المقاتلون الأجانب في ليبيا.. احتجاج يعيد ملف المرتزقة إلى الواجهة
استمرار وجودهم يثير تساؤلات حول التمويل والمصير والقدرة على إنهاء الملف

لم يعد وجود المقاتلين السوريين في ليبيا ملفاً مرتبطاً بمرحلة الحرب التي استُقدموا خلالها إلى البلاد، بل تحول إلى قضية أمنية ومالية ممتدة، تكشفها من جديد احتجاجات محدودة في العاصمة طرابلس، وسط غياب موقف رسمي واضح بشأن مطالبهم أو مستقبل وجودهم.
وتجمع عشرات المقاتلين أمام مقر كلية ضباط الشرطة في منطقة صلاح الدين جنوب طرابلس، قبل أن ينفضوا بعد وقت قصير، من دون إعلان رسمي عن أسباب الاحتجاج أو تفاصيل المطالب المالية التي دفعتهم إلى الخروج.
احتجاج محدود.. وملف مفتوح
عودة المقاتلين إلى الشارع بعد سنوات من انتهاء المعارك تعيد طرح سؤال جوهري: لماذا استمر وجودهم في ليبيا، ومن يتحمل كلفة بقائهم؟
من مقاتلين في الحرب إلى عبء مستمر
الأخطر في القضية، وفق الرؤية السياسية والاقتصادية المطروحة، أن وجود هؤلاء لم يعد مرتبطاً بمهمة عسكرية محددة، في وقت تشير فيه تقارير أممية إلى مشاركتهم في مواجهات شهدتها طرابلس خلال مايو 2025.
ويحذر عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الليبي علي التكبالي من تحول الملف إلى أزمة متفاقمة، معتبراً أن استمرار دفع الأموال للمقاتلين الأجانب يمثل عبئاً على موارد الدولة، ويهدد بإعادة إنتاج مظاهر الفوضى المسلحة.
وتزداد خطورة المشهد في ظل غياب بيانات رسمية تكشف بوضوح حجم الإنفاق على هذه المجموعات، أو الجهات التي تتولى صرف مستحقاتها، أو الأسس التي تحدد قيمة تلك المستحقات.
فاتورة بالدولار وسط أزمة الدينار
اقتصادياً، تبدو القضية أكثر حساسية في ظل الضغوط التي يواجهها الاقتصاد الليبي وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.
ويقول الخبير الاقتصادي يوسف يخلف مسعود إن الإنفاق على المقاتلين الأجانب يمثل نفقات جارية لا تحقق قيمة مضافة للاقتصاد، فضلاً عن استنزاف العملات الأجنبية، مشيراً إلى أن تكاليف الإعاشة والوقود والملابس والمركبات والأسلحة والرعاية الصحية تضاف إلى بند الرواتب.
وتتحدث تقارير محلية سابقة عن تقاضي المقاتل نحو 2000 دولار شهرياً، من دون وجود بيانات رسمية معلنة تؤكد إجمالي ما ينفق على هذه المجموعات.
غياب الشفافية يضاعف كلفة الملف
لا تكمن المشكلة في حجم الإنفاق وحده، بل في غياب الشفافية حول مصادره وأوجهه والجهات المستفيدة منه.
فاستمرار الإنفاق على مجموعات مسلحة أجنبية في ظل عدم وجود إطار معلن ومحدد لإنهاء مهمتها يضع السلطات أمام أسئلة تتعلق بالسيادة، وإدارة المال العام، والقدرة على ضبط السلاح خارج المؤسسات الرسمية.
كما أن استمرار وجود مقاتلين أجانب يكشف أن الأزمة لم تعد مجرد إرث عسكري، بل أصبحت جزءاً من واقع أمني وسياسي أكثر تعقيداً.
ملف أمني أم أزمة إدارة؟
الاحتجاج الأخير لا يمكن النظر إليه بمعزل عن السياق الأوسع؛ فخروج المقاتلين للمطالبة بمستحقات مالية، حتى بصورة محدودة، يعكس هشاشة الترتيبات التي أبقت هذا الملف مفتوحاً طوال السنوات الماضية.
والأكثر إثارة للقلق أن استمرار هذا الوضع قد يحول المجموعات التي استُقدمت أصلاً لأدوار قتالية مؤقتة إلى عنصر دائم في المشهد الأمني، بما يحمله ذلك من مخاطر على استقرار البلاد وقدرة مؤسساتها على فرض سيادتها.
وفي المحصلة، فإن أزمة المقاتلين السوريين في ليبيا لا تتعلق فقط برواتب أو مستحقات متأخرة، وإنما تكشف كلفة استمرار ترتيبات أمنية نشأت في ظروف الحرب ولم تُغلق بانتهائها. وبين الغموض المالي وغياب الموقف الرسمي الواضح واستمرار الحضور المسلح، يبقى الملف اختباراً حقيقياً لقدرة السلطات الليبية على إنهاء إرث الحرب، واستعادة السيطرة الكاملة على القرار الأمني والإنفاق العام.



