النهر الصناعي في ليبيا تحت ضغط الاعتداءات وانقطاعات الكهرباء
شريان المياه أمام مخاطر متصاعدة تهدد استدامة الإمدادات

يواجه النهر الصناعي العظيم في ليبيا ضغوطًا متزايدة تهدد استقرار منظومة إمدادات المياه، في ظل تكرار الاعتداءات على مكوناتها، والتوصيلات غير القانونية، إلى جانب انقطاعات الكهرباء التي تؤثر مباشرة في تشغيل الآبار ومحطات الضخ، بما يضع واحدًا من أهم مرافق البلاد الحيوية أمام تحديات تتجاوز الأعطال الفنية إلى أزمة تتصل بحماية المنشآت السيادية واستمرارية الخدمات الأساسية.
ومنذ تأسيسه قبل نحو أربعة عقود، يمثل النهر الصناعي أحد أكبر مشروعات نقل المياه في ليبيا، إذ يعتمد على خزانات جوفية عميقة في الصحراء، وينقل المياه عبر شبكة ضخمة من الأنابيب إلى المدن والمناطق الأكثر كثافة بالسكان في الشمال.
ويضم المشروع نحو 1300 بئر، يبلغ عمق أغلبها قرابة 500 متر، فيما تمتد شبكاته من مناطق الجنوب الشرقي والغربي باتجاه الشمال، بطاقة نقل تصل إلى نحو 6.5 مليون متر مكعب من المياه يوميًا، لتغذية مدن رئيسية بينها طرابلس والزاوية وسرت.
اعتداءات متكررة وكهرباء غير مستقرة
ويرى المحلل السياسي الليبي خالد محمد الحجازي أن النهر الصناعي لا يمكن التعامل معه باعتباره مشروعًا خدميًا فقط، وإنما يمثل عنصرًا أساسيًا في الأمن المائي والوطني للبلاد.
ويشير الحجازي إلى أن الاعتداءات التي تطال بعض مكونات المنظومة، إلى جانب التوصيلات غير القانونية وانقطاع الكهرباء، تمثل عوامل ضغط متراكمة قد تنعكس بصورة مباشرة على تدفق المياه إلى المدن والمناطق التي تعتمد على النهر.
وبحسب هذا التقييم، فإن خطورة الوضع لا ترتبط بالضرورة باحتمال انهيار المنظومة في المدى القريب، وإنما بتراكم نقاط الضعف داخل شبكة واسعة تمتد آلاف الكيلومترات، بحيث يمكن لأي خلل في الآبار أو خطوط النقل أو منظومة الطاقة أن يتحول سريعًا إلى اضطراب في إمدادات المياه.
وتكشف هذه المعطيات عن مشكلة أعمق تتعلق بضعف حماية المنشآت الحيوية، إذ إن استمرار الاعتداءات والتعديات يطرح تساؤلات حول قدرة مؤسسات الدولة على تأمين المرافق الاستراتيجية بصورة مستقرة بعيدًا عن الترتيبات الأمنية المؤقتة أو النفوذ المحلي.
ويؤكد الحجازي أن حماية النهر لا ينبغي أن تبقى مسؤولية جهاز تنفيذ وإدارة منظومة النهر الصناعي وحده، بل تحتاج إلى تنسيق مؤسسي يضم الأجهزة الأمنية والعسكرية والجهات المعنية بالكهرباء والمياه وحماية المنشآت.
أزمة الإدارة والموارد تضيف ضغطًا جديدًا
ولا تتوقف التحديات عند الاعتداءات وانقطاع الكهرباء، إذ يبرز ملف أوضاع العاملين داخل المنظومة باعتباره عاملًا إضافيًا قد يؤثر في كفاءة التشغيل.
وقال المحلل المهتم بالشأن العام في ليبيا إبراهيم اسويطي إن الجدل المتصاعد حول أوضاع النهر الصناعي، بما في ذلك شكاوى الموظفين من تدني الرواتب، قد تكون له انعكاسات على استمرارية عمليات تشغيل المنظومة وتدفق المياه إلى المدن الكبرى، ومنها طرابلس وبنغازي.
ويرى اسويطي أن النهر يحتاج إلى وضع قانوني ومؤسسي أكثر حماية، باعتباره مرفقًا استراتيجيًا لا يحتمل أن تتأثر إدارته أو عملياته بالتجاذبات السياسية والأمنية.
وتتجاوز أهمية هذا الطرح مسألة إعادة ترتيب الهيكل الإداري، إذ إن حماية النهر تتطلب معالجة متزامنة لملفات الأمن والكهرباء والتمويل والصيانة والموارد البشرية، بما يمنع انتقال المشكلات من قطاع إلى آخر والتأثير في استمرارية الإمدادات.
وفي ظل اعتماد قطاعات واسعة من السكان على مياه النهر، فإن استمرار الضغوط الحالية دون معالجة مؤسسية شاملة قد يحول الأعطال المتفرقة إلى أزمة أوسع في الأمن المائي، خصوصًا إذا تزامنت مشكلات الكهرباء مع اعتداءات على مكونات الشبكة أو تعطل عمليات الصيانة.
وبذلك، لا تبدو أزمة النهر الصناعي مجرد مشكلة تشغيلية قابلة للحل بإصلاح عطل أو تأمين موقع، بل اختبارًا لقدرة الدولة الليبية على حماية منشآتها الحيوية وإدارتها باعتبارها أصولًا وطنية تتطلب استقرارًا مؤسسيًا وأمنيًا طويل الأمد



