أزمات الكهرباء والوقود تضغط على معيشة الليبيين وسط صراع النفوذ
أزمات متلاحقة تكشف توظيف الخدمات والموارد في التجاذبات السياسية والاقتصادية

تتزايد الضغوط المعيشية على الليبيين مع تصاعد أزمات الكهرباء والوقود والخدمات العامة، في وقت تتشابك فيه هذه الأزمات مع صراع أوسع على النفوذ والموارد، ما يجعل المواطن في مواجهة مباشرة مع تداعيات الانقسام السياسي والأمني.
الكهرباء.. أزمة تتجاوز حدود الخدمة
بلغت ساعات انقطاع الكهرباء مستويات قياسية ، بالتزامن مع موجة حرارة وصلت إلى 47 درجة مئوية، ما دفع مئات المواطنين إلى الاحتجاج في طرابلس ومدن أخرى غربي البلاد، قبل أن تتوسع التحركات إلى إغلاق مؤسسات حكومية ومرافق مالية وخدمية والمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية.
ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند الاحتجاجات، إذ أدى استهداف محطة الحرشة لتوليد الكهرباء في الزاوية إلى تفاقم اضطرابات الشبكة، لتدخل مناطق واسعة من البلاد في موجات متكررة من الإظلام، فيما امتدت فترات انقطاع التيار في بعض المناطق إلى نحو 20 ساعة.
النفط والوقود تحت ضغط التصعيد
في الزاوية، اتخذت الأزمة بعداً أكثر خطورة بعد استهداف خزانات مجمع المصفاة بطائرات مسيّرة ثلاث مرات، كان آخرها في 10 أغسطس، ما أدى إلى احتراق أحد الخزانات وانهياره، وتلف نحو 13 مليون لتر من الوقود، فضلاً عن أضرار واسعة في المنشآت المحيطة.
وأدى توقف الإمدادات واضطراب عمليات التوزيع إلى اصطفاف المواطنين أمام محطات الوقود، في مشهد يعكس هشاشة منظومة الإمداد وتأثر الاحتياجات اليومية بالتوترات الأمنية والصراع على إدارة الموارد.
المال العام في قلب التجاذبات
تزامنت هذه التطورات مع استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ونائبه، وسط خلافات مرتبطة بتنفيذ الاتفاق التنموي الموحد وضبط الإنفاق العام.
وتكشف هذه التطورات أن الخلاف على الموارد لم يعد محصوراً في المؤسسات السياسية، بل امتد إلى أدوات إدارة المال العام، بما يضاعف المخاطر على الاستقرار الاقتصادي ويضع قدرة المؤسسات على ضبط الإنفاق وتنفيذ السياسات المالية أمام اختبار مستمر.
الخدمات تتحول إلى أدوات نفوذ
وتشير المعطيات إلى نمط أكثر تعقيداً في إدارة الصراع الليبي، حيث لم تعد الأزمات الخدمية والاقتصادية مجرد نتائج جانبية للانقسام السياسي والأمني، بل باتت، وفق تقديرات متابعين، قابلة للتوظيف كأوراق ضغط في صراع النفوذ.
وتبرز أزمة الكهرباء مثالاً واضحاً على ذلك، في ظل الخلافات بشأن إدارة الشركة العامة للكهرباء وإمدادات الغاز والوقود اللازمة للتوليد، بالتزامن مع تغيير مجلس إدارتها بعد تصاعد الأزمة.
المواطن في دائرة الخسائر
الخطر الأبرز في هذا المسار يتمثل في انتقال كلفة الصراع من المؤسسات إلى الحياة اليومية للمواطنين. فارتفاع ساعات انقطاع الكهرباء، واضطراب توفر الوقود، وتراجع انتظام الخدمات، إلى جانب حالة عدم اليقين الاقتصادي، كلها أعباء مباشرة تتراكم على الأسر والأنشطة التجارية والخدمية.
وفي ظل استمرار الانقسام وضعف آليات المساءلة، يصبح تسييس الأزمات الخدمية أكثر كلفة، لأنه يحول الاحتياجات الأساسية إلى أدوات تفاوض ويضع استقرار المجتمع أمام ضغوط متزايدة.
صراع النفوذ يوسع كلفة الأزمة
وتعكس الأزمات المتلاحقة أن الصراع في ليبيا يتجاوز التنافس على المواقع والمؤسسات إلى التنافس على الموارد ومفاصل الاقتصاد والخدمات. ومع غياب معالجة مؤسسية مستقرة، تظل الكهرباء والوقود والإنفاق العام عرضة للتجاذبات، بينما يتحمل المواطن الجزء الأكبر من فاتورة هذا الصراع.
وتبقى معالجة الأزمة المعيشية مرتبطة بقدرة المؤسسات الليبية على تحييد الخدمات والموارد عن الصراع، وتعزيز الرقابة على الإنفاق، وضمان استمرارية المرافق الحيوية، بما يمنع تحول الأزمات اليومية إلى أدوات جديدة لإدارة النفوذ السياسي والاقتصادي.



