علماء المناخ يؤكدون استحالة الموجات الحارة القياسية بأوروبا دون بصمة الإنسان
دراسة علمية تكشف تضاعف احتمالية الليالي الحارقة 100 مرة خلال عقدين.. وخبراء يدعون لاستراتيجيات تكيف عاجلة بالمناطق الهشة
ليبيا 24
بصمة الإنسان على جبهات الحرارة.. كيف غيّر المناخ قواعد اللعبة في أوروبا؟
إسناد علمي يقطع الشك باليقين
في تطور علمي يرسم ملامح مرحلة جديدة من تاريخ المناخ العالمي، كشفت دراسة مشتركة أجراها باحثون من جامعة ماينوث الأيرلندية، بالتعاون مع هيئة الأرصاد الجوية الأيرلندية وشبكة إسناد الطقس العالمي، عن حقيقة صادمة مفادها أن درجات الحرارة القياسية التي اجتاحت القارة الأوروبية خلال شهر مايو الماضي، والتي أسقطت أرقاماً قياسية عمرها عقود، لم تكن لتتحقق لولا التغير المناخي الناجم عن النشاط البشري.
ويأتي هذا البحث في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتزايد المخاوف من امتداد الموجات الحارة الشديدة إلى مناطق البحر المتوسط وشمال أفريقيا، بما فيها ليبيا، التي باتت على خط المواجهة الأول مع تداعيات الاحتباس الحراري.
منهجية المحاكاة بين عالمين
اعتمد الباحثون على تقنية متطورة تُعرف بـ”دراسة الإسناد”، التي تتيح مقارنة العالم الحالي – الذي ارتفعت حرارته بمقدار 1.4 درجة مئوية عن مستويات ما قبل الثورة الصناعية – مع نموذج محاكاة لعالم افتراضي أكثر برودة.
وقام الفريق العلمي بمحاكاة درجات الحرارة القصوى نهاراً والدنيا ليلاً خلال فترة ثلاثة أيام من شهر يونيو، ثم أعادوا المحاكاة ذاتها في مناخات تعود لعامي 1976 و2003، اللذين شهدا موجات حر تاريخية.
وأسفرت النتائج عن فارق مذهل: فلو ضربت الظروف الجوية نفسها التي تسببت في الموجة الحارة الأخيرة أوروبا في صيف 1976، لكانت درجات الحرارة النهارية أكثر برودة بمقدار 3.5 درجة مئوية، بينما كان الفارق في عام 2003 يبلغ درجتين مئويتين. أما درجات الحرارة الليلية، فكانت ستبدو أكثر اعتدالاً بمقدار 2.4 و1.3 درجة مئوية على التوالي.
ليالٍ حارقة بلا هوادة
وفي اكتشاف يبعث على القلق العميم، أظهرت الدراسة أن الليالي الحارة التي حرمت الملايين من النوم في القارة العجوز، باتت أكثر احتمالاً اليوم بنحو مئة مرة مقارنة بعام 2003، فيما تضاعفت احتمالية بلوغ الذروات النهارية القياسية عشرة أضعاف خلال عقدين فقط.
وتعليقاً على هذه النتائج، أوضحت الدكتورة كلير بيرجين، الباحثة بجامعة ماينوث، أن ما نشهده ليس مجرد تقلبات موسمية، بل تحولاً هيكلياً في نظام المناخ، مشددة على أن درجات الحرارة القياسية في مايو لم تكن ممكنة دون الاحتباس الحراري العالمي الناجم عن النشاطات البشرية.
ودعت في تصريحاتها إلى ضرورة الإسراع في خفض الانبعاثات الدفيئة تماشياً مع اتفاق باريس، مع الاستثمار الكثيف في تدابير التكيف للحد من آثار هذه الظواهر المتطرفة.
منصة انطلاق للظواهر المتطرفة
ويربط الخبراء هذه الحرارة الشديدة بالتغير المناخي الذي وصفوه بأنه “وفر منصة الانطلاق” لهذا الحدث، إذ قام بشحن الغلاف الجوي بحرارة إضافية، مما جعل درجات الحرارة المتطرفة أكثر كثافة مما كانت عليه في الماضي.
وهذا يعني أن البنية الأساسية للمناخ العالمي قد تغيرت بشكل جذري، وأن ما كان يُعتبر مستحيلاً قبل نصف قرن أصبح اليوم واقعاً معاشاً.
المنطقة العربية في مرمى الخطر
وفي سياق متصل، تراقب دول جنوب البحر المتوسط، وعلى رأسها ليبيا، هذه التطورات بقلق بالغ. فالمنطقة العربية تعتبر من أكثر مناطق العالم تأثراً بالتغيرات المناخية، حيث تشير النماذج إلى تزايد حدة موجات الحر وطول مدتها، مع تداعيات خطيرة على الأمن المائي والغذائي والصحي.
ويحذر خبراء المناخ من أن ما يحدث في أوروبا اليوم قد يكون نذيراً لما ستشهده منطقتنا في المستقبل القريب، خاصة مع استمرار نسق الانبعاثات الحالية. الأمر الذي يستدعي وضع استراتيجيات وطنية للتكيف، تشمل تطوير نظم الإنذار المبكر، وتحسين كفاءة استخدام المياه، وتعزيز قدرات القطاع الصحي للتعامل مع موجات الحر.
دعوات للتحرك العاجل
وفي خضم هذه المعطيات العلمية الدامغة، شدد المشاركون في الدراسة على أن الوقت قد حان لتجاوز مرحلة الإنكار والتسويف، والانتقال إلى مرحلة الفعل الجاد على المستويات كافة، من الفردية إلى المؤسسية والدولية.
فالتكلفة البشرية والاقتصادية للتقاعس ستكون فادحة، خصوصاً في المناطق الهشة التي تفتقر إلى البنى التحتية القادرة على امتصاص صدمات المناخ المتطرف.
ويبقى السؤال المطروح بقوة: هل ستكون التحذيرات العلمية كافية لحفز القادة وصناع القرار على اتخاذ خطوات جريئة، أم ستظل التقارير حبيسة الأدراج بينما ترتفع حرارة الكوكب بلا هوادة؟



