ليبيا

فوضى العملة.. فسادٌ في ذيل المؤشرات.. ووقودٌ بقرشٍ يغري المهربين في ليبيا

الشريف يدعو المركزي لحسم فوضى العملة المزدوجة فوراً.. غيث: لتر البنزين بـ150 درهماً والتهريب يبتلع ثروة ليبيا

ليبيا 24
مطالب بحسم فوضى العملة المزدوجة فوراً… والتهريب يبتلع ثروة ليبيا

في مشهد يعكس عمق الأزمة المؤسسية التي تعيشها البلاد في ظل حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، فتح أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي الدكتور علي الشريف، وعضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق الخبير الاقتصادي أمراجع غيث، جبهة جديدة من النقد اللاذع لأداء المؤسسة النقدية والحكومة التي تقف خلفها. تصريحات الخبراء، التي رصدتها “ليبيا 24″، تراوحت بين المطالبة بحسم فوضى العملة المزدوجة، وكشف إغراءات أسعار الوقود التي تحول التهريب إلى تجارة رابحة على حساب قوت المواطن.

فوضى العملة: دينار ورقى غرباً ومعدني شرقاً

في منشورين متطابقين كررهما على صفحته، وجه الدكتور علي الشريف نداءً مباشراً إلى مصرف ليبيا المركزي، قائلاً: “يجب على مصرف ليبيا المركزي اتخاذ قرار حاسم بشأن العملة من فئة الدينار الواحد، إما بإلزام جميع الجهات والأفراد بقبولها كعملة قانونية متداولة في جميع أنحاء ليبيا، أو سحبها من التداول وإصدار فئة موحدة جديدة”.

وأكد الشريف أنه “من غير المقبول أن توجد داخل الدولة الواحدة عملة قانونية يرفض بعض المواطنين أو الجهات التعامل بها”، مشيراً إلى أن “المقصود هنا هو الدينار الورقي المتداول في غرب ليبيا، والدينار المعدني المتداول في شرقها”.

هذا الوضع الشاذ، الذي يرسخ فعلياً انقساماً نقدياً داخل البلاد، لم تجد له حكومة الدبيبة منتهية الولاية حلاً طيلة سنوات حكمها، تاركة المواطن البسيط يدفع ثمن هذا الفشل في معاملاته اليومية.

غيث يتساءل: أين ذهبت فئة العشرين ديناراً؟

وفي تعليق بدا ظاهره بريئاً لكنه حمل في طياته اتهاماً مبطناً للمؤسسة النقدية، رد أمراجع غيث على منشور الشريف بسؤال وصفه بأنه “يخطر على باله دائماً”: “ما هي الطبعة التي تم إلغاؤها أو سحبها من فئة العشرين ديناراً، وما هي الطبعة المتداولة الآن؟”.

هذا السؤال، الذي لم يجب عليه أحد من مسؤولي المركزي أو الحكومة منتهية الولاية، يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول إدارة إصدار العملة وسحبها، والشفافية في عمليات المصرف المركزي الذي تتهمه حكومة الدبيبة باستمرار بعرقلة خططها الإنفاقية، بينما هو في الواقع يتحمل عبء إدارة اقتصاد منقسم سياسياً.

درميش يهاجم المركزي: يتقن خدمة السوق السوداء

أما المحلل الاقتصادي محمد درميش، فكان أكثر صراحة وقسوة في نقده للمصرف المركزي. قال درميش في رده على منشور الشريف: “والله البنك المركزي لا يعرف راسه من رجليه، فالح في الاعتمادات وتحديد السعر الذي يخدم مصالح السوق السوداء فقط، ولا يهمه شيء إلا هذا”.

هذا الاتهام، الذي يلمح إلى تواطؤ ضمني بين سياسات المركزي وتجار السوق الموازية، يعكس حالة من فقدان الثقة بين النخبة الاقتصادية والمؤسسة النقدية، في وقت تغيب فيه أي رؤية حكومية واضحة لمعالجة انقسام سعر الصرف.

الشريف: ليبيا في ذيل مؤشرات الفساد

وفي منشور منفصل، انتقل الشريف إلى البعد الأخلاقي للأزمة، قائلاً: “الدول تبنى بالعدل والنزاهة وتسقط بالفساد والظلم. على كل مسئول أن يضع ذلك نصب عينيه”. ثم كشف عن موقع ليبيا الكارثي على مؤشر مدركات الفساد العالمي: “للعلم أن ليبيا تحتل رقم 175 من 180 دولة”.

هذا التصنيف المخزي، الذي يشمل بالطبع حكومة الدبيبة باعتبارها القابضة على مفاصل الدولة في الغرب الليبي، يضع المسؤولية مباشرة على عاتق حكومة تواصل الإمساك بالسلطة دون تفويض انتخابي، بينما تغرق البلاد في مستنقع الفساد.

غيث: وزراء بلا استراتيجية وحوكمة غائبة

وفي سلسلة من التصريحات اللاذعة، رسم أمراجع غيث صورة قاتمة لأداء الحكومة، قائلاً: “أغلب الوزراء تفكيرهم لا يختلف عن تفكير الأمين الذي ينتظر التعليمات من القيادة، وليس له حق وضع استراتيجية إلا بما يحول إليه من مؤتمر الشعب العام”. وأضاف: “لذلك، الوزراء الحاليون لا توجد لدى أغلبهم أي فهم لمعنى الاستراتيجية والحوكمة والمساءلة والشفافية.

ما يقومون به هو تسيير العمل اليومي والتوقيع على الصرف والتعيينات”. هذا التوصيف، الذي يساوي بين عقلية وزراء حكومة ما بعد 2011 وعقلية أمناء اللجان الشعبية في العهد السابق، يمثل اتهاماً صريحاً لفريق الدبيبة بأنه لا يمتلك رؤية لإدارة الدولة، بل يكتفي بردود الفعل.

وتساءل غيث عن ظاهرة إصدار البيانات الرافضة لأي مبادرة قبل طرحها أصلاً، قائلاً: “ما هي قصة كل مجموعة تصدر بياناً ضد أي مبادرة قبل حتى أن يتم طرحها؟ هؤلاء لو حضروا صلح الحديبية مع الرسول لأصدروا بياناً ضده”.

وأضاف: “الذي يردد أنه يريد حلاً لمشكلة السلطة في ليبيا، ثم يقول لن أجلس مع فلان ولا مع الجسم الفلاني، إذاً تتفاوض مع من؟ التفاوض مع الخصوم وليس مع الأصدقاء”. هذه الكلمات، في سياقها، بدت انتقاداً مبطناً للحكومة التي ترفض التنازل عن السلطة أو الدخول في مفاوضات جادة مع خصومها.

مقارنة أسعار البنزين: فضيحة التهريب بالأرقام

وفي أبلغ رد على من يدافعون عن استمرار الدعم العيني للوقود، نشر أمراجع غيث مقارنة صادمة لأسعار لتر البنزين بين ليبيا ودول الجوار: مصر 2 دينار، السودان 4.5 دينار، النيجر 5.4 دينار، الجزائر 2.2 دينار، تونس 5.2 دينار، تشاد 5.4 دينار. أما في ليبيا، فيباع اللتر بـ150 درهماً فقط.

وسأل غيث باستنكار: “هل لا زلنا لا نفكر في إصلاح هذا الدعم؟ أليست هذه الأسعار مغرية للتهريب وطريقة سهلة للحصول على المال؟”. هذه المقارنة تكشف أن استمرار حكومة الدبيبة في سياسة الدعم العيني دون إصلاح ليس مجرد فشل إداري، بل هو تمويل مباشر لشبكات التهريب التي تنهب ثروة الليبيين، بينما تقف الحكومة متفرجة أو عاجزة.

رجل الأعمال حسني بي يدعم بالأرقام

وفي مداخلة مقتضبة، اكتفى رجل الأعمال حسني بي بالرد على منشور الشريف حول العملة برسم بياني، في إشارة إلى أن الأزمة النقدية التي تتحدث عنها النخب الاقتصادية هي نتاج سياسات فاشلة يمكن رصدها وتوثيقها بالأرقام والبيانات.

هذه المداخلة، رغم صمتها الكلامي، جاءت متسقة مع خط بي المعروف في توثيق الأزمات الليبية بلغة الحسابات والمحاكاة الرقمية.

حكومة بلا رؤية في بلد بلا عملة موحدة

تصريحات الخبراء الاقتصاديين ترسم صورة دولة تتآكل من الداخل في ظل حكومة تفتقر إلى الحد الأدنى من الرؤية أو الإرادة.

فبين عملة ورقية يرفضها الشرق وعملة معدنية يرفضها الغرب، ووزراء لا يفهمون معنى الاستراتيجية، ومصرف مركزي متهم بالتواطؤ مع السوق السوداء، وفساد يحتل المرتبة 175 عالمياً، ووقود يباع بربع قيمته الحقيقية ليغذي التهريب عبر الحدود، تقف حكومة الدبيبة عاجزة عن تقديم أي إجابة.

إنها حكومة تكتفي بإدارة اليوم بيومه، تاركة الأسئلة الكبرى عن العملة الموحدة والإصلاح الاقتصادي والحوكمة والمساءلة بلا إجابة، بينما يواصل الليبيون دفع ثمن هذا الفراغ القاتل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى