ليبيا

التقشف يبدأ من القصور.. خفض الرواتب والامتيازات لحماية أموال الليبيين

السفير عيسى يحدد سقف أربعة آلاف دينار لمرتبات النخبة الحاكمة

ليبيا 24

أزمة المال العام في ليبيا.. عيسى يطلق دعوة تقشف غير مسبوقة ويضع النخبة الحاكمة أمام اختبار المسؤولية

دعوة صريحة لإنقاذ ما تبقى من مقدرات الشعب

في خطوة تعكس تنامي حالة الاستياء الشعبي من استنزاف المال العام، خرج الدبلوماسي الليبي الأسبق عادل عيسى بتصريح ناري حمل في طياته ما لم تجرؤ على البوح به سواه من المسؤولين السابقين والحاليين، داعيا إلى تبني إجراءات تقشفية شاملة لمدة لا تقل عن عامين تبدأ من مؤسسات الدولة وأصحاب المناصب العليا قبل أن تصل إلى المواطن البسيط.

وجاءت دعوته في توقيت بالغ الحساسية، إذ يعاني الاقتصاد الليبي من تداعيات الانقسام السياسي المزمن وتراجع قيمة العملة المحلية واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، في وقت تواصل فيه النخبة الحاكمة نهجا إنفاقيا منفلتا يهدد ما تبقى من احتياطيات الدولة.

خفض المرتبات والمزايا.. إجراءات لا تحتمل التأجيل

طالب السفير الأسبق بخفض مرتبات ومزايا شاغلي المناصب العليا في الأجهزة التشريعية والرقابية ومجلس الدولة والحكومة والمؤسسات والشركات الحكومية والمالية، مؤكدا على ضرورة مراجعة المكافآت والامتيازات التي تمنح دون مبرر.

وذهب إلى أبعد من ذلك بوضع سقف محدد للمرتبات لا يتجاوز أربعة آلاف دينار لأي نائب أو وزير أو مسؤول أو موظف، داعيا إلى مراجعة شاملة للعضويات والامتيازات المالية. وتأتي هذه المطالب في ظل إنفاق حكومي متضخم بلغ إجماليه خلال شهري يناير وفبراير من العام الجاري نحو 6.5 مليار دينار، خصص منها 5.8 مليار لمرتبات الموظفين، وهو ما يكشف عن حجم الكتلة الوظيفية الهائلة التي أثقلت كاهل الخزانة العامة دون مردود تنموي يلمسه المواطن.

وقف التوسع الإداري ومراجعة التعيينات الحكومية

لم تقتصر دعوة عيسى على الجانب المالي، بل تجاوزته إلى ضرورة إعادة النظر بجدية في التعيينات الحكومية ووقف التوسع غير الضروري في الجهاز الإداري للدولة، في إشارة واضحة إلى سياسات التوظيف العشوائي التي اتبعتها حكومة الدبيبة منذ توليها السلطة، والتي أدت إلى تضخم هائل في الملاك الوظيفي للدولة دون معايير كفاءة أو حاجة فعلية.

ويأتي هذا الطلب متزامنا مع قرارات حكومية حديثة بحظر التعيينات والتعاقدات واستحداث الوظائف، وهو ما يؤشر إلى أن الجهات الرسمية بدأت تدرك – وإن متأخرة – حجم الكارثة الإدارية التي أوصلت البلاد إليها سنوات من الفساد والمحسوبية.

حماية احتياطيات الدولة من العملة الصعبة والذهب

أكد الدبلوماسي الأسبق على ضرورة تبني سياسات مالية صارمة تحافظ على احتياطيات الدولة من العملات الأجنبية والذهب، في وقت تصل فيه احتياطيات النقد الأجنبي إلى نحو 98.8 مليار دولار، بينما يبلغ احتياطي الذهب 146.65 طنا تقدر قيمته بأكثر من 24 مليار دولار.

غير أن هذه الثروات الوطنية تواجه خطر النهب المنظم عبر سياسات الإنفاق غير الرشيد، فضلا عن استمرار الاعتماد على السحب من الاحتياطيات، وهو ما يهدد مستقبل الأجيال القادمة إن لم تتخذ إجراءات جريئة لوقف هذا النزيف.

المواطن الليبي ليس كيس نقد لسنوات سوء الإدارة

في رسالة واضحة المعالم، شدد عيسى على أن المواطن الليبي لا ينبغي أن يتحمل فاتورة سنوات من سوء الإدارة والإنفاق غير المنضبط، معتبرا أن إجراءات التقشف يجب أن تبدأ من أصحاب القرار ومؤسسات الدولة قبل أن تطال المواطن البسيط. وهي رسالة تضع النخبة الحاكمة أمام مسؤولياتها التاريخية، بعد أن أرهقت كاهل الليبيين بسياسات آنية أغرقتهم في أزمات معيشية خانقة، بينما انغمس المسؤولون في بحبوحة مالية لا تتناسب مع واقع البلد المأزوم.

المرحلة لا تحتمل المزيد من التأجيل

وصف الدبلوماسي الأسبق المرحلة الراهنة بأنها “لا تحتمل المزيد من التأجيل”، داعيا إلى مواجهة الأزمة بقرارات وصفها بالعادلة والشجاعة، محذرا من أن استمرار التأخير قد يؤدي إلى تحمل الجميع كلفة أكبر مستقبلا.

واختتم تصريحه بتأكيد أن “التقشف ليس شعارا، بل مسؤولية وطنية”، في كلمة موجزة لكنها تحمل في طياتها إدانة صريحة لمن يحولون قضايا الوطن إلى مجرد خطب رنانة دون أفعال.

قراءة في الموقف: هل يستجيب الدبيبة؟

تبقى علامة الاستفهام الأكبر معلقة حول مدى استجابة حكومة الدبيبة لهذه الدعوات، خصوصا أن رئيس الوزراء لم يسبق أن أظهر أي استعداد للتفريط في امتيازات النخبة الحاكمة أو إعادة هيكلة الجهاز الإداري المتضخم الذي يشكل قاعدة دعمه الأساسية.

غير أن ضغط الشارع الليبي المكلوم، إلى جانب التحذيرات الدولية من تآكل الاحتياطيات، قد يفرضان على الحكومة إعادة حساباتها، وإلا فإن البلاد مقبلة على أزمة مالية واقتصادية قد تفوق ما شهدته خلال سنوات الصراع الماضية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى