن عدم التزامها بالمواصفات القياسية المعتمدة.
وتشير المعطيات إلى أن عمليات الاستيراد تمت بالتكليف المباشر عبر إدارة الشركة، وبأسعار مرتفعة بشكل لافت، مع وجود شبهات تضخيم في الفواتير وصلت إلى عدة أضعاف قيمتها الحقيقية، ما يمثل استنزافاً لأموال الدولة.
ويُضاف إلى ذلك وضوح مظاهر الفساد المالي والإداري داخل الشركة، إلى جانب تعيينات لأشخاص دون مؤهلات أو خبرات كافية، وهو ما ساهم في تدهور الأداء العام وضعف كفاءة التشغيل.
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي، هشام سالم الحاراتي، أن “معاناة الليبيين، رغم امتلاك بلادهم ثاني أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، تعكس ضعف الإدارة وعدم القدرة على إدارة الموارد”.
ويؤكد أن مطالبة الحكومة بترشيد استهلاك الوقود “أغفلت أن لجوء المواطنين إلى المولدات لم يكن ترفاً، بل نتيجة الانقطاع المتكرر للكهرباء”.
“طرح أحمال مفتعل”.. اتهامات بالابتزاز السياسي
في قراءة أعمق للأزمة، يذهب مراقبون إلى القول إن ما يحدث ليس مجرد عجز فني، بل هو “طرح أحمال مفتعل” تستخدمه شركة الكهرباء كسلاح لابتزاز الحكومات المتعاقبة.
فمنذ خمسة عشر عاماً، والحكومات تضع مليارات الأموال في هذه الشركة دون جدوى، فيما تظل الأحمال “المصطنعة” كما هي، وتتكرر الذرائع نفسها كل عام: نقص الوقود، الصيانات، العمرة. ويتساءل الناشطون: كيف يمكن أن يكون هناك عجز في الطاقة في بلد يمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا؟
ويرى متابعون أن ما يحدث قد يكون مرتبطاً بصفقات سياسية أو مالية، ربما تتعلق بصفقات مولدات أو ضريبة مفوضية اللاجئين، في إشارة إلى تعقيدات الأزمة وتشابك مصالح الأطراف المستفيدة من استمرارها.
ويشيرون إلى أن المناطق التي تعاني أكثر من غيرها هي تلك التي تفتقد إلى النفوذ السياسي، مما يعكس أبعاداً سياسية للحرمان من الخدمات الأساسية.
فضيحة اللقاءات الإسرائيلية.. وكشف زيف الادعاءات
على صعيد موازٍ، تشهد الساحة الليبية أزمة سياسية جديدة تتعلق بتسريب صور لقاءات جمعت مسؤولين في حكومة الدبيبة مع وزير خارجية إسرائيل السابق في روما، في خطوة أثارت موجة من الانتقادات الواسعة، خاصة في ظل إنكار بعض المشاركين علاقتهم باللقاء قبل أن تظهر صورهم للعلن.
وفي تعليق لاذع على هذه الفضيحة، شن المحلل السياسي سليمان البيوضي هجوماً عنيفاً على حكومة الدبيبة، واصفاً إياها بأنها “حكومة رأس مالها كذب وبلعطة ووهم”.
وأشار البيوضي إلى أن المسؤولين الليبيين ذهبوا إلى الإسرائيليين وأداروا ظهورهم، متظاهرين بأنهم يسعون لإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل والاعتراف بها كدولة، لكنهم عندما تسربت صورهم، تراجعوا وألقوا باللوم على الذكاء الاصطناعي، متظاهرين بالنزاهة والشرف.
وأكد البيوضي أن هذا التصرف يكشف أن “هدفهم ليس العلاقات مع إسرائيل كدولة، بل هدفهم الاستمرار في نهب ليبيا”
واختتم البيوضي هجومه بالقول إن “الليبيين عارفينكم فروخ من زمان”، معتذراً عن استخدام هذه الكلمة لعدم وجود أخف منها للتعبير عن واقع الحال، في إشارة إلى ما يراه تخاذلاً وانبطاحاً للخارج على حساب المصالح الوطنية.
غياب الرؤية وارتهان للماض
في تحليل للأسباب الكامنة وراء استمرار الأزمات، أرجع عضو مجلس النواب الليبي، ميلود الأسود، استمرار أزمة انقطاع الكهرباء إلى “غياب رؤية وطنية للتحول إلى الطاقات المتجددة، وعدم وجود خطط استراتيجية لاستيعاب ازدياد الطلب”، مشيراً إلى “عدم وجود دراسات علمية، إلى جانب تراجع الكفاءة في تولي المناصب بالشركة العامة للكهرباء، والفساد المتزايد، وشبهات تهريب الديزل”.
ويبدو أن الأزمة تتجاوز الجانب الفني إلى أبعاد سياسية واقتصادية معقدة، حيث يتهم منتقدون حكومة الدبيبة بإدارة الأزمات عبر ردود الأفعال لا عبر التخطيط الاستباقي، ما يبقي المواطن رهينة لمعاناة سنوية لا تنتهي.
ومع بداية كل صيف، تتكرر الوعود والتصريحات وتشكيل اللجان، لكن النتيجة تبقى ذاتها: مواطن يعيش الحر والظلام، ومصالحه معطلة، وحلول حقيقية غائبة.
في مشهد يعكس فشلاً حكومياً متراكماً وفساداً مستشرياً، يجد الليبيون أنفسهم مرة أخرى تحت وطأة صيف حارق وظلام دامس، بينما تستمر حكومة الدبيبة في نهب المال العام والانخراط في صفقات مشبوهة، في وقت يطالب فيه المواطنون بحلول جذرية ومحاسبة حقيقية، لا بتبريرات واهية ووعود كاذبة.
فالمشكلة ليست فنية بقدر ما هي أزمة إرادة وفساد، والضحية الأكبر هو المواطن الذي يدفع الثمن غالياً عاماً بعد عام.



