غير مصنف

معركة النخب تشعل الظلام في ليبيا.. والمواطن يدفع الثمن بين أزمة كهرباء وصراع على النقد

المركزي الليبي في مهب الريح.. انقسام مؤسسي وصراع على الشرعية يهددان بانهيار العملة ويمنحان النخب فرصة لنهب الاحتياطيات

ليبيا 24

أزمة الكهرباء والنقود في ليبيا: حين يصبح المواطن رهينة صراعات النخب وشبكات الريع

في مشهد يعكس حجم المأساة التي يعيشها الليبيون، يتكشف النقاب عن حقيقة مريرة: أزمتا الكهرباء وسعر الصرف ليستا وليدتي ظروف قاهرة، بل نتاج طبيعي لإدارة فاسدة ونماذج اقتصادية ريعية صممت لإثراء النخب المتصارعة على حساب دماء المواطن وحياته اليومية.

كهرباء بلا ضوء.. وطن بلا دولة

في وقت تتساقط فيه درجة الحرارة لتهبط إلى مستويات قياسية، أو ترتفع لتضرب الأرقام القياسية في الصيف، يبقى الليبيون في مواجهة مريرة مع انقطاعات الكهرباء التي قد تصل إلى تسع ساعات متواصلة، كما روى المواطنون عبر منصات التواصل. ولكن خلف هذا الحرمان اليومي، يقبع فساد هيكلي متجذر، يحول قطاع الكهرباء من خدمة أساسية إلى “صفقة توريد مربحة في زمن الأزمات”، على حد تعبير الخبير الاقتصادي أيوب الفارسي.

ففي نقاش علني غير مسبوق، كشف نخبة من الخبراء الاقتصاديين الليبيين عن شبكة معقدة من المصالح تحكم قطاع الكهرباء، وتجعل من إصلاحه مستحيلاً في ظل استمرار الانقسام السياسي.

ويرى الفارسي، عضو لجنة السياسة النقدية بالمصرف المركزي، أن الحل يبدأ بـ”تفكيك شبكات المصالح” عبر إصلاح جذري يقوم على أربعة محاور: تسعير تصاعدي يحد من الهدر، وفصل أنشطة التوليد والنقل والتوزيع لكسر الاحتكار، وإعادة توجيه القطاع الخاص نحو الاستثمار الإنتاجي لا الوساطة الريعية، وأخيراً حوكمة شفافة لسلاسل الإمداد.

بين الإصلاح المطلوب والواقع المستحيل

غير أن رجل الأعمال حسني بي، يرى أن الطريق إلى الإصلاح يمر عبر بوابة مختلفة، وهي تفعيل القانون القائم أولاً. فالقانون رقم 17 لسنة 1984 أنشأ الشركة العامة للكهرباء ككيان مستقل مالياً، لكنها ظلت “امتداداً للميزانية العامة”، مما ألغى أي حافز للكفاءة.

ويضيف بي أن أي إصلاح للتسعير يجب أن ينتقل من “دعم السلعة إلى دعم المواطن” عبر تحويلات نقدية مباشرة، وأن الأولوية يجب أن تكون لتعظيم استخدام الغاز في محطات الدورة المركبة، لأن تكلفة تشغيل المحطات تمثل 90% من التكلفة الإجمالية، والغاز أرخص بكثير من الديزل.

لكن الخبير الاقتصادي عبداللطيف طلوبة يقدم اعتراضاً جوهرياً، محذراً من أن “أي محاولة للنظر في السعر تعني رفع التعريفة، والليبيين متفقون على حرمة رفع التعريفة مهما كانت الأسباب”.

ويرى أن الحديث عن الحوكمة دون تعميمها على كل القطاعات لن يجدي نفعاً، متسائلاً عن جدوى فصل الاستهلاك المنزلي عن غيره في ظل هيمنة الاستهلاك البشري.

هنا، يرد الفارسي موضحاً أن الهدف ليس رفع التكلفة على المواطن، بل تغيير سلوكه الاستهلاكي المسرف، مشيراً إلى أن المواطن نفسه عندما يسافر للخارج يغلق السخانات والمكيفات خوفاً من الفاتورة، بينما في ليبيا يتركها تعمل حتى في منزل خالٍ من أهله.

وبهذا، يمكن دفع نفس التكلفة مع تقنين الاستعمال، مما يوفر مبالغ طائلة تهدر الآن بسبب غياب الجباية الفعلية.

السياسة النقدية في مهب الريح

أما على الجبهة النقدية، فالمشهد لا يقل كارثية. ففي سلسلة من المنشورات، كشف الفارسي عن واقع السياسة النقدية في ليبيا، واصفاً إياها بأنها “معركة لدرء الأسوأ لا لصنع المثالية”.

وأشار إلى أن المصرف المركزي يعمل في بيئة مكبلة تشريعياً، حيث يحظر القانون رقم 1 لسنة 2013 المعاملات الربوية، مما يشل أدوات السياسة النقدية التقليدية كرفع أسعار الفائدة.

ومع اعتماد الاقتصاد على النفط بنسبة تفوق 90%، والانقسام المؤسسي، وجد المركزي نفسه مضطراً لاستخدام أدوات استثنائية لمنع انهيار كامل للعملة، وضخ منظم للنقد الأجنبي لتجنب “الهلع السلوكي” الذي كان سيرفع سعر الصرف الموازي إلى مستويات لا يمكن السيطرة عليها.

غير أن حسني بي يبدي تحفظاً جوهرياً على هذا الطرح، متسائلاً عن العلاقة بين خلق الدينار وتراكم الأصول الدولارية. ويشير إلى أنه في فترات سابقة بين 2016 و2019، تحقق فائض في ميزان المدفوعات، لكن الإنفاق العام تم تمويله بخلق دنانير جديدة، مما أدى إلى تضخم الكتلة النقدية مقابل احتياطيات دولارية راكدة.

ويتهم بي السياسة النقدية بأنها تكتفي “بإدارة نتائج السياسة المالية” دون معالجة أصل الاختلال، محذراً من أن “شراء الوقت لا يصبح نجاحاً إلا إذا استخدم لمعالجة أصل الاختلال”.

ويضرب مثلاً بصرف 2000 دولار مخصصات شخصية لنحو أربعة ملايين مواطن، والتي يعاد بيع معظمها في السوق الموازي بربح 30% دون أي جهد، مما يخلق طابوراً من الريع والمضاربة.

انقسام يهدد بتفكيك الدولة

هنا، يتدخل الخبير الاقتصادي محمد أبوسنينة ليكشف النقاب عن آلية صنع القرار في المصرف المركزي، مشيراً إلى أن “النجاح الحقيقي لإدارة مصرف ليبيا المركزي، يكمن في تحويل السياسة النقدية من عبء يثقل الاقتصاد إلى أداة فاعلة لإعادة التوازن”.

ويستذكر أبوسنينة “العصر الذهبي” للمصرف، حيث كانت القرارات تتخذ بتراتبية مؤسسية، وكان المحافظ يتحمل المسؤولية الكاملة، مستشهداً بحادثتين من الثمانينيات والتسعينيات أظهر فيها المحافظ شجاعة نادرة بتحمله المسؤولية عن موظفيه.

لكنه يؤكد أن الانقسام بعد 2014 أضعف وحدة القرار النقدي وسلسلة المساءلة، محملاً المسؤولية لمن يفوضون بصلاحيات دون رقابة.

ويرد عليه رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي، حلمي القماطي، ليؤكد أن جوهر المشكلة لا يرتبط فقط بنوعية القرارات، بل بـ”منظومة الحوكمة التي تنتج القرار وتحدد المسؤولية عنه”.
ويشدد على أن استقلالية المصرف لا تعني استقلال المحافظ عن القانون، بل استقلال المؤسسة في ممارسة اختصاصاتها ضمن إطار قانوني واضح.

حلقة مفرغة من التهرب والريع

ويأتي عضو مجلس إدارة المصرف المركزي سابقاً، امراجع غيث، ليكشف عن الحلقة المفرغة التي يعيشها المواطن، متسائلاً بصريح العبارة: “نسأل شركة الكهرباء لماذا تنقطع؟
الإجابة: الحكومة لم تعطنا ميزانية.
نسأل الحكومة: لماذا لم تعطوهم ميزانية؟
الإجابة: المصرف المركزي قال إيرادات النفط لا تحول كلها.
نسأل المؤسسة: لماذا لا يتم تحويل إيرادات النفط بالكامل؟
تجيب: الحكومة لم تخصص مبالغ لاستيراد المحروقات.
نرجع للحكومة: لماذا لم تخصصي مبالغ لاستيراد المحروقات؟
تجيب: البرلمان معرقل الموافقة على الميزانية.
نسأل البرلمان: لماذا تعرقل اعتماد الميزانية؟ لان حكومة الوحدة منتهية الولاية”.

وهكذا، يدور الجميع في حلقة مفرغة من التهرب، بينما يدفع المواطن الثمن غالياً. ويشير غيث إلى تضخم المخصصات الشخصية التي تصل إلى ثمانية مليارات دولار سنوياً، والتي تستخدم في استيراد غير رسمي، مما يخلق فائضاً وهمياً في الميزان التجاري.

ويوافقه الرأي الخبير إدريس الشريف، محذراً من أن البيانات الرسمية للتجارة تعتمد على الجمارك فقط، متجاهلة النشاط الاقتصادي الهائل خارج السوق الرسمية.

غياب الشفافية.. غياب الدولة

وفي سياق متصل، يوجه الشريف انتقاداً لاذعاً لغياب الناطقين الرسميين، متسائلاً: “أين الناطق الرسمي باسم الحكومة؟ أين المتحدث باسم مجلس النواب؟ أين المتحدث باسم المصرف المركزي؟”.

ويتهم المسؤولين بـ”التعتيم على البيانات والمعلومات، وتعمد ترك الناس فريسة للشائعات”【4†L173】. ويعلق الخبير ميلاد الحويو على ذلك بأن “شفافية التواصل في الأزمات ليست رفاهية، بل هي الخط الأول لحماية السلم الأهلي واستعادة ثقة المواطن في مؤسساته”.

وفي تدوينة أخرى، يسلط الشريف الضوء على مأساة إنسانية إضافية، تتعلق بمشكلة إدارية في مصلحة الجوازات، حيث يُطلب من المواطنين إثبات تطابق ألقابهم مع آبائهم المتوفين منذ عقود، مما يعطل مصالح عشرات الآلاف من الليبيين، بينهم كبار السن والمرضى.

ويتساءل: “لماذا يُحمَّل المواطن تبعات أخطاء وتغييرات إدارية صدرت عن مؤسسات الدولة نفسها؟”

في خضم هذه الأزمات المتشابكة، يظل السؤال الأكبر: هل يمتلك هذا البلد إرادة سياسية قادرة على تجاوز الانقسام، وتفكيك شبكات الريع، واستعادة مؤسسات الدولة ليكون المواطن الليبي في قلب اهتمامها، لا في قائمة ضحاياها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى