ليبيا

ليبيا تحت نيران الفوضى.. انفجارات تهز مصراتة وصراعات الزاوية تفضح عجز حكومة الدبيبة

الزاوية وصرمان في قفص الاتهام.. المؤسسة الليبية لحقوق الإنسان تحيل ملف جرائم الحرب إلى المحكمة الجنائية الدولية وسط عجز السلطة القضائية الوطنية

ليبيا 24

مصراتة على صفيح ساخن.. انفجار مخازن الذخيرة يكشف كارثة التخزين العشوائي وسط المدنيين وحكومة الدبيبة تواصل صمتها القاتل

في مشهد يعيد إلى الأذهان حجم الكارثة التي تعيشها ليبيا جراء الفوضى الأمنية العارمة، هز انفجار عنيف مساء الجمعة مخزنا للذخيرة داخل مقر ما تسمى “كتيبة الإعصار” بمنطقة الغيران جنوب مصراتة، مما أدى إلى تطاير قذائف وصواريخ في محيط أهلي سكني مأهول بالسكان.

هذا الحادث، الذي وصفه مراقبون بالـ”قنبلة الموقوتة”، لم يكن الأول من نوعه، ولن يكون الأخير، في ظل استمرار سياسة التخزين العشوائي للأسلحة والذخائر وسط المدن والأحياء السكنية، دون أي تحرك جاد من حكومة “الوحدة ” المنتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي باتت عاجزة عن فرض هيبة الدولة وحماية أرواح الليبيين.

كارثة التخزين العشوائي.. خطر داهم يهدد حياة المدنيين

في أول رد فعل على الانفجار، أكد رئيس مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء، طارق لملوم، أن هذه الحادثة “تعيد التذكير بخطر وجود المعسكرات والمخازن العسكرية وسط الأحياء السكنية وبيوت المدنيين”، مشيرا إلى أنها مشكلة ابتليت بها أغلب المدن الليبية.

وأوضح لملوم أن المسؤولية هنا مشتركة، لكنه شدد على أن “حماية أرواح المدنيين يجب أن تكون أولوية، ولا ينبغي أن تبقى الأحياء السكنية محاطة بمواقع عسكرية ومخازن قد تتحول في أي لحظة إلى مصدر خطر على السكان.

من جانبه، عبر سالم كرواد، أحد أعيان مصراتة، عن استغرابه البالغ من استمرار وجود مخازن الذخائر داخل المناطق السكنية رغم المطالبات المتكررة بإبعادها، مشيرا إلى أن “بقاء هذه المواقع يعكس خطراً كامناً يهدد حياة المدنيين، ويجعل وقوع أي انفجار محتملاً في أي وقت.

وأضاف كرواد في تصريح صحفي أن “غضب أهالي مصراتة بلغ ذروته بسبب انتشار السلاح المنفلت دون تحرك حكومي حاسم”، محذرا من أن “الخطر لا يقتصر على المخازن، بل يمتد إلى منازل تضم قذائف وصناديق ذخيرة وأسلحة خفيفة، بما يثير مخاوف السكان اليومية.

وفي سياق متصل، جدد الناطق باسم “المركز الليبي للأعمال المتعلقة بالألغام ومخلفات الحروب”، خالد جبريل، التأكيد على أن “التخزين غير الآمن للذخائر ومخلفات الحرب، خصوصاً قرب الأحياء السكنية، يمثل خطراً دائماً على حياة المدنيين، بسبب ما قد ينجم عنه من انفجارات وحوادث يصعب توقعها.

وأشار جبريل إلى أن حماية المدنيين والحد من مخاطر الذخائر تتطلب تعاون مختلف الجهات المعنية، محملا حكومة الدبيبة المسؤولية الأولى في وضع سلامة المواطنين في مقدمة الأولويات، واتخاذ إجراءات عملية لمنع التخزين العشوائي وإبعاد مصادر الخطر عن التجمعات السكانية.

استجابة شكلية.. والمباحث الجنائية تكلف فرقا للتمشيط

في محاولة لتلميع صورتها المهتزة، أصدرت وزارة الداخلية بحكومة الدبيبة، تعليمات لجهاز المباحث الجنائية بالتحرك إلى موقع الانفجار، حيث كلف رئيس الجهاز، محمود العجيلي، فرقا من قسم التفتيش الأمني وتفكيك المتفجرات بالانتقال إلى مكان الانفجار بمنطقة السكت، لعمليات مسح وتمشيط الأماكن المجاورة وانتشال المخلفات.

غير أن هذه الإجراءات، التي وصفها مراقبون بـ”الشكلية”، لم تكن لتخفي حجم التقصير الكارثي في إدارة ملف الأمن الوطني، خصوصا أن هذه المخازن الفتاكة ظلت لسنوات طويلة عنصرا أساسيا في معادلة النفوذ المسلح التي تغذيها حكومة الدبيبة وأجنحتها العسكرية، على حساب دماء الليبيين وأمنهم.

الزاوية وصرمان.. جرائم حرب تنتظر العدالة الدولية

في تطور موازٍ يكشف عمق الأزمة الأمنية والسياسية في ليبيا، أعلنت المؤسسة الليبية لحقوق الإنسان، إحالة طلب تحقيق إلى مكتب المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية بشأن الاشتباكات الدامية التي شهدتها مدينتا الزاوية وصرمان مؤخرا.

وأشارت المؤسسة إلى أن فرق التقصي والحقائق والرصد والتوثيق لديها، باشرت في جمع المعلومات والأدلة حول ما ترتب على النزاع المسلح من أضرار وخسائر بشرية ومادية في صفوف المدنيين.

وذكرت المؤسسة في بيانها، الذي رصدته “ليبيا 24″، أن “هذا النمط من الهجمات واسعة النطاق والممنهجة على السكان المدنيين قد ترقى إلى مصاف جرائم حرب، مؤكدة أن “السلطات القضائية الوطنية عاجزة وغير قادرة للتحقيق في هذه الجرائم والانتهاكات، في إشارة واضحة إلى فشل المؤسسة القضائية في ليبيا، والتي باتت هي الأخرى رهينة للانقسامات السياسية والولاءات الحزبية.

وأوضحت المؤسسة أن استمرار هذه الانتهاكات في ظل غياب المحاسبة وتفاقم الإفلات من العقاب، يُعرض السكان المدنيين لانتهاكات جسيمة تهدد حياتهم وسلامتهم وكرامتهم الإنسانية.

فوضى السلاح وانهيار الدولة.. ضياع جيل كامل

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الأمني المباشر، بل امتدت لتطال النسيج الاجتماعي والاقتصادي برمته، حيث يدفع الشاب الليبي الثمن الأغلى في هذه المعادلة المريضة. في هذا السياق، قال الخبير القانوني هشام سالم الحاراتي، إن “رأس المال البشري كان المفروض يبني ليبيا، فتحول جزء منه إلى ضحية لفوضى السلاح وثقافة الكسب السريع.

وأرجع الحاراتي ذلك إلى “غياب الدولة عن دورها، وتراجع التعليم، وانحصار فرص العمل، مما يجعل الشاب الليبي أمام طرق مختصرة ظاهرها المال والقوة، وباطنها ضياع العمر والمستقبل.

وفي كلمة مؤثرة تعبر عن حجم المأساة، شدد الحاراتي على أن “الشاب مش مجرد رقم في إحصائية ولا أداة تستخدمها جماعة مسلحة، وإنما هو مواطن له حق في التعليم والعمل والحياة الآمنة والعيش الكريم.

وأضاف محذرا: “ليبيا ما تخسرش فلوس بس ليبيا تخسر كل يوم عقول، وشباب، وسنوات من عمر جيل كامل، وأصعب خسارة هي لما يصبح تدمير الإنسان أسرع من قدرتنا على إنقاذه.

هذه الكلمات تلخص واقعا مريرا تعيشه ملايين الأسر الليبية التي ترى أبناءها يضيعون بين أتون الحروب والصراعات المسلحة، في ظل حكومة عاجزة لا هم لها سوى البقاء في السلطة وتوزيع المغانم.

تحول نوعي في الصراع.. المسيرات تهدد البنية التحتية

في تطور آخر يحمل دلالات خطيرة على مستقبل الصراع في ليبيا، حذر المحلل السياسي الليبي سمير جراي، من أن استخدام المسيرات في الزاوية وانتقال ضرباتها إلى منشآت حيوية مرتبطة بقطاعي النفط والكهرباء، يعد “تطورا نوعيا في طبيعة الصراع الأمني والعسكري في ليبيا.

وأوضح جراي أن المواجهات بدأت تقترب من نمط جديد من الحرب يمكن أن يطاول البنية التحتية والمنشآت التي تمس حياة المواطنين والاقتصاد الوطني مباشرة.

وحذر جراي من أن استمرار استخدام المسيرات للضغط أو الردع أو تصفية الحسابات بين الأطراف المتنافسة قد يوسع دائرة الأهداف مستقبلا لتشمل منشآت النفط والكهرباء والمطارات والموانئ.

 وأرجع ذلك إلى غياب سلطة أمنية وعسكرية موحدة قادرة على ضبط استخدام القوة وفرض خطوط حمراء واضحة، محذرا من أن استمرار التصعيد قد يدفع الأطراف الليبية إلى سباق تسلح جديد في مجال المسيرات.

وأكد جراي أن ما يحدث “ينبغي ألا يُقرأ كحوادث أمنية منفصلة، بل كمؤشر على تحول محتمل في أدوات الصراع الليبي.

من جانبه، رأى المحلل السياسي محمد محفوظ، أن الحديث عن تأثير مباشر على دولة بعينها بشأن الصراع في الزاوية يبدو مبكرا، لكنه شدد على أن استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني في ليبيا “يقلق دول الجوار.

وحذر محفوظ من أن امتلاك مجموعات غير رسمية أسلحة متطورة يرفع منسوب المخاطر، خصوصا مع إمكان انتقال هذه الأسلحة إلى جماعات متطرفة أو جهات تسعى إلى زعزعة الاستقرار.

وأشار إلى أن دول الجوار كان يفترض أن تؤدي دورا أكثر فاعلية في الدفع نحو إنهاء الأزمة، معتبرا أنها “لا تلعب حالياً دوراً فاعلاً” في هذا المسار.

تونس تصف ليبيا بـ”دولة الميليشيات المحتلة”

في إدانة دولية جديدة لسياسات حكومة الدبيبة، وصف النائب بمجلس نواب الشعب التونسي بدر الدين القمودي، ليبيا بأنها “دولة ميليشيات مجزأة ومحتلة من قبل القواعد الأجنبية، مما يصعب الحوار معها لحل أزمة معبر رأس اجدير.

وأضاف القمودي في مقابلة تلفزيونية: “في أي دولتين متجاورتين سيتم إجراء حوار وحلحلة كل الإشكاليات المتعلقة بالمعبر، لكننا نجاور ميليشيات ودولة مُجزأة ومُقسمة”

 وتابع: “نحن نجاور دولة محتلة من قبل القواعد الأجنبية والأطراف التي تضع أيديها على ثروات ليبيا.

وأكد القمودي أن الشعب الليبي مثلما تحرر سابقا من الوجود الاستعماري الإيطالي والإنجليزي، ستأتي اللحظة التي يتحرر فيها من هذا الوجود الأجنبي الذي يغذي اليوم الصراعات داخل ليبيا.

وزاد: “لن تهدأ ليبيا والقواعد والقوات العسكرية الأجنبية التي لا داعي لها موجودة هناك”، مضيفا “إذا قبل الفرقاء الليبيين باستمرار هذا التواجد العسكري الأجنبي فسيظل يغذي الصراعات من أجل التفرد بالسيطرة.

هذه التصريحات تأتي لتؤكد أن تداعيات الفوضى في ليبيا لم تعد محصورة داخل حدودها، بل باتت تهدد أمن واستقرار دول الجوار بأكمله.

غياب المشروع السياسي.. أزمة تلتهم مؤسسات الدولة

في تحليل معمق لأسباب الأزمة، قال مدير مركز ليبيا للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية، أسامة الصيد، إن التحركات والاشتباكات الأخيرة، ولا سيما في الزاوية، تعكس تصاعد التنافس على النفوذ داخل ليبيا، في ظل مخاوف أطراف محلية من تداعيات التفاهمات الإقليمية والدولية على نفوذها السياسي والأمني؟.

وحذر الصيد من أن استمرار حالة الصراع قد يزيد من تفكك المشهد الليبي، بالتزامن مع انتشار الجماعات المسلحة والجريمة العابرة للحدود وتصاعد التحديات الأمنية في مختلف مناطق البلاد.

وأكد الصيد أن الأزمة لا تقتصر على الجانب الأمني، بل ترتبط بغياب مشروع سياسي واضح وسياسة اقتصادية ونفطية وطنية.

وأوضح أن إدارة النفط لا ينبغي أن تقتصر على الاستخراج والتصدير، بل يجب أن تشمل التسويق والتكرير وتنظيم العائدات، بما يضمن عودتها على الاقتصاد الليبي، محذرا من أن غياب هذه السياسة يفتح المجال أمام أطراف خارجية للتحكم في الثروة النفطية.

ودعا الصيد إلى إعادة النظر في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع ليبيا، والانتقال من الشراكة مع الحكام فقط إلى شراكة أوسع مع الشعب الليبي، بما يشمل رجال الأعمال والمهنيين والخبراء والجامعات والقطاع الخاص.

وانتقد الصيد استمرار الغموض في توزيع الصلاحيات بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي وحكومة الدبيبة منتهية الولاية، معتبرا أن هذا التداخل أسهم في تحويل المؤسسات إلى مراكز نفوذ، وأضعف قدرتها على إدارة المرحلة الانتقالية والوصول إلى الانتخابات والاستقرار الدستوري.

كلمة أخيرة.. الوطن للشعب لا للميليشيات

إن ما تعيشه ليبيا اليوم من انفجارات واشتباكات وصراعات مسلحة، ليس سوى ثمرة طبيعية لسياسة التهميش والإقصاء التي تمارسها حكومة الدبيبة وجماعات النفوذ المسلح، التي جعلت من الدولة غنيمة تتقاسمها، ومن الشعب مجرد رهينة في معادلاتها.

إن حادثة مصراتة والاشتباكات في الزاوية وصرمان، ليست سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل من المعاناة الليبية، التي لن تنتهي إلا بطي صفحة حكومة الدبيبة غير الشرعية، وإسقاط كل أشكال التمثيل المسلح، واستعادة الدولة الوطنية الجامعة، التي تحمي المواطن وتصون كرامته وتضمن له حياة كريمة وآمنة.

إن الشعب الليبي، الذي دفع ثمنا باهظا من دمائه وأمواله ومستقبله، يستحق أكثر من هذا الصمت والتخاذل، ويستحق حكومة تضع مصلحته فوق كل اعتبار، وتعمل على إنهاء الفوضى وإعادة بناء الدولة على أسس سليمة من الحرية والعدالة والكرامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى