اقتصاد

الدولار يتراجع مؤقتًا.. والسوق الموازية تترقب الضربة التالية

أزمة ثقة تضرب سوق الصرف الليبية.. «المركزي» يضخ المليارات والدولار يعود للصعود

تعود أزمة سعر الصرف في ليبيا إلى واجهة المشهد الاقتصادي مع تراجع الدولار في السوق الموازية بعد موجة ارتفاعات متتالية، وسط حالة من الترقب لدى التجار والمواطنين بشأن مدى قدرة الإجراءات النقدية التي يعلنها مصرف ليبيا المركزي على تحقيق استقرار حقيقي ومستدام في سوق النقد الأجنبي.

ورغم أن انخفاض الدولار يمثل، في ظاهره، مؤشرًا إيجابيًا بالنسبة للمستهلكين والمتعاملين، فإن حالة الحذر لا تزال حاضرة في السوق، بفعل تكرار سيناريو مشابه خلال الفترات الماضية، حيث يعقب الهبوط المؤقت عودة سريعة إلى الارتفاع بمجرد تجدد الطلب على العملة الأجنبية.

وسجل الدولار في السوق الموازية مستويات مرتفعة خلال أغسطس، إذ بلغ 9.12 دينار في تعاملات 17 أغسطس، قبل أن يتحرك لاحقًا في الاتجاه الهابط، فيما تشير بيانات حديثة إلى استمرار التذبذب في السوق الموازية.

يرى متابعون أن المشكلة الأساسية لا تكمن في انخفاض الدولار بحد ذاته، وإنما في قدرة السوق على الحفاظ على هذا الانخفاض لفترة طويلة.

فالتجارب المتكررة أظهرت أن تدخلات النقد الأجنبي قد تدفع الأسعار إلى الهبوط بصورة سريعة، لكن استمرار الأثر يرتبط بمدى انتظام توفير العملة الأجنبية، وسرعة تنفيذ الطلبات، وقدرة المصارف على تلبية احتياجات المواطنين والتجار.

وفي هذا السياق، وصف أحد متابعي السوق الموازية التراجع الأخير بأنه أقرب إلى «بنج موضعي»، في إشارة إلى انخفاض مؤقت قد يخفف الضغط لفترة قصيرة، دون أن يعني بالضرورة معالجة الأسباب التي تقف وراء ارتفاع الدولار.

ويعكس هذا الوصف جانبًا من المزاج السائد لدى المتعاملين، الذين أصبحوا أكثر حذرًا في التعامل مع موجات الانخفاض، خصوصًا مع تكرار عودة الأسعار إلى الارتفاع في فترات سابقة.

تزامن التراجع الأخير مع تداول معلومات بشأن ضخ مليارات الدولارات وتسوية الطلبات المعلقة وتوفير النقد الأجنبي عبر المصارف.

وكان مصرف ليبيا المركزي قد اتخذ خلال الأشهر الماضية خطوات لزيادة إتاحة النقد الأجنبي، من بينها استئناف بيع العملة الأجنبية وضخ 1.6 مليار دولار لتهدئة السوق، بحسب تقارير محلية.

كما أظهرت بيانات مصرف ليبيا المركزي أن السعر الرسمي للدولار بلغ في 30 أغسطس 2026 نحو 6.357 دينار للدولار الواحد، بفارق واضح عن مستويات السوق الموازية، وهو ما يعكس استمرار الفجوة بين السعرين رغم التدخلات والإجراءات المتخذة.

وتكمن المشكلة، وفق قراءة متابعين، في أن ضخ الأموال وحده لا يضمن استقرار السوق إذا لم يصاحبه انتظام في التنفيذ ووضوح في آليات الحصول على العملة الأجنبية.

وتبرز مسألة الطلبات المعلقة باعتبارها أحد الملفات التي تؤثر في ثقة المتعاملين.

وبحسب معلومات متداولة في السوق، لا تزال أجزاء من حجوزات شهر يوليو عالقة، بينما لم تدخل طلبات أغسطس حيز التنفيذ بالمستوى المتوقع، بالتزامن مع اقتراب نهاية الشهر.

كما تتداول معلومات بشأن توقف تنفيذات بعض الطلبات الإلكترونية عند تواريخ سابقة، وهو ما يزيد من حالة عدم اليقين لدى المواطنين والتجار الذين ينتظرون الحصول على النقد الأجنبي عبر القنوات المصرفية.

وفي حال لم تتم معالجة هذه التراكمات بصورة منتظمة، فإن أي انخفاض في السوق الموازية قد يبقى عرضة للانتكاس بمجرد عودة الطلب بقوة.

يرتبط سعر الدولار في السوق الموازية بعوامل متعددة، أبرزها حجم الطلب على النقد الأجنبي، ومدى توفره عبر القنوات الرسمية، والاحتياجات التجارية، وثقة المتعاملين في قدرة المصارف على تلبية طلباتهم.

وتظهر حركة السوق خلال أغسطس حجم هذا التذبذب؛ فقد ارتفع الدولار إلى 9.12 دينار في 17 أغسطس، ثم سجل تراجعًا هامشيًا إلى 9.11 دينار في اليوم التالي، قبل أن يبلغ 9.16 دينار في ختام تعاملات 20 أغسطس، وفق بيانات منشورة عن السوق الموازية.

وتشير هذه التحركات إلى أن السوق لا تتحرك في اتجاه واحد، وإنما تستجيب بسرعة للأخبار المتعلقة بتوفر العملة الأجنبية، والتوقعات بشأن تدخلات المصرف المركزي، ومستوى الطلب الفعلي.

ويحذر متابعون من أن الهبوط السريع للدولار قد يتحول إلى فرصة للمضاربة بدلًا من أن يكون بداية لمسار مستقر.

فمع انخفاض السعر، قد يتجه بعض حائزي الدولار إلى البيع خوفًا من استمرار الهبوط، بينما يستغل بعض التجار هذه الموجة لزيادة مشترياتهم من العملة الأجنبية، قبل إعادة بيعها عند عودة الطلب وارتفاع الأسعار.

وبذلك تتحول حركة السوق إلى دورة متكررة: تدخل نقدي، انخفاض في السعر، زيادة في المبيعات، ارتفاع في المشتريات، ثم عودة الطلب والأسعار إلى الصعود.

الأزمة الحالية تتجاوز مسألة وصول الدولار إلى رقم معين، لتلامس مستوى الثقة بين السوق والمؤسسات النقدية.

فكلما تكررت الإعلانات عن إجراءات جديدة دون أن يشعر المواطن أو التاجر بنتائج مستدامة، تراجعت فاعلية هذه الإعلانات في التأثير على توقعات السوق.

وفي المقابل، فإن استمرار توفر النقد الأجنبي عبر المصارف وانتظام تنفيذ الطلبات يمكن أن يغير سلوك المتعاملين تدريجيًا، ويقلل الحاجة إلى اللجوء للسوق الموازية.

ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن استقرار الدينار لا يمكن أن يتحقق من خلال السياسة النقدية وحدها، في ظل وجود اختلالات مالية واقتصادية أوسع.

ويرى الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي إن الضغط على الدينار مستمر منذ سنوات، وإن الإجراءات النقدية نجحت في بعض الفترات في ضبط السوق الموازية، لكنها عادت للظهور مع غياب سياسة نقدية واضحة ومتكاملة.

وتظل الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية أحد أبرز مؤشرات أزمة النقد الأجنبي في ليبيا.

ففي 30 أغسطس، بلغ متوسط سعر الدولار الرسمي لدى مصرف ليبيا المركزي 6.357 دينار، بينما كانت السوق الموازية تتحرك عند مستويات أعلى بكثير خلال الشهر، ما يعكس استمرار الطلب على العملة خارج القنوات الرسمية.

يشير اتساع الفارق إلى أن السوق لا تزال ترى في القنوات الموازية وسيلة للحصول على العملة الأجنبية في ظل وجود قيود أو تأخير أو صعوبة في الوصول إلى النقد الأجنبي عبر المصارف.

لا تبدو السوق بحاجة إلى تدخلات مؤقتة فقط، بقدر حاجتها إلى آلية مستقرة يمكن للمتعاملين الاعتماد عليها.

وتتمثل أبرز المطالب في انتظام توفير النقد الأجنبي، تسوية الطلبات المتراكمة، وضوح آليات الحجز والتنفيذ، تعزيز الرقابة على استخدام العملة الأجنبية، وتقليص الفجوة بين القنوات الرسمية والموازية.

كما أن استقرار سعر الصرف يرتبط بالبيئة المالية العامة، وحجم الإنفاق، وتوافر السيولة، والتجارة الخارجية، وتدفقات النقد الأجنبي، فضلًا عن مستوى الثقة في المؤسسات الاقتصادية.

يواجه مصرف ليبيا المركزي اختبارًا مهمًا خلال الفترة المقبلة: هل يستطيع تحويل التراجع الحالي للدولار من حركة مؤقتة إلى اتجاه مستقر؟

الإجابة لن تحددها التصريحات أو الأخبار المتعلقة بضخ مليارات الدولارات، وإنما ستحددها قدرة المواطن والتاجر على الحصول على العملة الأجنبية فعليًا وفي الوقت المناسب، واستمرار هذا التوفر دون انقطاعات أو تراكمات جديدة.

فإذا استمرت الطلبات في التنفيذ بصورة منتظمة، وتوفرت العملة الأجنبية عبر المصارف، فقد يتراجع الضغط على السوق الموازية تدريجيًا.

أما إذا عاد التأخير وتراكمت الطلبات من جديد، فإن أي انخفاض في سعر الدولار سيبقى معرضًا للانتكاس مع أول موجة طلب قوية.

وبينما يترقب الليبيون اتجاه الدولار خلال الأيام المقبلة، تبدو الرسالة الأبرز من السوق واضحة: المطلوب ليس انخفاضًا مؤقتًا في سعر الدولار، وإنما استقرار يمكن البناء عليه.

فالسوق الموازية لا تتأثر فقط بحجم النقد الأجنبي الذي يضخه مصرف ليبيا المركزي، وإنما أيضًا بمدى ثقة المتعاملين في استمرار توفره.

ومن هنا، فإن نجاح الإجراءات النقدية لن يقاس بأدنى سعر يسجله الدولار خلال أيام، بل بقدرة المؤسسات المالية على الحفاظ على استقرار السوق، وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وإنهاء ظاهرة الطلبات المتراكمة.

وفي نهاية المطاف، فإن استقرار الدينار الليبي يحتاج إلى معالجة جذور الطلب على العملة الأجنبية، وليس فقط التعامل مع نتائج ارتفاعه؛ وهو ما يجعل المرحلة المقبلة اختبارًا حقيقيًا للسياسة النقدية وقدرتها على الانتقال من التدخلات قصيرة الأجل إلى حلول أكثر استدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى