التحول الرقمي في ليبيا… من رفاهية تقنية إلى ضرورة وطنية لإنقاذ الدولة والاقتصاد
منير عصر: رقمنة الخدمات ضرورة وليست رفاهية لبناء الدولة
ليبيا 24
التحول الرقمي الليبي مفتاح لإنهاء البيروقراطية واقتصاد حديث كفء
في تطور لافت يعيد رسم ملامح العلاقة بين المواطن الليبي ومؤسسات دولته، خرج وزير الاقتصاد والصناعة الليبي السابق، منير علي عصر، بتصريح جريء عبر صفحته الشخصية على فيسبوك، اعتبر فيه أن “زمن المعاملات الورقية انتهى”، داعياً إلى تبني الحكومة الرقمية كخيار استراتيجي لا محيد عنه. ولم يكتفِ عصر بالحديث عن الجانب التقني، بل وضع أصبعه على جوهر الأزمة الإدارية المزمنة في ليبيا، مؤكداً أن “قوة الدولة لا تقاس بعدد مؤسساتها، بل بكفاءة خدماتها”، وأن المواطن لا يبحث عن مبنى حكومي ضخم، بل عن خدمة أسرع، وإجراء أوضح، وقرار ينجز في وقته.
هذا التصريح يأتي في وقت تشهد فيه ليبيا تحولاً رقمياً تدريجياً، مدعوماً بقانون المعاملات الإلكترونية رقم 6 لسنة 2022، الذي منح التوقيع الإلكتروني الحجية القانونية، وأطلق نظاماً موحداً للتجارة الخارجية يربط السجل التجاري والجمارك والموانئ إلكترونياً. غير أن المسار لا يزال محفوفاً بالتحديات التي تهدد بإفشال الحلم الرقمي، إذا لم تُعالج بجدية.
التحول من مجرد أتمتة إلى إعادة بناء الثقة
الأمر لا يتعلق فقط بمسح المستندات ضوئياً أو تركيب حواسيب في المكاتب الحكومية. كما يوضح عصر في رؤيته، فإن رقمنة الخدمات هي “مشروع لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس الكفاءة والثقة”. وهذا يعني أن التحول الرقمي يجب أن يتجاوز مرحلة الأرشفة الإلكترونية إلى إعادة هندسة الإجراءات بالكامل، حيث تنتقل المعاملات بين الإدارات إلكترونياً دون تدخل بشري، ويتم الاعتماد على التوقيع الرقمي لضمان الموثوقية، وتُفتح قنوات للمشاركة المجتمعية في صنع القرار.
وعلى المستوى الاقتصادي، يعد التحول الرقمي محركاً أساسياً لتحسين بيئة الأعمال. فكل معاملة تنجز إلكترونياً توفر وقتاً وتخفض تكلفة، وتحد من الفساد، وتزيد من الشفافية، وهو ما يجعله، بحسب تعبير عصر، “ضرورة اقتصادية وإدارية” وليس مجرد خيار تقني. ففي وقت تئن فيه الخزينة العامة من هدر الموارد، يمكن للرقمنة أن توقف نزيف الإنفاق على الطباعة والتخزين والمراسلات الورقية، وأن تحوّل الموظف الحكومي من مجرد مُدخل للبيانات إلى متخصص في تحليلها وإدارة الخدمات.
التحديات الأمنية والبنية التحتية… اختبار حقيقي
غير أن الطريق إلى الحكومة الرقمية ليس مفروشاً بالورود. فالمشروع يواجه عقبات جسيمة على الصعيدين الأمني واللوجستي، الأمر الذي يتطلب تكاتفاً وطنياً غير مسبوق. أولى هذه العقبات هي البنية التحتية للاتصالات والكهرباء، حيث لا تزال شبكات الإنترنت في العديد من المناطق الليبية تعاني من التقطع، وانقطاع التيار الكهربائي يهدد استمرارية الخدمات الرقمية في أي لحظة.
أما التحدي الأكبر، فهو الأمن السيبراني. فمع تحول كل المعاملات الحكومية إلى الفضاء الإلكتروني، تصبح بيانات المواطنين الشخصية والحساسة عرضة لخطر الاختراق والقرصنة. وهذا يتطلب بناء استراتيجية وطنية متكاملة للأمن السيبراني، تواكب أفضل المعايير الدولية، وتُعنى بتأمين مراكز البيانات، وتوفر الحماية القانونية للمتضررين من أي هجوم إلكتروني.
كما أن التكامل المؤسسي يمثل عقدة أخرى؛ إذ لا يمكن للحكومة الرقمية أن تنجح دون ربط قواعد بيانات الوزارات والهيئات المختلفة في شبكة موحدة، تتيح إنشاء “هوية رقمية موحدة” للمواطن، وتمنع تضارب المعلومات. وهذا يتطلب إرادة سياسية قوية لكسر الحواجز الإدارية التقليدية بين المؤسسات، وإلغاء الازدواجية التي تستهلك الوقت والجهد.
الخطة الوطنية… من الخدمات الأكثر استخداماً إلى الشمولية
إن ما يميز تصريح عصر عن غيره من الدعوات الرقابية هو طرحه لرؤية عملية مرحلية. فهو لا يدعو إلى قفزة فورية غير مدروسة، بل يقترح “خطة وطنية واضحة تبدأ بالخدمات الأكثر استخداماً ثم تتوسع تدريجياً”. هذا النهج يقلل من مخاطر الفشل، ويتيح اختبار الأنظمة على نطاق محدود قبل تعميمها، كما يمنح الجهات المعنية فرصة لتدريب الكوادر البشرية ونشر الوعي الرقمي بين المواطنين.
وفي هذا السياق، أكد عصر أن ليبيا تمتلك الكفاءات البشرية القادرة على تنفيذ هذا التحول، إذا توفرت الإرادة السياسية والدعم المالي اللازم. وهي نقطة محورية، إذ أن العديد من التجارب الدولية أثبتت أن التحول الرقمي لا يتوقف على شراء البرمجيات، بل على تأهيل العنصر البشري ليكون قادراً على إدارة التغيير ومواكبته.
دعوة للتحرك… الدولة الحديثة لا تقاس بعدد الأوراق
يختتم الوزير السابق تصريحه بمعادلة لافتة: “الدولة الحديثة لا تُقاس بعدد الأوراق التي تُطبع، بل بعدد الخدمات التي تصل إلى المواطن بسهولة وشفافية”. وفي هذا تأكيد على أن الهدف الأسمى من الحكومة الرقمية هو وضع المواطن في صميم العملية الإدارية، وليس فقط تحديث الأدوات التقنية.
ومن منظور أمني واجتماعي، يمكن للحكومة الرقمية أن تسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، بتقليل أسباب الاحتقان الناتجة عن البيروقراطية والفساد، وإعادة الثقة بين المواطن والدولة. كما أنها في الجانب الاقتصادي، تسهل على المستثمرين المحليين والأجانب إجراءات التأسيس والتراخيص، مما يجعل ليبيا وجهة أكثر جاذبية للاستثمار، ويعزز تنافسيتها في المنطقة.
وفي الختام، تظل الكلمة الفصل للإرادة السياسية. فكما يقول عصر، التحول الرقمي “ليس رفاهية… بل هو أحد أهم مفاتيح بناء دولة قوية واقتصاد أكثر كفاءة”. وليبيا، بكل ما تملك من إمكانات بشرية وطبيعية، قادرة على أن تكون نموذجاً رائداً في هذا المجال، إذا ما أُخذت التحديات على محمل الجد، ووُضعت خطة وطنية شاملة تضمن الانتقال التدريجي والآمن نحو المستقبل الرقمي.



