أزمة المركزي الليبي تكشف اختلالات أعمق في إدارة الاقتصاد
خبراء: إنقاذ الاقتصاد يتطلب وقف نزيف الموارد وتوحيد القرار المالي والنقدي

تتجاوز تداعيات استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى حدود الجدل بشأن استمرار المحافظ أو اختيار بديل له، لتكشف عن أزمة أوسع ترتبط بطبيعة إدارة الدولة وتعدد مراكز القرار المالي والسياسي والأمني، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الليبي ضغوطًا متزايدة على العملة والإنفاق العام والموارد السيادية.
ويرى المختص في التطوير المؤسسي فرج السايح أن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تنحصر في البحث عن شخصية تتولى قيادة المصرف، لأن كفاءة المحافظ، مهما بلغت، ستظل محدودة في ظل بيئة مؤسسية غير مستقرة وغياب سياسة مالية موحدة واستمرار التدخلات والضغوط على القرار النقدي.
ويؤكد السايح أن تغيير المحافظ أو الاستعانة بخبير اقتصادي دولي لن يعالج جوهر المشكلة ما لم يترافق مع إصلاح مؤسسي شامل، يشمل ضبط الإنفاق الحكومي وتوحيد مراكز القرار وإعادة هيكلة الاقتصاد الريعي، معتبرًا أن استقلالية المصرف المركزي يجب أن تعني استقلال القرار النقدي، لا عزله عن بقية مؤسسات الدولة.
المشكلة ليست في المحافظ.. بل في البيئة التي يعمل داخلها
ويطرح السايح إعادة النظر في موقع المركز السيادي لمصرف ليبيا المركزي، عبر دراسة إنشاء منطقة محايدة داخل ليبيا تستضيف الإدارة العليا ومراكز البيانات والأنظمة المالية ومنظومة المدفوعات وإدارة الاحتياطيات ومركز إدارة الأزمات والبنية السيبرانية، مع استمرار الفروع والمكاتب التشغيلية في مختلف المناطق.
ويضع هذا المقترح الأزمة في إطار أوسع، باعتباره محاولة لإعادة تصميم البيئة المؤسسية للمصرف وتقليل تعرضه للتجاذبات السياسية والأمنية، بدل الاكتفاء بمعالجة الأزمات عند وقوعها.
كما يدعو إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة الإصلاح، من خلال بناء نموذج اقتصادي وطني أكثر توازنًا، وتنسيق السياسات النقدية والمالية والتجارية، وتوحيد المالية العامة، وتعزيز الحوكمة والرقابة، والاستفادة من الخبرات الدولية إلى جانب الكفاءات الليبية.
إنقاذ الدينار يبدأ من وقف نزيف الموارد
في المقابل، يذهب الخبير الاقتصادي إدريس الشريف إلى توصيف أكثر حدة للوضع، معتبرًا أن الاقتصاد الليبي يواجه حالة طوارئ تتطلب أولًا وقف نزيف الموارد، ثم استعادة الثقة، وصولًا إلى علاج اقتصادي مستدام.
ويشير الشريف إلى ضرورة إحكام السيطرة على الإيرادات العامة، خصوصًا إيرادات النفط، ومنع استخدامها أو تسربها قبل وصولها إلى حسابات الخزانة بالمصرف المركزي، بالتوازي مع ضبط النفقات وكبح التوسع في الدين العام والتمويل بالعجز، لما لذلك من آثار مباشرة على الطلب على العملة الأجنبية والتضخم.
ويرى أن مرحلة الإنعاش تتطلب توحيد وتنسيق السياسات الاقتصادية، وتعزيز الشفافية، وضبط سوق الصرف واستخدام النقد الأجنبي، بينما يتطلب العلاج طويل الأجل تنويع مصادر الدخل وإصلاح الدعم والقطاع العام، والانتقال من اقتصاد ريعي استهلاكي إلى اقتصاد إنتاجي قادر على المنافسة.
وتكشف قراءتا السايح والشريف أن أزمة مصرف ليبيا المركزي ليست أزمة نقدية منفصلة، وإنما نتيجة لاختلالات متراكمة في المالية العامة وهيكل الاقتصاد وآليات اتخاذ القرار. ومن ثم فإن أي معالجة تركز على سعر الصرف أو تغيير المحافظ دون إصلاح هذه الاختلالات ستظل أقرب إلى إدارة أعراض الأزمة منها إلى معالجة أسبابها.
فالضغوط على الدينار، وارتفاع الأسعار، وتآكل الدخول والمدخرات، ليست بمعزل عن نمط الإنفاق العام وتعدد مراكز القرار واستمرار الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات. كما أن تعديل سعر الصرف، وفق هذه الرؤية، قد يكون إجراءً اضطراريًا في ظروف محددة، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى بديل عن إصلاح المالية العامة والانضباط الإنفاقي.
وفي المحصلة، فإن التحدي الحقيقي أمام ليبيا لا يتمثل في تحديد اسم المحافظ القادم، بقدر ما يتمثل في بناء منظومة تضمن استقلال القرار النقدي، وتوحيد السياسة المالية، وإخضاع الموارد والإنفاق لقواعد واضحة، مع وجود رقابة ومساءلة فعالة.
ويبدو أن استمرار معالجة الأزمات عبر إجراءات مؤقتة لن يكون كافيًا لوقف التدهور الاقتصادي، ما لم تتوافر إرادة سياسية قادرة على تحويل الإصلاح من شعارات إلى قرارات قابلة للتنفيذ. فاستقرار الدينار والاقتصاد الليبي لن يصنعه محافظ منفرد، وإنما دولة مؤسسات تمتلك رؤية اقتصادية موحدة، وسياسة مالية منضبطة، ومصرفًا مركزيًا مستقل القرار وقادرًا على أداء دوره بعيدًا عن التجاذبات.



