“كهرباء بلا ضوء وفواتير بلا خدمة ومليارات تتبخر في الظلام.. ليبيا تواجه انهياراً ثلاثياً يضع المواطن في مواجهة دولة غائبة”
مليارات المخصصات الشخصية تختفي في السوق الموازية.. وحكومة الدبيبة تتحدث عن فائض وهمي في الميزان التجاري

ليبيا 24
كهرباء بلا ضوء وفواتير بلا خدمة.. شركة الكهرباء تواصل “السرقة بموافقة” المواطن تحت غطاء الفواتير الشهرية
في مشهد يعكس حجم المأساة التي يعيشها المواطن الليبي، تتصدر وسائل التواصل الاجتماعي صورة رجل عجوز يجلس في منزله المظلم تحت حرارة أربعين درجة مئوية، وبيده فاتورة الكهرباء الشهرية التي خصمت من حسابه المصرفي كاملة رغم انقطاع التيار عن منزله لأكثر من نصف الشهر.
لم تكن هذه الصورة استثناء بل أصبحت قاعدة في صيف 2026 حيث تحولت خدمة الكهرباء من حق أساسي إلى سلعة يدفع المواطن ثمنها دون أن يحصل عليها، في ما وصفه عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق امراجع غيث بـ”السرقة بموافقتك”.
ففي منشور لاذع، فضح غيث ما وصفه بـ”قلب الموازين” في شركة الكهرباء التي تستمر في خصم قيمة الاستهلاك المقدر بالكامل رغم انقطاع الخدمة بنسبة عشرين بالمئة.
وتساءل ساخراً: “من حسن معاملة الزباين أن تطلبوا من المصارف أن توقف الخصم طيلة شهر سبتمبر كتعويض للمواطنين، وإعلان ذلك بشكل رسمي؟”، متسائلاً إن كانت شركة الكهرباء ستقتدي بشركات السيارات العالمية التي تستدعي السيارات المعيبة لإصلاحها مجاناً مهما كلفها ذلك. لكنه لم يجد جواباً، لأنه كما قال: “مثل هذه الأمور لم تخطر ولم تمر على شركة الكهرباء الموقرة”.
وهنا يطرح السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف لشركة تقدم خدمة عامة أن تتحول إلى أداة لنهب جيوب المواطنين بموافقة ضمنية من المؤسسات الرقابية؟ ولماذا لا يتحرك مصرف ليبيا المركزي لإيقاف هذه الخصومات غير القانونية، وهو الذي كان غيث واحداً من أبرز مسؤوليه السابقين؟
الإجابة، كما سيرد بها غيث في سلسلة تساؤلاته، تكمن في دائرة مفرغة من إلقاء اللوم بين المؤسسات، حيث كل طرف يحيل المسؤولية إلى الآخر، والمواطن في النهاية هو الضحية الأبدية لهذا التخاذل المؤسسي.
دائرة اللوم المفرغة.. من شركة الكهرباء إلى برلمان “معرقل الميزانية”
في حوار افتراضي ساخر، يكشف غيث عن الهشاشة المؤسسية التي تعصف بالدولة، حين يسأل شركة الكهرباء عن سبب الانقطاع، فترد: “الحكومة لم تعطنا ميزانية”. ثم يسأل الحكومة: “لماذا لم تعطوهم ميزانية؟”، فتجيبه: “المصرف المركزي قال إيرادات النفط لا تحول كلها من المؤسسة، فهناك عجز في الموارد”.
وعندما يسأل المؤسسة الوطنية للنفط: “لماذا لا يتم تحويل إيرادات النفط بالكامل؟”، تجيبه: “الحكومة لم تخصص مبالغ لاستيراد المحروقات، لهذا نضطر لتمويلها بالخصم من إيرادات النفط”.
وعندما يعود للحكومة: “لماذا لم تخصصي مبالغ لاستيراد المحروقات؟”، ترد: “البرلمان معرقل الموافقة على الميزانية”. وعندما يسأل البرلمان: “لماذا تعرقل اعتماد الميزانية؟”، يأتيه الجواب الحاسم: “لأن حكومة الدبيبة منتهية الولاية التي لها حق التوقيع على حسابات الإنفاق منتهية الولاية، وننتظر الانتخابات لحكومة عندها ولاية جديدة”.
هنا تتجلى المفارقة الكبرى: حكومة يعرف الجميع أنها منتهية الولاية، ومع ذلك تواصل الإنفاق والخصم والمطالبة بالميزانية، في تناقض صارخ مع أبسط مبادئ الشرعية الدستورية.
وبرلمان يعرف أن الحكومة منتهية الولاية، ومع ذلك يمتنع عن إقرار الميزانية، فيترك البلاد في فراغ تشريعي ومالي يغذي الفساد ويهدر المال العام. وشركة الكهرباء تبقى بين هذا وذاك، تخصم فواتيرها من حسابات المواطنين دون خجل، بينما لا تقدم الخدمة التي يدفعون من أجلها.
وما يزيد الطين بلة هو ما كشف عنه غيث من أن وزير الاقتصاد نسب إليه تصريح عن وجود فائض في الميزان التجاري لسنة 2025، متسائلاً بحق: “أين تذهب المخصصات الشخصية التي تبلغ حوالي ثمانية مليارات دولار في سنة 2025؟”، مشيراً إلى أن هذه المخصصات، التي تمنح للمواطنين عبر المصرف المركزي، لا تدخل في حسابات الواردات الرسمية، بل تذهب إلى السوق الموازية حيث يستورد بها صغار التجار بضائعهم، في تناقض مع الميزان التجاري الظاهري.
ويأتي تعليق الدكتور عطية الفيتوري ليوضح أن “القراءة الصحيحة لتدفقات العملة الأجنبية للخارج لا تظهر فقط في الميزان التجاري، وإنما تظهر في حساب العمليات الجارية المكون من أربعة حسابات الذي ربما يشير إلى وجود عجز به”.
ويشير الفيتوري إلى أن البيانات الرسمية لا تشير للنشاطات الاقتصادية خارج السوق الرسمية، وهي مشكلة جوهرية في ليبيا حيث جزء كبير من النشاط الاقتصادي يفلت من التقارير الرسمية، مؤكداً أن “العلاوة المدفوعة للتجار الصغار قد لا يستعملونها في الاستيراد والمصرف المركزي ربما يسهلها في حساب الدخل الأولي أو الثانوي”، مما يعني أن حساب العمليات الجارية قد يظهر عجزاً وليس فائضاً.
ويرد غيث على الفيتوري متفقاً معه في الجوهر، لكنه يستدرك: “هل من الممكن أن نغفل استيراد السلع عن طريق السوق السوداء باستخدام المخصصات الشخصية التي أصلاً مصدرها المصرف المركزي، كما أغفلها التصريح المنسوب إلى وزير الاقتصاد؟”.
وفي هذا السؤال، يكشف غيث عن حجم التجارة الموازية التي تستنزف العملة الصعبة وتغذي السوق السوداء، وتجعل من المخصصات الشخصية أداة لتهريب رأس المال أكثر من كونها دعماً للمواطن.
من جهته، يوضح الخبير الاقتصادي إدريس الشريف أن “بيانات التجارة السلعية تعتمد أساساً على بيانات مصلحة الجمارك، فالصادرات تسجل عند خروج السلع، والواردات تسجل عند دخولها، والميزان التجاري هو الفرق بينهما”.
لكنه يترك المجال مفتوحاً لاستنتاج أن الفائض المعلن ربما يكون مضللاً إذا لم تؤخذ بالاعتبار التدفقات غير الرسمية، وهو ما يلتقي مع تحليل غيث والفيتوري حول حجم الاقتصاد الموازي في ليبيا.
مشكلة جوازات السفر.. خطأ إداري يصنعه المسؤولون ويعاني منه المواطن
بعيداً عن الكهرباء والميزان التجاري، لكن في صميم معاناة المواطن اليومية، يطرح الشريف قضية إنسانية تعكس حجم الفوضى الإدارية التي تنتجها مؤسسات الدولة. ففي منشور موجه إلى وزير الداخلية، يكشف الشريف عن مشكلة يعاني منها عشرات الآلاف من الليبيين، بينهم كبار سن ومرضى وطلبة وخريجون، تتعلق باختلاف صيغة اللقب في جوازات السفر.
ويسرد الشريف القصة باختصار: في عهد النظام السابق، جرى استبدال اللقب أو القبيلة في خانة “اللقب” بجواز السفر بالاسم الرابع (اسم والد الجد)، وصدرت آلاف الجوازات بهذه الصيغة.
وفي السنة الأخيرة، اشترطت مصلحة الجوازات تطابق لقب طالب الجواز وهو الاسم الرابع مع لقب الأب وهو اسمه الرابع عند إصدار جواز جديد.
والمشكلة أن هذين الاسمين مختلفان بطبيعتهما، فلا يمكن أن يتطابق اسم الجد الرابع مع اسم الأب الرابع. وفي هذا الشرط المستحيل، يجد المواطن نفسه عالقاً بين مصلحة الجوازات ومصلحة الأحوال المدنية، دون حل يلوح في الأفق.
ويتساءل الشريف بحق: “لماذا يُحمَّل المواطن تبعات أخطاء وتغييرات إدارية صدرت عن مؤسسات الدولة نفسها؟”، مشيراً إلى أن القانون الليبي للرقم الوطني ينص أصلاً على قاعدة بيانات تتضمن الاسم الرباعي والرقم الوطني والصورة، إضافة إلى البصمات العشر وبصمة العين والتوقيع، فلماذا لا يكون الحل في تثبيت هوية المواطن بالرقم الوطني والبيانات البيومترية وربط جميع وثائقه بهذه الهوية، بدلاً من جعل اختلاف صيغة اللقب سببا لتعطيل حياته؟
ويقدم الشريف أمثلة من دول سبقتنا في هذا الاتجاه، كالأردن التي تعتمد البصمة في إجراءات الجوازات وأنشأت قاعدة بيانات بيومترية تشمل بصمات الأصابع وبصمة العين.
ويقترح حلاً واضحاً: اعتماد الرقم الوطني كمعرف أساسي، ومطابقة الهوية بالبصمة وبصمة العين والصورة، والسماح بإصدار الجواز عند ثبوت تطابق الهوية حتى لو اختلفت صيغة اللقب بين الوثائق القديمة والجديدة، مع وضع آلية خاصة لكبار السن والمرضى ومن توفي آباؤهم، وعدم إلزام المواطن بتغيير شهاداته ووثائقه القديمة لمجرد تصحيح خطأ إداري في وثيقة لاحقة.
ويختتم الشريف بسؤال يدل على عمق المأساة: “إذا كانت بصمة المواطن وعينه ورقمه الوطني لا تكفي لإثبات أنه هو، فما الذي يمكن أن يثبت ذلك؟”، محملاً وزير الداخلية مسؤولية حل هذه المشكلة التي صنعتها الدولة، وليس المواطن، واصفاً إياها بأنها “ليست مشكلة مواطنين فرادى، وإنما مشكلة إدارية صنعتها الدولة، والدولة مطالبة بحلها، ولا يجوز أن يبقى المواطن أسيراً لاختلاف خانة في جواز سفر وتتعطل مصالحه الحياتية كلها”.
غياب الناطقين الرسميين.. حين يتحول الصمت إلى تهمة
في منشور آخر يحمل عنواناً استفهامياً حاداً يتساءل الشريف: “أين اختفى الناطق الرسمي؟”، مستغرباً من خوف المسؤولين من مواجهة الرأي العام. ويضرب مثالاً بدول تحترم مواطنيها، حيث عندما تقع أحداث تمس الأمن أو الاقتصاد يخرج المسؤول ليشرح: ماذا حدث، لماذا حدث، من المسؤول، وما الذي ستفعله الدولة.
لكن عندنا في ليبيا، كما يقول الشريف، “أحداث أمنية خطيرة تهز البلاد، واختلالات اقتصادية كبرى وضغوطات تدفع محافظ المصرف المركزي لتقديم الاستقالة دون توضيح الأسباب، ثم صمت رسمي مطبق”.
ويتساءل الشريف بحق: أين الناطق الرسمي باسم الحكومة أو الحكومتين؟ أين المتحدث باسم مجلس النواب؟ أين المتحدث باسم المصرف المركزي؟ ويؤكد أنه لم نسمع عن اجتماعات رسمية تتواصل انعقادها حول هذه القضايا الخطيرة، لأن “المسؤولين للأسف تخلوا حتى عن وظيفة التواصل وشرح الذي يحدث لمواطنيهم”.
ويرى أن المشكلة لم تقتصر على غياب إرادة وضع الحلول، بل تجاوزتها إلى التعتيم على البيانات والمعلومات وتعمد ترك الناس فريسة للشائعات والتأويلات، وكأن المسؤول لا يرى في الرأي العام طرفاً يستحق أن يخاطب ويحترم.
ويؤكد الشريف أن “المسؤول الذي يخشى مواجهة الناس لا يستطيع أن يبني ثقة الناس”، مشيراً إلى أن “الناس لا تريد تبريرات ولا بيانات إنشائية، تريد حقيقة وتفسيراً ومسؤولاً يملك الشجاعة ليقول لهم ماذا يحدث كحد أدنى”.
ويأتي رد امراجع غيث على هذا المنشور ليكمل الصورة: “لأن الدولة تدار بعقلية النعيم الأرضي ولا توجد فيها مشاكل، وأنه من العيب الحديث عن أي مشكلة، لازالت العقلية لا تفهم معنى الشفافية وحق المواطن في المعرفة وحقه حتى في الاطلاع المباشر”.
بينما يضيف الدكتور عطية الفيتوري تعليقاً جوهرياً: “إعلان البيانات والأرقام قد تدينهم وتعرضهم لانتقادات لا يستطيعون دفعها، وبالتالي هم يرون أنه من الأفضل لهم عدم إعلان أي شيء، كل شيء مخفي في الظلام”.
ويختتم الخبير الاقتصادي ميلاد الحويو هذا النقاش برؤية عملية، مشيراً إلى أن “قول المسؤول: لا نملك الإجابة الكاملة الآن ولدينا فريق يعمل على التحقيق، أرحم بكثير وأكثر احتراماً لعقول الناس من الصمت التام أو إطلاق تصريحات متناقضة تتراجع عنها الدولة بعد ساعات”، مؤكداً أن “شفافية التواصل في الأزمات ليست رفاهية، بل هي الخط الأول لحماية السلم الأهلي واستعادة ثقة المواطن في مؤسساته”.
الخلاصة.. دولة تدار بلا مساءلة وشعب يدفع الثمن
ما يجمع بين هذه الملفات المتفرقة – من كهرباء لا تصل وفواتير تخصم، إلى ميزان تجاري وهمي ومخصصات شخصية تختفي في السوق الموازية، إلى جوازات سفر تعطل حياة المواطنين، إلى صمت رسمي مطبق في وجه الأزمات – هو غياب المساءلة وغياب الحوكمة وغياب الإرادة السياسية لوضع حد لهذا العبث المؤسسي.
فحكومة الدبيبة، التي يعرف الجميع أنها منتهية الولاية، تواصل سياساتها وكأنها في بداية عهدها، والبرلمان يواصل تعطيل الميزانية وكأنه ينتظر معجزة، والمؤسسات السيادية تواصل تبادل الاتهامات وكأن المواطن مجرد متفرج على مسرحية هزلية.
وفي خضم هذا كله، يظل المواطن الليبي وحيداً في مواجهة انقطاع الكهرباء، وخصم الفواتير، وتعطل جواز سفره، وضياع مدخراته في موجة تضخم لا تعرف حدوداً.
إن ما يحدث في ليبيا اليوم ليس مجرد أزمات عابرة، بل هو انهيار منهجي لدولة تخلت عن أبسط واجباتها تجاه مواطنيها، واستسلمت لعقلية “النعيم الأرضي” التي يصفها غيث، حيث لا مشاكل في البلاد، وكل شيء على ما يرام، بينما يعاني الناس في صمت. وهذا الصمت، كما قال الحويو، هو الخطر الحقيقي، لأنه لا يحمي السلم الأهلي، بل يغذي الاحتقان ويضاعف الألم.
لقد آن الأوان أن تخرج الدولة من شرنقة التعتيم وأن تتحمل المؤسسات مسؤولياتها، وأن يدرك المسؤولون أن الشفافية ليست ترفاً، وأن المواطن ليس مجرد رقم في فاتورة أو ملف في جوازات، بل هو صاحب الحق الأسمى في معرفة ما يحدث، وفي الحصول على الخدمات التي يدفع ثمنها، وفي العيش بكرامة في بلد يملك كل مقومات الرفاه، لكنه يفتقر إلى أبسط مقومات الحوكمة الرشيدة.



