ليبيا

إظلام شامل يخيم على ليبيا.. ومواطنون يصرخون في وجه حكومة العجز والفساد

أرواح تزهق ولقاحات تتلف وتمور تذبل.. وصمت رسمي يفضح تقاعس السلطة المنتهية ولايتها

ليبيا 24

ليبيا تحت ظلام الانقطاع: حكومة منتهية الولاية تراهن على المماطلة بينما المواطن يدفع ثمن الفساد بالدم

معاناة يومية تتحول إلى مآسي إنسانية.. والمسؤولون غارقون في البذخ والترف

في مشهد يعكس حجم المأساة التي تعيشها ليبيا، بات الظلام رفيقاً يومياً للملايين من الليبيين، فيما تواصل حكومة عبد الحميد الدبيبة المنتهية ولايتها سياسة التهرب من المسؤولية، مكتفية بإقالات شكلية لا تلامس جوهر الأزمة، وتهدر المليارات دون أن تقدم حلولاً جذرية لشبكة كهرباء تتهاوى تحت وطأة الإهمال والفساد المستشري.

شهدت ليبيا خلال الأيام الماضية انهياراً واسعاً في الشبكة الكهربائية، تسبب في إظلام شامل طال مناطق الشرق الليبي بالكامل، وامتد إلى عدة مدن في الغرب والجنوب، في وقت تتزامن فيه هذه الأزمة مع موجات حر شديدة تفاقم معاناة المواطنين وتزيد من مخاطر تدهور الأوضاع الصحية والاقتصادية.

المشكلة ليست في الأحوال الجوية.. بل في غياب الدولة واستهتار السلطة

في الوقت الذي تحاول فيه وزارة الكهرباء التابعة للحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد تقديم تفسيرات فنية للانهيارات المتكررة، يؤكد مراقبون أن المشكلة أعمق من مجرد أعطال فنية، إنها أزمة إدارة وفساد وتقصير ممنهج في حق الشعب الليبي.

فقد كشف المحلل الاقتصادي أحمد الخميسي عن أرقام صادمة تتمثل في ارتفاع استهلاك شركة الكهرباء من وقود الديزل بنسبة 62%، دون أن تكون هناك إجابة واضحة عن مصير هذه الكميات الهائلة من الوقود، في وقت تشير تقارير أممية إلى عمليات تهريب منظمة للديزل في عرض البحر، مما يطرح علامات استفهام كبيرة حول دور المجلس الأعلى للطاقة برئاسة الدبيبة في متابعة هذه البيانات وضبطها.

وعلق الخميسي قائلاً: “الأموال العامة لا تدار بالتقديرات والوقود لا ينبغي أن يختفي بين الأرقام والموانئ والسفن دون أن يعرف أحد أين انتهى”، مشيراً إلى أن غياب الرقابة والمحاسبة يحول دون معرفة مصير المليارات التي تنفق على قطاع الكهرباء دون أي تحسن ملموس في الخدمة المقدمة للمواطن.

جرائم إنسانية تنتظر المحاكمة الدولية

وفي تصريح ناري، وصفت الإعلامية والباحثة في شؤون الأمن والهجرة الدكتورة ريم البركي ما يحدث في ملف الكهرباء بأنه “جريمة ضد الإنسانية”، مطالبة برفع الملف إلى مجلس الأمن تماماً كما هو الحال مع ملفات الاتجار بالبشر والأعضاء، ومحاكمة المسؤولين عن هذا الملف في محكمة الجنايات الدولية باعتبارهم مجرمي حرب.

وأضافت البركي في منشور عبر فيسبوك: “وصلنا للقاع، أهلنا ومستشفياتنا عايشين في الظلام وميزانية الكهرباء تنفق على غير طاعة الله”، في إشارة إلى حجم المعاناة التي يمر بها المواطن الليبي الذي بات يعيش في ظلام دامس بينما يمارس المسؤولون سياسة الترف والبذخ.

مواطنون يموتون بصمت.. والأمراض المزمنة تتفاقم

وكشفت عضو لجنة الحوار المهيكل انشراح بن طابون عن وقائع مأساوية مؤلمة عندما أكدت أن هناك حالات وفاة مسجلة لأشخاص من أصحاب الأمراض المزمنة كالقلب والضغط، نتيجة لارتفاع درجات الحرارة والانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، إلى جانب عدم توفر الوقود والمياه، ما يجعل الوضع أكثر من مأساوي على الصعيد الإنساني.

وقالت بن طابون: “لما كتبت الناس تموت راهي مهيش مبالغة، نعرف ناس من أصحاب الأمراض المزمنة ماتوا بسبب انقطاع الكهرباء”، معتبرة أن مناطق خارج طرابلس تعاني من انعدام وجود الدولة منذ عام 2011، وأن الاشتباكات المتكررة وانتشار الجريمة العابرة للحدود هي نتيجة متوقعة لهذا الفراغ المؤسسي.

وأضافت متسائلة: “الكثير يتحدث عن الديمقراطية وهو شيء محمود، ولكن هل أولوية الشعب هي الديمقراطية أم الاستقرار؟ وهل يمكن تطبيق الديمقراطية في ظل هذه الفوضى؟”، مؤكدة أن المواطن يحتاج إلى إطار قانوني ودستوري يحكم بين السلطات ويضمن له الاستقرار.

لقاحات الأطفال مهددة بالتلف.. وصمت حكومي مطبق

في تطور خطير يكشف حجم التقصير، أعلن مركز الرقابة على الأغذية والأدوية أن نحو 2000 جرعة من اللقاحات في المخازن مهددة بالتلف بسبب انقطاع التيار الكهربائي خلال الأيام الثلاثة الماضية، مؤكداً أن الظروف التشغيلية الحالية غير كافية للحفاظ على سلسلة التبريد، في ظل عدم توفير مصادر طاقة بديلة ونقص حاد في إمدادات الوقود.

ووصف المركز اللقاحات بأنها ليست مخزوناً عادياً يمكن تعويضه بسهولة، بل هي خط الدفاع الأول لحماية الأطفال والمجتمع من الأمراض المعدية، داعياً الجهات المختصة إلى التدخل الفوري لتوفير الوقود ومصادر الطاقة البديلة، محذراً من أن وصول هذه اللقاحات إلى المراكز الصحية وهي غير صالحة للاستخدام سيشكل كارثة صحية لا تحمد عقباها.

البذخ في زمن المعاناة.. رسالة مؤلمة من سلطة منفصلة عن الواقع

وفي مشهد يعكس مدى الانفصال بين المسؤولين والواقع المعيشي للمواطنين، أثارت المظاهر الاحتفالية المصاحبة لرالي العرعار غضباً واسعاً في الشارع الليبي، حيث اعتبر عضو مجلس النواب جاب الله الشيباني أن المشكلة ليست في الرالي بحد ذاته، بل في التوقيت وغياب الإحساس بمشاعر الناس.

وقال الشيباني: “الفطرة الإنسانية السليمة تأبى أن تُظهر مظاهر البذخ والترف والاحتفال الصاخب أمام شعب يعاني من الغلاء وانقطاع الخدمات وشظف العيش”، مضيفاً: “كيف بحكومة يفترض أن تشعر بمعاناة شعبها؟ كان الأجدر بحكومة الأمر الواقع أن تؤجل مثل هذه المظاهر الاحتفالية إلى وقت أفضل، وأن توجه مواردها وجهدها إلى تخفيف معاناة الليبيين”.

وتابع الشيباني: “أما إقامة مظاهر البذخ في هذا الظرف، فهي رسالة مؤلمة مفادها: أنا مش معاكم.. أنا في كوكب آخر.. أنا عايش وأنتم إلى الجحيم”، مشيراً إلى أن هذا التصرف يعكس حالة من العزلة المطلقة عن معاناة المواطنين.

مليارات تذهب للترفيه.. والمواطن يئن تحت وطأة الفقر والمرض

وفي سياق متصل، كشف محلل الشأن السياسي جمال الحاجي عن أن المليارات التي تدفع مقابل وكالات خارجية للدبيبة كانت كفيلة باستئجار سفن لتعويض النقص في الكهرباء، بدلاً من معاناة الشعب التي وصلت إلى توقف مراكز غسيل الكلى.

وقال الحاجي: “الأمر يحتاج إلى ضمير ورجولة وشجاعة لوقف نزيف الأموال على سياحة العائلات الخواص”، مضيفاً: “فممن تخشون لغلق ذلك الوكر الفاسد للترفيه والرشوة”، واصفاً المطبلين بأنهم يهدرون أموال الشعب في وقت يعاني فيه المواطن من الجوع والمرض والعوز.

انهيارات متكررة في الشرق تكشف هشاشة البنية التحتية

وبحسب المحامي والناشط الحقوقي عصام التاجوري، فقد شهد إقليم برقة ثمانية انهيارات كاملة للشبكة خلال أسابيع معدودة، كل حادثة تسببت في فقدان أكثر من 1350 ميجاوات من القدرة الكهربائية بصورة فورية، وهو ما يعكس هشاشة منظومة النقل والربط الكهربائي.

وأكد التاجوري أن عزل خط جهد فائق بقدرة 400 كيلوفولت لمنظومة الشرق خلال ظروف جوية معتدلة لا تتجاوز درجات الحرارة فيها 32 درجة مئوية، يطرح تساؤلات حول جاهزية خطوط النقل والربط وقدرتها على تحمل الأعطال والمناورات اللازمة لمنع انهيار الشبكة.

وطالب التاجوري بفتح تحقيق هندسي وإداري علني في أسباب تكرار الإظلام، وكشف أوجه إنفاق ما وصفه بـ”ميزانيات طوارئ تراكمية” بلغت نحو 90 مليار دينار، متسائلاً عن مدى انعكاس هذه الأموال على تطوير الشبكة وتحسين قدرتها على مواجهة الأعطال.

الحل في أيدي القطاع الخاص.. فمتى تتخلى الدولة عن الاحتكار؟

من جهته، أكد المحامي المختص في الاستثمار البوديري شريحة أن حل أزمة الكهرباء في ليبيا بيد القطاع الخاص، داعياً إلى إبعاد مؤسسات الدولة عن هذا الملف، في إشارة إلى فشل النهج الحكومي الحالي في معالجة الأزمة، وضرورة إفساح المجال أمام الاستثمارات الخاصة القادرة على تقديم حلول مبتكرة ومستدامة.

“دولة البلاك أوت”.. حين ينقطع الأمل قبل التيار

وفي مقال بعنوان “دولة البلاك أوت”، اعتبر الخبير الاقتصادي فوزي عمار أن مشكلة انقطاع الكهرباء في ليبيا تحولت إلى حالة عامة تعكس أزمات متراكمة في قطاعات الصحة والتعليم والمواصلات والخدمات، مشيراً إلى أن تكرار انقطاعات الكهرباء جعل الظلام جزءاً من الحياة اليومية للمواطنين.

وانتقل عمار إلى ما وصفه بـ”البلاك أوت في الصحة” منتقداً تعطل الأجهزة ومحدودية الأدوية ونقص الكوادر في بعض المستشفيات، معتبراً أن أزمة القطاع الصحي لا ترتبط بالمرض وحده، وإنما أيضاً بمشكلات الإدارة والانتظار ونقص الإمكانات.

وفي قطاع التعليم، أشار عمار إلى تحديات تتعلق بالمناهج والكتب المدرسية واكتظاظ الفصول وأوضاع المعلمين، معتبراً أن استمرار هذه الأوضاع يضعف قدرة المؤسسات التعليمية على إعداد أجيال قادرة على البحث والابتكار والمنافسة.

وخلص عمار إلى أن جوهر الأزمة لا يكمن في نقص الكهرباء أو الأدوية أو الطرق وحدها، بل في ما وصفه بـ”أزمة قرار” و”غياب التخطيط” و”ضعف المحاسبة”، منتقداً تغليب المصالح الشخصية والسياسية على بناء مؤسسات الدولة، محذراً من أن استمرار الأزمات لا يؤدي فقط إلى أضرار اقتصادية وخدمية، بل يهدد التضامن الاجتماعي ويحول المواطن إلى كيان فردي يعتمد على إمكاناته الذاتية لتوفير احتياجاته الأساسية.

واختتم عمار مقاله بالتأكيد على أن أخطر صور “البلاك أوت” ليست غياب التيار الكهربائي، وإنما “انقطاع الأمل”، داعياً إلى الانتقال من انتظار الحلول إلى العمل الجماعي وإصلاح مؤسسات الدولة ومعالجة أسباب الأزمات من جذورها.

مطالبات بمحاسبة المسؤولين وفتح تحقيق دولي

وفي تطور لافت، أعربت المؤسسة الليبية لدعم استقلال القضاء وسيادة القانون عن بالغ القلق والأسف لما يشهده المواطن الليبي من انقطاع مستمر وممنهج للتيار الكهربائي، مؤكدةً أن الحق في الحصول على الخدمات الأساسية هو حق أصيل من حقوق الإنسان المكفولة بموجب التشريعات الوطنية والعهود الدولية.

ودعت المؤسسة المستشار النائب العام إلى التدخل الفوري وفتح تحقيق شامل وشفاف للوقوف على الأسباب الحقيقية وراء هذه الانقطاعات المستمرة والممنهجة، وتحديد الجهات والأفراد المتسببين فيها، ومحاسبة كل من يثبت تورطه سواء بالتقصير أو الفساد أو الإهمال، وإحالتهم للعدالة دون استثناء.

الفصل الأخير من مأساة وطن

في هذا السياق المأساوي، يبدو أن ليبيا تمر بأحد أصعب الفترات في تاريخها الحديث، حيث يتلاشى الأمل في ظل استمرار تجاهل المسؤولين لمعاناة المواطنين، وانشغالهم بمظاهر البذخ والترف، في وقت يحتاج فيه الشعب إلى حلول جذرية لمشكلاته المتفاقمة.

ويبقى السؤال الأهم: متى تدرك السلطة المنتهية ولايتها أن بقاءها مرتبط باستجابة مطالب الشعب المشروعة، وأن استمرار سياسة التهرب والتجاهل لن تؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان والغضب الشعبي الذي قد ينفجر في أي لحظة؟

فالمواطن الليبي الذي يدفع ثمن الفساد والإهمال من صحته وحياته ومستقبل أبنائه، لن يظل صامتاً إلى الأبد، واليوم الذي يتحرك فيه الشعب للمطالبة بحقوقه المسلوبة، سيكون يوماً عصيباً على كل من تسبب في هذا الواقع المأساوي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى