“من غزة إلى طهران.. سقوط الأسطورة الاستخبارية للكيان ومأزق نتنياهو الذي يجر أمريكا إلى حرب الندم”
من مضيق هرمز إلى دمشق وأنقرة.. خريطة تحالفات جديدة تعيد رسم موازين الشرق الأوسط وتهبط بقيمة الكيان كأصل استراتيجي
ليبيا 24
“وهم الانتصار الأمريكي يتحطم على جدران الفسيفساء الإيرانية.. واشنطن تدفع ثمن استهانتها بعقيدة لا تفهمها”
إيران تصمد والكيان ينهار.. قراءة في دروس لن تفهمها واشنطن أبداً
في مشهد يفضح العجز الأمريكي والعبري على حد سواء، خرجت إيران من اختبار الاغتيال الأكثر دموية في تاريخها الحديث وهي متماسكة أكثر من أي وقت مضى.
فبينما راهنت واشنطن على أن ضرب رأس الدولة وكبار القادة العسكريين سيكفي لطي صفحة النظام الإيراني، أثبتت طهران أن عقيدتها الدفاعية ليست مجرد نظرية، بل واقع ميداني فاجأ كل من ظن أن الحرب الإلكترونية والضربات الجوية قادرة على هزم دولة تعيش حالة حصار منذ أربعة عقود.
ليبيا 24 تقتحم المشهد لتفكيك وهم النصر الأمريكي وتكشف خريطة الفشل التي تتسع يوماً بعد يوم.
حين يتحول الاغتيال إلى فشل مزدوج
ما إن انقشع غبار الضربة الجوية التي اغتالت المرشد الأعلى ووزير الدفاع ورئيس الأركان وقائد القوة البرية في الحرس الثوري، حتى هرعت مراكز الدراسات الغربية لتوزع جوائز النصر على واشنطن قبل أن تدرك أنها وقعت في فخ العقيدة الفسيفسائية.
فهذه الاستراتيجية، التي قسمت إيران إلى مناطق دفاعية لا مركزية، جعلت كل محافظة قادرة على خوض حربها الخاصة حتى في حال انقطاع الاتصال بطهران، مما حول عملية الاغتيال إلى مجرد حدث إعلامي فج.
لم تكتف طهران بذلك، بل كشفت عن هيكل إداري هجين يجمع بين المركزية في القرار واللامركزية في التنفيذ، بحيث يمكن لأي منصب أن يدار من موقع آخر.
فبينما كان المرشد الأعلى يستهدف، كان الرئيس الإيراني يمسك بزمام الأمور مؤقتاً، وعندما كان وزير الخارجية العراقجي يخوض المفاوضات، كان لاريجاني مستشار المرشد يديرها من الخلف.
هذه المرونة الإدارية أثبتت أن اغتيال شخص لا يعني شغور منصبه، بل يعني إعادة توزيع المهام إلى دوائر أخرى، وهو ما أظهر مدى سطحية التقديرات الأمريكية التي ظنت أنها تتعامل مع دولة تقليدية تنهار بفقدان قائدها.
واشنطن بين التهور والجهل بالشرق
لم تكن الضربة الأمريكية مجرد خطأ تكتيكي، بل كانت تجسيداً لحالة جهل استراتيجي بطبيعة شعوب المنطقة. فالإدارة الأمريكية التي تظن أن باستطاعتها إسقاط دولة بحجم إيران بضربة جوية، أثبتت أنها لا تزال تعيش في وهم الهيمنة الذي انتهى منذ عقود.
وحتى حين حاولت التمييز بين التيار المحافظ والإصلاحي كمدخل للتفاوض، أظهرت أن سياساتها تقوم على التقسيم والتفريق بدلاً من الفهم العميق للنسيج الإيراني الذي يتحرك بعقلية مختلفة تماماً.
والأكثر إثارة للشفقة، أن أمريكا التي كانت تتباهى بقدرتها على وقف الملاحة في مضيق هرمز، وجدت نفسها تتساهل في تطبيق الحصار البحري، بينما تتدفق الناقلات عبر الممرات الجنوبية الآمنة بمعدلات تتراوح بين 8 و10 ملايين برميل يومياً.
هذا التناقض الصارخ يعكس حالة تخبط غير مسبوقة، حيث تهدد واشنطن بالعقوبات وتعلن فشل المفاوضات، ثم تكتشف أن النفط لا يزال يمر وأن إيران لم تغلق المضيق بالكامل، في مشهد يفضح أن الطرفين غارقان في موائمة مؤقتة لا ترضي أحداً لكنها ترضي كلاً منهما مؤقتاً.
فشل الخنق الاقتصادي.. عقوبات في مهب الريح
أطلق ترامب حملته العقابية التي وصفها بالمذهلة، مهدداً أي دولة تمد إيران بشريان حياة، ومطارداً مكاتب الصرافة والشركات الوهمية التي تلتفت على العقوبات.
لكن ما يبدو أنه لم يصل إلى وعي صناع القرار في البيت الأبيض أن إيران التي عاشت تحت الحصار لأربعة عقود طورت شبكات مالية موازية تستطيع من خلالها تسيير أمورها دون الحاجة إلى النظام المالي العالمي.
العراق يظل بوابة إيران إلى الأموال، والصين رغم تقليص حصتها تبقى أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، وروسيا تمتلك آلياتها الاقتصادية خارج النظام المالي العالمي. كل هذه العوامل تجعل الحزمة العقابية الأمريكية مجرد أداة دعائية لا أكثر، وهو ما سيثبت فشلها بعد أشهر قليلة، ليعود الجميع إلى مربع التصعيد العسكري الذي لا تستطيع أمريكا تحمل تبعاته الآن بسبب انتخابات الكونغرس ونقص الذخائر والأسلحة الاعتراضية.
الموساد في مهب الريح.. إقالات تفضح كارثة استخبارية
في خضم هذا المشهد، انفجرت فضيحة إقالات نادرة داخل الموساد، حيث أقال المدير الجديد رومان غوفمان رئيس مديرية الاستخبارات ورئيس قسم إيران، في خطوة لم تشهد المؤسسة السرية مثيلاً لها منذ أزمة محاولة اغتيال مشعل.
هذه الإقالات ليست مجرد تغييرات إدارية عابرة، بل وثيقة اعتراف رسمية بفشل استخباري ذريع، حيث أخفق الموساد في تحويل اغتيال كبار المسؤولين الإيرانيين إلى انهيار مؤسسي، وفشل في دعم تحركات داخلية أو تشجيع انشقاقات أو تسليح جماعات كردية لاشتعال انتفاضة واسعة كما راهنوا.
لقد انكشف أن الموساد، بكل أسطورته المزعومة، ليس سوى جهاز يتغذى على الأوهام ويعيش في فقاعة بعيدة عن الواقع الإيراني، وأن المستوى السياسي في الكيان يعاني انفصالاً مرضياً عن قدراته الحقيقية.
الإقالات اليوم هي شهادة وفاة لفكرة أن إسرائيل تستطيع إسقاط إيران من الداخل، وهي اعتراف ضمني بأن كل الرهانات الاستخبارية على إيران كانت مجرد تخمينات عرجاء.
الكيان بين مطرقة العزلة وسندان الانهيار
لم تقتصر الإخفاقات على الميدان الإيراني، بل امتدت إلى كل جبهات الصراع، فما حدث في غزة والضفة وسوريا يكشف أن الكيان يغرق في نفق العزلة الدولية الذي حفرته جرائمه بنفسه.
فالاستراتيجية الإعلامية القائمة على الافتخار بالجرائم في الداخل وإنكارها في الخارج، انقلبت على أصحابها، فتمكن العالم من توثيق الجرائم وتداولها، مما أشعل موجة كراهية شعبية غير مسبوقة في أوروبا، انعكست على كل المستويات.
شهدت صادرات الكيان إلى أوروبا تراجعاً مذهلاً بنسب تراوحت بين 15% و25%، وانخفضت صادرات التكنولوجيا المتقدمة بنسبة 22%، وتراجعت مشاركة المستوطنين في المشاريع الأوروبية الكبرى بنسبة تجاوزت 50%، وشهدت مسابقة الأغنية الأوروبية مقاطعة رسمية من خمس دول، بينما انخفضت أرقام المشاهدة بنسبة 21%.
وفي المقابل، سجلت حوادث العداء ضد المستوطنين في أوروبا ارتفاعاً قياسياً بنسبة 136%، مما دفع 76% منهم إلى إخفاء هويتهم خوفاً على سلامتهم.
أما على صعيد الصورة الذهنية، فقد سجل الكيان تراجعاً بنسبة 6.1% في مؤشر السمعة الدولية، ليبقى في تذييل الترتيب العالمي.
وفي الوقت الذي فشلت فيه إسرائيل في تعويض فقدان أوروبا بالكامل، أصبحت أمريكا الحاضن الوحيد الذي يزداد خناقه، وهنا يبرز السؤال الوجودي الذي يتردد كالرعد في أروقة الكيان: ماذا لو انشغلت أمريكا؟
غزة والضفة.. قنبلة موقوتة في يد المتطرفين
تصريحات الحاخام الأكبر للكيان بأن “الفلسطينيين ليسوا شعباً” وأن الله سيدمر غزة، لم تكن مجرد كلمات عابرة من رجل دين متطرف، بل كانت تجسيداً للعقيدة التي تحرك حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة.
هذه الحكومة التي لا تخفي عنصريتها الدينية، تدفع الأمور نحو حافة الهاوية في الضفة الغربية، حيث حذر رئيس الأركان الإسرائيلي نفسه من أن الأعمال غير القانونية للمستوطنين تزعزع استقرار الرأي العام الفلسطيني وتخرجه من حالة اللامبالاة.
الضفة أصبحت قنبلة موقوتة، والاحتلال يواصل إطلاق عصابات المستوطنين على القرى الفلسطينية في مشهد يذكر بأيام العصابات الصهيونية الأولى.
والنتيجة المتوقعة ليست مجرد انتفاضة ثالثة، بل ردود فعل أوسع لن تتوقف عند حدود التظاهر، لأن الفلسطيني اليوم يدرك أن خيار التعايش مع الاحتلال أصبح مستحيلاً، وأن المواجهة الوجودية قد حانت.
سوريا وتركيا.. تشكيل المعادلة الإقليمية الجديدة
في مشهد يعكس فشل السياسة الإسرائيلية في سوريا، استطاعت دمشق القضاء على التمرد العلوي والتعامل بدهاء مع ملف قسد، بينما فشل الكيان في تنسيق صفوف المعارضة السورية كما راهن.
وبالتزامن، بدأ الجيش السوري إعادة بناء قدراته بعقيدة لا يحبذها العدو وبرعاية تركية واضحة، ما خلق جبهة جديدة في حيز جغرافية يخشاه الكيان بشدة.
تركيا التي تدرك أن الكيان أصل من أصول الولايات المتحدة في المنطقة، تناورت بذكاء بين التهديد والمهادنة، وقدمت نفسها كحليف قادر على تقديم الخدمات لواشنطن بينما تسعى في الخفاء لردع الكيان عن تجاوز خطوطها الحمراء.
والأهم، أن أنقرة تستثمر الفراغ الذي خلفته حرب المحور الإيراني مع أمريكا لتعبئة دورها الإقليمي، بدءاً من اتفاق مكة الذي يعكس اعترافاً سعودياً بتركيا كقوة مؤثرة، وصولاً إلى رفضها جر نفسها إلى حرب مباشرة مع الكيان قبل الأوان.
التحالف الإقليمي.. ضرورة لا رفاهية
ما يجري اليوم يؤكد أن العلاقات بين مصر وتركيا وسوريا يجب أن تتطور إلى تحالف دفاعي وثيق، فالعدو المشترك يفرض التكاتف، ولا يوجد أي تعارض في المصالح بين هذه الدول التي تواجه كياناً استيطانياً لا يعترف بأي حدود.
فالمواجهة القادمة، التي يراها المراقبون ضرورية حتمية، ستكون برية وشرسة وبمشاركة أوسع من أي حرب سابقة.
مصر التي تدرك حجم التحدي، بدأت تقارباً مع تركيا يبعث على الأمل، في وقت تتهاوى فيه الأسطورة الإسرائيلية وتنكشف فيه حدود القوة الأمريكية.
إن قيمة الكيان كأصل أمريكي بدأت تنخفض، وليس فقط تتراجع، بل تنهار أمام أعين العالم، وسيكون على المنطقة أن تستعد لمرحلة جديدة يعيد فيها العرب ترتيب أوراقهم دون انتظار إذن من واشنطن.
الخاتمة.. تراجع استراتيجي أمريكي لا يعترف به
الحرب على إيران، التي بدأتها واشنطن بغطرسة، انتهت باعتراف ضمني بالهزيمة، حيث خرجت طهران من المحنة بتماسك أذهل الجميع، وخرج الكيان من حرب غزة بعزلة دولية تاريخية، وخرجت أمريكا من ملف العقوبات بفضيحة جديدة.
كل هذا يؤكد أن المنطقة التي راهنت واشنطن على إخضاعها بقوة السلاح أصبحت تقرر مصيرها بنفسها.
لم تعد إسرائيل تلك الأداة التي يمكن الاعتماد عليها في أي لحظة، ولم تعد أمريكا قادرة على حماية حلفائها كما كانت تفعل، ولم يعد الفلسطينيون مجرد رقم في معادلة الكيان.
الصورة الكبيرة التي تتشكل اليوم هي صورة تفكك لمشروع الهيمنة الغربية على الشرق الأوسط، ومشهد انكسار للأساطير الاستخبارية والعسكرية التي روّجت لها هوليوود.
واليوم، يقف العرب والمسلمون أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء إقليمهم بعيداً عن الوصاية الأمريكية، مستفيدين من دروس إيران في الصمود، ومن أخطاء واشنطن في التقدير، ومن انكشاف عجز الكيان الذي عاش طويلاً على وهم القوة المطلقة.



