ليبيا

ليبيا تعلن ولادة سياسية جديدة: اتفاق تاريخي يزيل عقبات الانتخابات ويوحّد المؤسسات

ليبيا تعلن خارطة طريق جديدة لتوحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات خلال 24 شهراً

ليبيا 24

اتفاق طرابلس يفتح بوابة الانتخابات.. ويُسقط آخر عقبات الترشح للرئاسة

في خطوة وصفت بـ”التاريخية” و”المفصلية”، وقّعت الأطراف الليبية المتنازعة اليوم الأحد في العاصمة طرابلس على اتفاق نهائي أنهى سنوات من الجمود السياسي، وفتح الباب على مصراعيه أمام إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية خلال فترة لا تتجاوز العامين.

الاتفاق الذي تم برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، جاء ثمرة جهود مضنية لمجموعة الحوار المصغر “4+4″، التي تمكنت من تجاوز أبرز النقاط الخلافية التي عطلت المسار الانتخابي لسنوات، وفي مقدمتها ملفا مزدوجي الجنسية والعسكريين.

إنجاز ليبي بامتياز ينهي عقدة القوانين الانتخابية

يمثل الاتفاق الموقع اليوم من قبل وفدي القيادة العامة للقوات المسلحة وحكومة الدبيبة منتهية الولاية، بحضور عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني وممثلين عن مجلسي النواب والدولة، نقطة تحول نوعية في المشهد السياسي الليبي.

فقد تم الاتفاق على اعتماد القانون رقم 28 لسنة 2023 كأساس للانتخابات الرئاسية، مع إدخال تعديلات جوهرية على الإطار الدستوري والقانوني، كان أبرزها السماح لمزدوجي الجنسية بالترشح للرئاسة، مع إلزام الفائز بالتخلي عن جنسيته الأخرى قبل أداء اليمين الدستورية، ووضع معالجة قانونية رادعة في حال عدم استيفاء هذا الشرط.

وفي تطور آخر يحمل دلالات بالغة الأهمية، أجاز الاتفاق للعسكريين المشاركة في الانتخابات الرئاسية سواء كمرشحين أو ناخبين، مع وضع أطر تنظيمية دقيقة تضمن حياد المؤسسة العسكرية وعدم تدخلها في العملية الانتخابية.

كما تم إلغاء شرط الجولة الثانية الإلزامية في الانتخابات الرئاسية، بحيث يُكتفى بالجولة الأولى في حال حصول أي من المترشحين على الأغلبية المطلقة (50% زائد واحد)، وهي خطوة تهدف إلى تجنب الإطالة غير المبررة في العملية الانتخابية وتجنيب البلاد تداعيات الفراغ السياسي.

خارطة طريق زمنية واضحة وآليات متابعة صارمة

لم يقتصر الاتفاق على الجوانب القانونية فحسب، بل امتد ليشمل خارطة طريق زمنية واضحة وآليات متابعة صارمة.

فقد تم تحديد مهلة زمنية قصوى لا تتجاوز 24 شهراً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية المتزامنة، على أن تجرى هذه الانتخابات في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة. وفي حال تعذر تحقيق هذا الشرط، تم الاتفاق على آلية بديلة تلزم الأطراف بالعمل مع بعثة الأمم المتحدة لإيجاد الآلية المثلى للوصول إلى الاستحقاق الانتخابي.

كما نص الاتفاق على اعتماد القانون رقم 10 لسنة 2014 كأساس للانتخابات التشريعية، مع السماح للأحزاب السياسية بالمشاركة في كلا الاستحقاقين الرئاسي والتشريعي، ومنح البرلمان المنتخب سلطة معالجة مسائل الدستور الدائم بما في ذلك اعتماده.

وفي بند يحمل رمزية وطنية عميقة، تم الاتفاق على إجراء جلسات مجلس النواب والسلطة التنفيذية دورياً بين المدن الثلاث (طرابلس وبنغازي وسبها) وفق ترتيب ثابت، وهو ما يعكس الحرص على إشراك كافة أقاليم البلاد في العملية السياسية.

ترحيب سياسي واسع ودعوات للتنفيذ

حظي الاتفاق بترحيب سياسي واسع من مختلف الأطراف، حيث أعرب الفريق أول ركن صدام حفتر، القائد العام المكلف للقوات المسلحة، عن ترحيبه بالتوقيع، معتبراً إياه خطوة مهمة نحو إزالة العراقيل التي حالت طويلاً دون تحقيق تطلعات الشعب الليبي.

وقال في بيان له: “لقد بذلت القيادة العامة كل ما في وسعها، وبادرت بإيجابية ومسؤولية للمساهمة في حلحلة الخلافات وتقريب وجهات النظر بين الأطراف، وستظل ثابتة على هدفها في توحيد البلاد ومؤسساتها، وإنهاء حالة الانقسام، والوصول إلى الانتخابات التي يختار من خلالها الليبيون قيادتهم بإرادتهم الحرة.”

وأشاد صدام حفتر بالدور الذي لعبه القائد العام المشير خليفة حفتر في دعم مسار الحوار، مؤكداً أن القيادة العامة لم ولن تدخر جهداً في سبيل تحقيق التوافق الوطني.

وأضاف: “وبهذا التقدم المُحرز في مسار العملية السياسية، لابد من توجيه التحية والتقدير لسيدي القائد العام الذي كان يقف خلف هذه الجهود، وداعم لكل ما يساعد الليبيين للوصول بالبلاد لحالة الاستقرار الدائم. وبعد هذا الاتفاق، لم يعد هناك مبرر لمزيد من التأخير، ولا مكان للمعرقلين أو لمحاولات إعادة البلاد إلى دوائر التعطيل والانقسام.”

من جانبه، رحب رئيس الحكومة المنتهية ولايتها عبدالحميد الدبيبة بالتوقيع، معتبراً إياه خطوة مهمة لإنهاء المراحل الانتقالية والذهاب نحو الانتخابات، معرباً عن أمله في أن يشكل هذا الاتفاق خطوة عملية في الاتجاه الصحيح تحافظ على أولوية الانتخابات.

وقالت مصادر مطلعة إن وفد حكومة الدبيبة وصف الاتفاق بأنه “ليبي-ليبي مفصلي” أحدث اختراقاً في الجمود المستمر منذ عشر سنوات، مؤكداً أن الخصومة السياسية لن تمنع الأطراف من فتح الطريق أمام إيجاد مؤسسات موحدة.

آراء مؤيدة ومعارضة بين النخبة السياسية

عبّر عضو لجنة “4+4” عن القيادة العامة، عبدالرحمن العبار، عن اعتزازه بما تم تحقيقه، مؤكداً أن هذا الاتفاق تم بإرادة رجال عملوا بإرادة وطنية صادقة وأخلصوا النوايا وقدموا تنازلات كبيرة مشتركة تجاوزوا بها كل العقبات والصعاب.

وأضاف في تصريحات صحفية: “هذا الاتفاق لا يمثل الحل النهائي ولكنه خطوة مهمة تُمكنا من الهدف المنشود في إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. كان شعارنا طوال الفترة الماضية أن الوحدة مُربحة وأن الانقسام مكلف للجميع، عملنا بنفس العاقل المنطقي ولم نعمل بتفكير الأحمق العنيد الذي ينطح برأسه كل من يختلف معه.”

وفي السياق ذاته، ثمّن النائب زايد هدية، عضو لجنة “4+4” عن القيادة العامة، الدور الإيجابي والداعم الذي اضطلع به المشير خليفة حفتر تجاه اللجنة منذ انطلاق أعمالها، مؤكداً أن هذا الموقف كان له أثر مهم في الوصول إلى هذه اللحظة.

بينما بارك النائب عصام الجهاني التوقيع، معرباً عن تطلعه لتوحيد مؤسسات الدولة وعلى رأسها الحكومة والجيش الليبي وكافة الأجهزة الأمنية، مشدداً على أن المرحلة المقبلة تقود إلى استقرار وبناء الدولة بشتى مناحيها ورفع الظلم والمعاناة عن المواطن الليبي.

وفي خطوة فاجأت المراقبين، أصدر رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، عقب التوقيع مباشرة، مرسوماً بإعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات برئاسة عماد السايح وسناء سعيد نائباً له، في خطوة وصفت بـ”الاستباقية” التي أثارت جدلاً واسعاً.

واعتبر عضو لجنة الحوار السابق أحمد الشركسي هذه الخطوة “أمراً مضحكاً”، مؤكداً أن قرارات المنفي لا تنفذ ولا تحظى بالاحترام حتى من المحيطين به.

فيما رأى الأكاديمي والناشط السياسي العربي الورفلي أن المنفي يحاول اللعب في الوقت بدل الضائع مستعيناً بالأفكار الجهنمية التي يحملها مستشاره زياد دغيم لإفشال الاتفاق، واصفاً إياه بأنه “بداية النهاية لمجلس الصلافيق”.

المجتمع الدولي يرحب ويدعو للالتزام

من جانبها، رحبت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالتوقيع، معتبرة إياه خطوة مهمة نحو تجاوز المأزق السياسي والمؤسسي الذي أعاق العملية الانتخابية.

وقالت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، في كلمتها خلال مراسم التوقيع: “يمثل توقيع اليوم خطوة مهمة نحو تجاوز المأزق السياسي والمؤسسي الذي أعاق العملية الانتخابية في ليبيا.

ويُظهر هذا الاتفاق ما يمكن تحقيقه عندما ينخرط الليبيون بشكل بنّاء في حوار ويسعون إلى حلول عملية وقابلة للتنفيذ للقضايا العالقة.”

وأضافت تيتيه: “تتمثل المسؤولية الآن في ترجمة هذا الاتفاق إلى إجراءات ملموسة، من خلال اعتماده على المستوى الوطني، وتطبيق الإطار الانتخابي المتفق عليه، ومواصلة الجهود لخلق الظروف المؤسسية والسياسية اللازمة لإجراء انتخابات نزيهة.”

وأشادت البعثة بالجهود الكبيرة التي بذلها وفدا الاجتماع المصغر، مؤكدةً أن التوقيع ليس نهاية العملية السياسية في ليبيا، بل خطوة مهمة تأخذنا للمرحلة التالية.

كما رحبت بعثة الاتحاد الأوروبي والبعثات الدبلوماسية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا بالإعلان عن الاتفاق، معتبرة إياه خطوة هامة نحو توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية نزيهة.

ودعت البعثة في بيان لها مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إلى التفاعل الإيجابي مع نتائج الاجتماع المصغر واتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذها دون تأخير، مؤكدةً دعمها الكامل لجهود بعثة الأمم المتحدة في تيسير عملية سياسية بقيادة ليبية وملكية ليبية حقيقية.

تحديات المرحلة القادمة بين التفاؤل والحذر

ورغم التفاؤل الكبير الذي أبدته الأطراف الموقعة، إلا أن هناك تحديات جمة تنتظر هذا الاتفاق في مرحلة التنفيذ. فمهلة الشهر الواحد الممنوحة لمجلسي النواب والدولة للموافقة على الاتفاق، والتي قد تمثل عقبة في ظل الانقسامات السياسية القائمة، إضافة إلى شرط توحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات الوطنية الذي قد يكون صعب التحقيق في ظل التعددية المؤسسية الحالية.

كما أن إنشاء آلية متابعة لتنفيذ الاتفاق خلال شهر من التوقيع سيكون اختباراً حقيقياً لمدى جدية الأطراف في الالتزام بما تم التوقيع عليه.

ويعتقد المحلل السياسي محمد قشوط أن الاتفاق يحمل نقاطاً إيجابية عديدة، أبرزها السماح للعسكريين ومزدوجي الجنسية بالترشح، وتحديد مهلة زمنية واضحة للانتخابات، وإلغاء شرط الجولة الثانية، وإجراء اجتماعات الحكومة والبرلمان في المدن الثلاث بشكل دوري.

لكنه يشير إلى أن شرط توحيد السلطات التنفيذية والعسكرية والأمنية القائمة حالياً قد يكون العقبة الأكبر في طريق التنفيذ، خاصة في ظل الفوضى المؤسسية التي تعيشها البلاد.

بدوره، أكد عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة أن ما تم الاتفاق عليه اليوم ليس صفقة ولا مبادرة جديدة، بل هو استكمال لأهم خطوتين في خارطة الطريق، مستغرباً أن من يعطّل تنفيذ هذا الاتفاق اليوم هم أنفسهم من شاركوا في وضع القوانين وكانوا جزءاً من الجهة التي انتخبت أعضاء المفوضية.

بينما اعتبر مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، بالقاسم حفتر، أن القيادة العامة أثبتت حرصها الدائم على دعم كل مسار يقود إلى توحيد مؤسسات الدولة وترسيخ الاستقرار، مشدداً على أنه لم يعد أمام الجميع اليوم إلا مسؤولية التنفيذ، فليبيا تستحق أن تتجاوز سنوات الانقسام وتمضي بثبات نحو دولة موحدة مستقرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى