البرلمان الفرنسي يقر قانون المساعدة على الموت بضوابط مشددة
جدل واسع يرافق إقرار فرنسا للقتل الرحيم بمراجعة دستورية
ليبيا 24:
في خطوة تعيد رسم ملامح السياسة الصحية والأخلاقية في الجمهورية الخامسة، أسدلت الجمعية الوطنية الفرنسية الستار على فصول جدل دام سنوات، بإقرارها النهائي لمشروع قانون “المساعدة على الموت”، لتنضم فرنسا بذلك إلى ركب الدول الأوروبية التي تشرّع لهذا الإجراء الطبي الحساس، وإن كانت باريس قد حرصت على إحاطة النص بسياج من الضوابط القانونية والطبية التي تجعل منه استثناءً لا قاعدة، وتاركةً البت النهائي في دستوريته لمجلسها الدستوري.
إرث ماكرون بين وعود الحملة وتوازنات البرلمان
يُمثل هذا التصويت، الذي جرى بأغلبية 291 صوتاً مقابل 241، مع امتناع 29 نائباً، محطة فارقة في الولاية الثانية للرئيس إيمانويل ماكرون، الذي كان قد تعهد في عام 2022 بإطلاق “اتفاقية المواطنين” حول نهاية الحياة، والتي أوصت بعد عام من الحوارات المكثفة بإقرار “المساعدة الفعالة على الموت”.
ولم يكن الطريق إلى هذا الإقرار مفروشاً بالورود، إذ رفض مجلس الشيوخ، ذو الغالبية اليمينية، النص في ثلاث قراءات متتالية، قبل أن يلجأ الدستور إلى منح الحكومة حق إعطاء الكلمة الأخيرة للجمعية الوطنية، في مشهد عكس التوتر بين غرفتي البرلمان حول قضية تمس جوهر القيم المجتمعية.
وفي كلمة له عقب التصويت، رأى ماكرون في إقرار القانون وفاءً بالتزام قطعه أمام الفرنسيين، معرباً عن تقديره للمرضى وعائلاتهم الذين قدموا شهاداتهم المؤثرة خلال النقاشات، ومشيداً بـ”الجدية والتواضع” اللذين ميزا الحوار الوطني. غير أن هذا الوفاء بالوعد الانتخابي لم ينجُ من انتقادات حادة، إذ اعتبرت أوساط سياسية وطبية أن النص يفتقر إلى الضمانات الكافية، بينما رأى آخرون أنه تجاوز للحدود الأخلاقية التي طالما حافظت عليها العلمانية الفرنسية في موازنة حقوق الفرد مع قدسية الحياة.
شروط متراكمة ونص استثنائي بامتياز
لم يترك المشرعون الفرنسيون باب الاستفادة من القانون مفتوحاً على مصراعيه، بل أحاطوه بشروط متراكمة، لا بد من استيفائها جميعاً، لضمان عدم توسع دائرة المستفيدين. ويقتصر الحق في طلب المساعدة على الموت على البالغين الحاملين للجنسية الفرنسية أو الإقامة القانونية، المصابين بمرض خطير وغير قابل للشفاء، وصل إلى مرحلة متقدمة أو نهائية تهدد الحياة، مع اشتراط أن تكون الآلام الجسدية أو النفسية مستمرة ومستعصية على العلاج، على أن تكون هذه المعاناة مرتبطة عضوياً بالمرض، مما يستبعد حالات الاكتئاب السريري أو الاضطرابات النفسية المنفصلة عن عضوي الجسد.
ويُعد التخلي عن معيار “مدة الحياة المتوقعة” أحد أبرز التعديلات التي أدخلت على النص، بعد ضغوط من الأطباء والهيئة العليا للصحة، الذين رأوا أن تقدير الوقت المتبقي لحياة المريض يظل علماً غير دقيق، وقد يحرم المصابين بأمراض عصبية تنكسية، كالتصلب الجانبي الضموري، من حقهم في الاختيار.
ويشترط القانون أيضاً أن يكون المريض قادراً على التعبير عن إرادته بحرية ووعي، مع احتفاظه بحق العدول عن طلبه في أي لحظة، حتى لدى تنفيذ الإجراء، ما يضع المريض في موقع القرار المركزي، ويعزز مبدأ الاستقلالية الفردية الذي طالما شكل حجر الزاوية في الفلسفة الحقوقية الفرنسية.
آلية تنفيذ تجمع بين الانتحار بمساعدة الغير والقتل الرحيم الاستثنائي
في خطوة توازن بين احترام إرادة المريض وتجنب إخضاع الأطباء لمسؤوليات قانونية معقدة، اعتمد النص الانتحار بمساعدة الغير كآلية أساسية، إذ يتولى المريض بنفسه تناول المادة القاتلة بعد وصفها طبياً.
غير أن المشرعين أدركوا حالات العجز الجسدي الشديد التي قد تحول دون قدرة المريض على الحركة، فأجازوا للطبيب أو الممرض تنفيذ الإجراء نيابة عنه، وهو ما يفتح الباب أمام القتل الرحيم في نطاق ضيق، مع رفض النواب تعديلاً كان سيمنح المريض حرية اختيار الطريقة حتى لو كان قادراً جسدياً، إصراراً على جعل الفعل الشخصي للمريض هو الأصل، والمساعدة الطبية هي الاستثناء المحكوم بظروف العجز القسري.
وتسبق التنفيذ إجراءات رقابية مشددة، إذ يتعين على الطبيب المعالج دراسة الطلب، والاستعانة بطبيب آخر مختص، وعضو من الفريق العلاجي، مع إمكانية طلب رأي اختصاصي نفسي، ويُصدر قراره خلال خمسة عشر يوماً، ثم تلي ذلك مهلة تفكير لا تقل عن يومين قبل تأكيد المريض طلبه نهائياً.
وفي يوم التنفيذ، يعاود الطبيب التحقق من استمرار الرغبة، ويتعين عليه تعليق الإجراء فوراً وإبلاغ النيابة العامة حال الاشتباه بأي ضغوط مورست على المريض، في شبكة إجرائية تبدو محكمة، لكن المراقبين يرون أن فعاليتها ستظل رهن الجدية في التطبيق ورقابة القضاء.
بند حرية الضمير وإشكالية المؤسسات
أولى المشرعون عناية خاصة لموقف الطواقم الطبية، فأقروا بند “حرية الضمير” الذي يمنح الأطباء والممرضين الحق في الامتناع عن المشاركة في إجراءات المساعدة على الموت، مع إلزامهم بإحالة المريض إلى فريق آخر يقبل التنفيذ، وهو مبدأ يحمي الضمير المهني للأفراد.
غير أن النص أثار اعتراضاً كبيراً بإغفاله بنداً مماثلاً للمؤسسات الصحية ودور رعاية المسنين، ولا سيما تلك المملوكة لهيئات دينية وجمعيات خيرية، التي كانت تطالب بحقها الجماعي في رفض تطبيق القانون داخل منشآتها، محتجة بأن ذلك يتعارض مع هويتها الأخلاقية والقيمية.
وهذا الغياب شكل أحد أبرز محاور الاعتراض التي تقدم بها رئيس مجلس الشيوخ، جيرار لارشيه، الذي اعتبر، في تصريح لصحيفة “لو فيغارو”، أن الحكومة لم تقترح الضمانات الوقائية الكافية، ولا سيما في مسألة بند الضمير الخاص بالمؤسسات، محذراً من تداعيات إجبار مؤسسات ذات توجهات دينية على توفير خدمة تتناقض مع مبادئها، وهو ما قد يدفعها إلى إعادة النظر في أنشطتها أو إغلاق أبوابها، مما يهدد بتقليص العرض الصحي في مناطق بأكملها.
الرعاية التلطيفية بين الوعود الحكومية وانتقادات الممارسين
في محاولة لنزع فتيل الانتقادات التي تتهم القانون بتقديم الموت كبديل عن الحياة الكريمة، ألزم النص الطبيب بالتأكد من أن المريض يستطيع الحصول على الرعاية التلطيفية إذا رغب في ذلك، وسبق للبرلمان أن أقر قانوناً يضمن المساواة في الوصول إلى هذه الخدمات.
وتعهدت الحكومة بزيادة التمويل المخصص للرعاية التلطيفية بنسبة ستين في المائة بحلول عام 2034، بما يعادل خمسة مليارات وخمسمائة مليون يورو إضافية خلال عشر سنوات، وهو وعد طموح يعكس إدراك السلطة التنفيذية لحساسية الملف.
غير أن الجمعية الفرنسية للمرافقة والرعاية التلطيفية أعربت عن أسفها العميق لإقرار القانون، معتبرةً أنه صدر “ضد أولئك الذين سيضطرون إلى تطبيقه”، ومؤكدة أن العاملين في هذا القطاع عبّروا طوال النقاشات عن تحفظاتهم العميقة التي لم تؤخذ في الاعتبار، في إشارة إلى الخشية من تحول الرعاية التلطيفية إلى مجرد إجراء شكلي قبل التوجه نحو الموت، بدلاً من أن تكون خياراً حقيقياً للحياة بكرامة حتى اللحظة الأخيرة.
انقسام حزبي وأخلاقي يعكس شرخاً مجتمعياً عميقاً
جسّد التصويت على القانون انقساماً سياسياً عكس الشرخ المجتمعي حول القضية، إذ صوّتت أغلبية نواب اليسار والمعسكر الرئاسي لصالح النص، بينما عارضه معظم نواب اليمين واليمين المتطرف، وإن تركت جميع الكتل البرلمانية حرية التصويت لأعضائها، اعترافاً بالطابع الأخلاقي والشخصي للقضية.
وشهدت النقاشات تراجع عدد من النواب المؤيدين، في مشهد كشف عن هشاشة التحالفات عندما يتعلق الأمر بمسائل الحياة والموت.
وقد تجلت حدة الرفض في تصريحات النائب كريستوف بنتز عن حزب التجمع الوطني، الذي رأى أن “المجتمع ليس من حقه التخلي عن حماية الفئات الأكثر هشاشة”، بينما وصف النائب أوليفييه فايسا المساعدة على الموت بأنها “عملية قتل” في ممارسة لغوية حملت دلالات أخلاقية وقانونية صارمة.
وفي المقابل، دافع مؤيدو النص عن أنه يضع معايير صارمة، ويجعل اللجوء إلى المساعدة على الموت استثناءً، لا بديلاً عن الرعاية، وأنه يمنح المرضى حقاً في الاختيار كان محروماً منهم طويلاً.
موقف الكنيسة والأوساط الطبية بين الرفض والترحيب
لم تخفِ المؤسسات الدينية والطبية موقفها الرافض، إذ وصف رئيس مؤتمر أساقفة فرنسا، الكاردينال جان مارك أفلين، إقرار القانون بأنه “قطيعة خطيرة في تاريخ فرنسا”، محذراً من أنه سيغير نظرة المجتمع إلى الشيخوخة والإعاقة والمرض والهشاشة الإنسانية، وسيخلخلة الثقة بين المريض والطبيب، ويُدخل عنصراً من الريبة في العلاقة العلاجية التي تقوم على الإطالة والحفظ، لا على الإنهاء.
في المقابل، رحبت جمعية “الحق في الموت بكرامة” بالتصويت، واعتبرته يوماً تاريخياً للحرية، معتبرةً أن القانون يمنح المرضى حقاً كانوا يُحرمون منه، ويضع حداً لمعاناة لا داعي لها، في تناقض صارخ مع موقف الجمعية الفرنسية للمرافقة والرعاية التلطيفية، التي أكدت أن العاملين في القطاع عبّروا عن تحفظات عميقة لم تؤخذ في الاعتبار، ما يضع السلطة التنفيذية أمام اختبار تطبيقي صعب على الأرض.
المجلس الدستوري في مواجهة اختبار التوافق مع مبادئ الجمهورية
ورغم الإقرار النهائي، فإن مصير القانون يظل معلقاً بقرار المجلس الدستوري، الذي أحيل إليه النص بناءً على طلب رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، وبالتشاور مع رئيس الجمهورية، مراعاةً للاعتراضات المستمرة، ولا سيما في صفوف اليمين. وسيبت المجلس، خلال مهلة شهر واحد، في مدى توافق مواد القانون، لا سيما مهلة التفكير البالغة يومين، مع مبادئ الحرية الفردية والكرامة الإنسانية، وهو ما قد يؤدي إلى تعديل بعض المواد أو إسقاطها، في سيناريو من شأنه أن يغير شكل القانون النهائي.
ويُعد غياب بند الضمير الجماعي للمؤسسات الصحية ودور الرعاية أبرز الإشكاليات الدستورية التي سينظر فيها المجلس، إذ يرى معارضوه أن إجبار المؤسسات ذات التوجهات الدينية على المشاركة في إجراءات المساعدة على الموت يتعارض مع حرية المعتقد والضمير، وهو مبدأ دستوري راسخ في العلمانية الفرنسية.
كما سينظر المجلس في مدى كفاية الضمانات القانونية لمنع إساءة الاستخدام، وفي ما إذا كانت الإجراءات الرقابية كافية لحماية المرضى الأكثر هشاشة من أي ضغوط محتملة، سواء من العائلة أو المؤسسة العلاجية.
فرنسا في الخريطة الأوروبية بين التوسع والتحفظ
بانضمامها إلى هذا المسار، تصبح فرنسا أحدث دولة أوروبية تشرّع المساعدة على الموت، إلى جانب هولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ وإسبانيا وسويسرا والنمسا، مع تباين كبير في شروط التطبيق بين دولة وأخرى.
ففي حين تسمح هولندا وبلجيكا بالقتل الرحيم والانتحار بمساعدة الغير منذ عام ألفين واثنين، وتوسع نطاقهما ليشمل القاصرين في حالات محددة، تقتصر سويسرا على السماح بالانتحار بمساعدة الغير، ولا تسمح بالقتل الرحيم، بينما لا تزال البرتغال وسلوفينيا تواجهان عراقيل دستورية وسياسية، وتواصل المملكة المتحدة وإيطاليا مناقشة مشاريع تشريعية لم تحسم بعد.
وتشير تقديرات الجمعيات المختصة إلى أن الموت الرحيم بات متاحاً لنحو ثلاثمائة مليون شخص في جميع أنحاء العالم، في مؤشر على تحول ثقافي وقانوني في التعامل مع نهاية الحياة، وإن ظل هذا التوجه مثار جدل أخلاقي عميق في مجتمعات عدة. وتكتسب التجربة الفرنسية أهميتها من موقع فرنسا السياسي والثقافي في أوروبا والعالم، ومن شروطها الصارمة التي تجعلها نموذجاً وسطياً بين النموذج الهولندي المتساهل نسبياً، والنموذج البريطاني المحافظ الذي لا يزال يجرّم أي شكل من أشكال المساعدة على إنهاء الحياة.
خلاصة تنتظر القرار الدستوري
في المشهد العام، يبدو أن فرنسا قد قطعت شوطاً كبيراً في طريق تشريع المساعدة على الموت، لكنها لا تزال عند مفترق طرق دستوري، قد يعيد تشكيل ملامح القانون أو يوقفه عند حده.
ومع تصاعد الأصوات المؤيدة والمعارضة، تبقى العيون شاخصة على المجلس الدستوري، الذي سيكون له الكلمة الفصل فيما إذا كانت هذه “القطيعة الخطيرة” كما وصفها الكاردينال، أو “اليوم التاريخي للحرية” كما رأته جمعية الحق في الموت بكرامة، ستتحول إلى واقع قانوني نافذ، أم ستبقى محصورة في طيات النقاشات البرلمانية التي أرهقت الفرنسيين سنوات، وفتحت جراحاً أخلاقية عميقة في مجتمع يبحث عن توازن بين حرمة الحياة واحترام إرادة الفرد.



