ليبيا بين نهب الطاقة وكارثة التعليم .. حكومة الدبيبة تواجه اتهامات بفساد منظم وإهمال متعمد لحقوق المواطن
أزمة اكتظاظ غير مسبوقة تطحن تلاميذ ليبيا.. 60 طفلاً في فصل واحد ومقعد لكل أربعة والمطالبات بإصلاح عاجل للتعليم العام
ليبيا 24
اتهامات بالفساد تعصف بملف الطاقة في ليبيا.. السنوسي إسماعيل يكشف مؤامرة مهربي الديزل لعرقلة مشاريع الشمس والرياح ونهب مليارات الدولارات سنوياً
في مشهد يعكس تناقضاً صارخاً بين ثروات البلاد الهائلة ومستوى معيشة المواطن المكلوم، تصاعدت في الساعات الأخيرة اتهامات خطيرة تطال مؤسسات حكومية فاعلة، مع الكشف عن معطيات رقمية وأرضية تضع الحكومة منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة أمام اختبار جديد للمصداقية، وسط أحاديث عن مؤامرة ممنهجة لحرمان الليبيين من حلول الطاقة النظيفة، إلى جانب كارثة تعليمية تهدد مستقبل أجيال بأكملها.
طاقة مهدرة وفساد مستشري
أعاد المحلل السياسي والمتحدث السابق باسم مجلس الدولة، السنوسي إسماعيل، فتح ملف شائك في تدوينة على منصة التواصل الاجتماعي، اتهم فيها مهربي وقود الديزل بالوقوف خلف عرقلة توطين محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في ليبيا، محملاً المسؤولين في جهاز الطاقات المتجددة جزءاً من المسؤولية في هذه المؤامرة التي وصفها بأنها أصبحت “أمراً مؤكداً” وليست مجرد فرضية.
واستند إسماعيل في اتهاماته إلى أرقام رسمية نسبها إلى المسؤول الإعلامي للمؤسسة الوطنية للنفط، والتي تفيد بأن 60 بالمائة من الوقود المورّد يستهلك في محطات توليد الكهرباء، بكمية تصل إلى 405 آلاف متر مكعب شهرياً، أي ما يعادل 4 ملايين و860 ألف متر مكعب سنوياً، وهي كمية كافية، وفق الحسابات، لإنتاج 14 مليوناً و580 ألف ميغاواط/ساعة، لكن تسجيلات الشركة العامة للكهرباء تناقض هذه الأرقام، مما يشير – بحسب إسماعيل– إلى وجود فساد مترابط بين المؤسسة الوطنية للنفط، وشركة البريقة لتسويق النفط، والشركة العامة للكهرباء، إما بشكل منفرد أو في جبهة موحدة.
حسابات تكشف حجم النهب السنوي
وفي تفصيل دقيق بالأرقام، أوضح إسماعيل أن إنتاج ميغاواط/ساعة واحدة من المحطات الغازية والبخارية المركبة يحتاج إلى 0.3 متر مكعب من الديزل، وعند احتساب متوسط سعر المتر المكعب في حوض المتوسط خلال الأشهر السبعة الماضية، والذي تراوح بين 1200 و1450 دولاراً، مع افتراض تخفيض السعر إلى 1000 دولار فقط، فإن تكلفة إنتاج الكيلوواط/ساعة تصل إلى 30 سنتاً، أي ما يعادل 2.10 دينار ليبي.
وانطلق المحلل في سيناريو افتراضي لتوطين 4000 ميغاواط من الطاقة الشمسية، ليكشف أنها كانت ستنتج 8 ملايين ميغاواط/ساعة، وبذلك تخفض استهلاك الديزل بمقدار 2.4 مليون متر مكعب سنوياً، بقيمة إجمالية تبلغ 2.4 مليار دولار سنوياً، وهي أموال تذهب أدراج الرياح بدلاً من أن توجّه للتنمية.
في المقابل، قدّرت التكلفة التقديرية لتركيب وتشغيل هذه المحطات بحوالي 6 مليارات دولار، قابلة للاسترداد بالكامل خلال أقل من ثلاث سنوات، لتصبح بعدها البلاد تملك طاقة كهربائية نظيفة أثناء النهار بقدرة 4000 ميغاواط، وتوفر على الخزينة ما يزيد على ملياري دولار كل عام يمكن ضخه في مشاريع البنية التحتية والصحة والتعليم.
جهاز الطاقات المتجددة تحت المجهر
في سياق متصل، أشار خبراء في هندسة الطاقة الكهربائية إلى أن جهاز الطاقات المتجددة يتحمل الجزء الأكبر من مسؤولية تعطيل هذه المشاريع، مؤكدين أن التأخير المتعمد في تنفيذ محطات الشمسية يتسبب في هدر وقود سنوي تقدر قيمته بمليارين ونصف المليار دينار ليبي، وهو مبلغ كان يمكن أن يحدث نقلة نوعية في واقع الخدمات، لكنه يبقى رهينة لمصالح ضيقة وجهات تريد استمرار عطش المواطن للكهرباء واستمرار تدفق شحنات الديزل التي تغذي عصابات التهريب.
كارثة التعليم.. فشل حكومي لا يغتفر
وفي قطاع منفصل لكنه يحمل ذات الرسالة حول الإهمال الحكومي، كشف تحقيق ميداني عن أوضاع مزرية في مدارس التعليم الأساسي، حيث يصل عدد التلاميذ في الفصل الواحد إلى 60 تلميذاً، مع وجود أربعة تلاميذ على مقعد دراسي واحد، في مشهد يفقد الأطفال فيه أبسط حقوقهم الإنسانية والتربوية، ويحول الفصول الدراسية إلى مساحات اختناق لا تليق بكرامة الإنسان الليبي.
ويرى متابعون أن هذا الاكتظاظ ليس مجرد عجز لوجستي، بل فضائح سياسية تعكس فشل حكومة الدبيبة في توفير الحد الأدنى من متطلبات التعليم الجيد، خاصة وأن تلاميذ المرحلة الأساسية هم في غالبيتهم أطفال صغار لا ينبغي أن يتركوا في مواجهة هذه الظروف القاسية دون حماية، في وقت تذهب فيه المليارات هدراً في ملفات الطاقة والنفط.
التعليم الخاص ليس بديلاً
وفي قراءة نقدية للواقع، يرى خبراء تربويون أن نقل الأبناء إلى المدارس الخاصة ليس حلاً جذرياً، إذ أن التكاليف الباهظة التي تفرضها هذه المدارس لا تقابلها بالضرورة ميزة نوعية في المخرجات التعليمية مقارنة بالتعليم العام، الذي لا يزال يحتفظ بكفاءات تدريسية عالية وخبرات متراكمة، لكنه يعاني من غياب البيئة الداعمة والبنية التحتية اللائقة.
والأخطر أن الاعتماد على التعليم الخاص يعني نقل العبء المالي من الدولة إلى الأسرة الليبية التي تئل من أزمة معيشية خانقة، وهو ما يزيد من الأعباء الاجتماعية ويعمق الفجوة الطبقية، بينما المطلوب الحقيقي هو إصلاح جذري للتعليم العام، وتوفير فصول دراسية مناسبة، ومقاعد مريحة، وبيئة إنسانية تحفظ للطفل حقه في التعلم والكرامة، بعيداً عن التجييش السياسي واستمرار سياسات التهميش.
خلاصة الموقف
يبدو أن ليبيا تواجه أزمة مركبة، حيث يتقاطع فساد الطاقة مع فشل التعليم، وكأن هناك يداً خفية تعمل على إبقاء المواطن في حالة من التعب والإحباط، بينما تتدفق الأموال العامة في غير وجهتها الصحيحة.
ومع تصاعد الأصوات المطالبة بمحاسبة كل من يعرقل توطين الطاقة الشمسية، وعلى رأسهم جهاز الطاقات المتجددة، ووقف نزيف الوقود، تبقى الأسئلة معلقة حول مدى استعداد السلطة القائمة لتلبية مطالب الشعب الليبي، أو أنها ستواصل طريق الهدر والإهمال حتى آخر رمق من ولايتها المنتهية.



