ليبيا.. الحل أقرب مما نعتقد
ادريس احميد
عندما نتحدث عن الأزمة الليبية، غالبًا ما نضع السياسة في مقدمة الحديث.
لكن ربما تكون أزمتنا أكبر من السياسة.
إنها أزمة في الإنسان، وفي طريقة تفكيرنا، وفي علاقتنا ببعضنا، وفي قدرتنا على الاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة.
كل ليبي يحب ليبيا، لكن كل واحد قد يراها بطريقته، وقد تصبح مصالحه وقناعاته أحيانًا أكبر من المساحة التي تجمعه بالآخر. وهنا تبدأ المشكلة.
فالوطن ليس أرضًا وثروات فقط. الوطن هو الإنسان، والعلم، والعمل، والقانون، والثقافة، والعلاقات بين الناس.
ولهذا، فإن بناء ليبيا يبدأ من بناء الإنسان، ومن البيت الذي يتعلم فيه الطفل كيف يحترم الآخر، وكيف يختلف معه دون أن يكرهه
فالأم والأب لا يربيان أبناءهما بالكلام فقط، بل بما يقولانه عن الناس وبالطريقة التي يتعاملان بها مع من يختلفون معهم.
وربما نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تقريب المسافات.
أن نسمع بعضنا أكثر.
أن نفهم قبل أن نحكم.
أن نختلف دون أن نقطع العلاقة.
وأن نرى الإنسان قبل أن نرى موقفه أو رأيه.
تقريب المسافات لا يعني أن نتفق في كل شيء، بل أن نبحث عن المساحة التي يمكن أن نلتقي فيها. فقد نختلف في الرأي، لكننا نتفق على أن أبناءنا يستحقون مستقبلًا أفضل، وأن بلدنا يستحق الأمن والاستقرار.
الديمقراطية ليست فقط صندوق اقتراع. هي أيضًا أن نقبل اختلاف الآخرين، وأن نحترم حقهم في التفكير والاختيار.
والقانون جزء أساسي من ذلك. قد يبدأ احترام القانون بالخوف من العقوبة، وليس في ذلك عيب، لكن الأهم أن نصل إلى مرحلة نحترمه فيها من تلقاء أنفسنا، لأنه يحمي الجميع.
وهنا يأتي سؤال آخر: ماذا نكتب في وسائل التواصل؟
هل نقرب الناس من بعضهم، أم نزيد المسافة بينهم؟
هل نختلف دون سب أو تخوين؟
هل ننتقد الفكرة دون أن نهاجم الإنسان؟
ربما علينا قبل أن ننشر أي شيء أن نسأل أنفسنا: هل ما أكتبه الآن يساعد ليبيا، أم يزيد أزمتها؟
وقد رأينا في درنة كيف يستطيع الليبيون أن يقفوا معًا عندما يشعرون أن إنسانًا يحتاج إلى إنسان. ظهرت الرحمة والتعاطف والكرم والمساعدة، وتراجعت الخلافات.
فإذا كنا نستطيع أن نكون معًا في أصعب الظروف، فلماذا لا نستطيع أن نكون معًا في الظروف العادية؟
ربما لأننا نبحث أحيانًا عن الحل بعيدًا، بينما هو قريب منا.
الماضي نتعلم منه، ولا نبقى أسرى له. وكل واحد منا يستطيع أن يسأل نفسه: ماذا فعلت؟ ماذا كان يمكن أن أفعل؟ وماذا أستطيع أن أفعل الآن؟
والعمل أيضًا يمكن أن يقرب المسافات. الطبيب والمهندس والمعلم والمثقف والإعلامي ورجل الأعمال والتاجر والعامل، كل واحد يستطيع أن يساهم من مكانه.
فالحياة أوسع من خلافاتنا، ومصالحنا المشتركة يمكن أن تكون أكبر من اختلافاتنا.
وهذا يقودنا إلى السؤال الأهم:
كيف نجعل ما يجمعنا أكبر مما يفرقنا؟
ربما لا توجد إجابة واحدة، ولا طريق قصير.
لكن البداية يمكن أن تكون من الإنسان، ومن الأسرة، ومن المجتمع، ومن القانون، ومن العمل، ومن قدرتنا على أن نرى بعضنا قبل أن نحكم على بعضنا.
فنحن جميعًا في مركب واحد.
قد تختلف آراؤنا، لكن غرق المركب لن ينجو منه أحد.
لذلك، ربما لا نحتاج إلى أن نبحث عن ليبيا بعيدًا عنا. فهي موجودة في قيمنا، وفي قدرتنا على مساعدة بعضنا، وفي أن نحب للآخرين ما نحب لأبنائنا.
نحتاج فقط أن نستعيدها.
فلنقرب المسافات.
فالماضي نتعلم منه، والحاضر نعمل فيه، والمستقبل نصنعه.
ونكتب ولا نمل، لأن ليبيا تستحق أن نحاول.



