ليبيا

إعلامٌ بلا ضمير… كيف تحوّل الإعلام من منصة للحقيقة إلى سوق لتصريف الأزمات وخدمة الممولين؟

إعلام بلا ميثاق... فوضى التمويل تدفع المواطن للبحث عن الحقيقة في المنصات

ليبيا 24

إعلامٌ بلا ميثاق: تحذيرات من فوضى التمويل والاستقطاب في المشهد الإعلامي

في وقتٍ تتصاعد فيه حدة الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، يبرز سؤالٌ وجودي حول دور الإعلام الوطني في هذه المرحلة المفصلية.

لم يعد الأمر مجرد نقاش نخبوي حول جودة المحتوى أو مهنية الأداء، بل تحوّل إلى قضية تتعلق بالأمن القومي والتماسك الاجتماعي، بعد أن كشفت تصريحاتٌ متطابقة من شخصياتٍ سياسية وإعلامية بارزة عن حجم الخلل الذي أصاب المنظومة الإعلامية الليبية منذ عام 2011 وحتى اليوم.

الإعلام… بين التوجيه الأيديولوجي وغياب الحياد

تضع الناشطة السياسية نادية الراشد المشهد الإعلامي المحلي تحت مجهرٍ نقدي لا يرحم، فتصف حالة الإعلام الليبي بأنها “فوضى عارمة”، وتكشف عن “أجندة تعمل وفق أيديولوجية معينة من تيار الإسلام السياسي”، في ظل عالمٍ متقدم يمتلك مقومات المهنية والمعايير والقوانين التي تحترم الخطوط الحمراء.

لا تتوقف الراشد عند هذا الحد، بل تشير إلى “ارتزاقٍ إعلامي يفوق كل الحدود دون أدنى رادع” في دولة تعاني هشاشةً في هياكلها المؤسساتية والإعلامية، وتفتقر إلى ميثاقٍ يحدد ويحترم شرف المهنة الإعلامية أخلاقياً وأدبياً ووظيفياً.

وتصف الراشد هذا الإعلام بالمتدني، مع “جدليةٍ تصل إلى الحضيض باستهلاك شخصياتٍ تعد هي والعدم سواء”، مؤكدةً أن الليبيين “ملّوا وسئموا من هذه الخطابات المتكررة مع نفس الوجوه منذ عام 2011”.

وتذهب إلى أبعد من ذلك، محمّلةً هذا الإعلام مسؤولية “تغذية الصراع بالفوضى والأزمات والفتن والكراهية ورفض أي استقرارٍ لليبيا”.

أزمة الثقة… المواطن بين التضليل والبحث عن الحقيقة

تؤكد الراشد أن هذا الإعلام المتدني “أفقد الثقة بينه وبين المشاهد الليبي”، مما دفع المواطن إلى “البحث عن الحقيقة ومصادرها من خلال منصات التواصل لإدراك الحدث ومتابعة الصحف الدولية ومن يراقب المشهد العالمي لارتباط الأحداث بالواقع المحلي”.

وتقدم نصيحةً صريحة لكل الليبيين: “مقاطعة هذا الإعلام السام، وأن يبحث بنفسه عن إعلامه المفقود ويعي الحقيقة من قنواتٍ أخرى”.

هذا التشخيص يجد صدىً واسعاً في الشارع الليبي، حيث بات المواطن المكلوم يدرك أن الخطاب الإعلامي الموجه إليه لا يهدف إلى تنويره، بل إلى تشكيل وعيه وفق أجنداتٍ ضيقة تخدم مصالح فئاتٍ بعينها، على حساب المصلحة الوطنية العليا.

الزقم: عندما يدخل المال غرفة التحرير

من زاويةٍ تحليلية أعمق، يقدّم الكاتب عبدالعزيز الزقم رؤيةً بنيوية لأزمة الإعلام، فيقول: “لم يعد الإعلام في كثير من الأحيان يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الجهة التي تملك القدرة على تمويلها”.

ويضيف: “حين يدخل المال غرفة التحرير، لا يشتري دائماً الخبر، لكنه يستطيع أن يحدد أي خبر يستحق أن يُرى، وأي صوت يستحق أن يُسمع”.

يرسم الزقم معادلةً دقيقة: “عندما تتحول المصلحة إلى معيار، يصبح صاحب المال صاحب تأثير، ويتحول التأثير إلى رواية، ثم تُقدم الرواية للجمهور باعتبارها الحقيقة”. وهكذا “يفقد الإعلام أهم ما يملكه: استقلاله”.

ويحلل الزقم تأثير الإعلام على المتلقي، فيرى أنه “يعيد تشكيل طريقة استقبال الجمهور للوقائع”، إذ “يقرأ المتلقي الخبر من موقعه السياسي والاجتماعي، فيصدقه إذا وافق قناعته ويحاربه إذا خالفها، حتى يصبح السؤال الأهم ليس «هل هذا صحيح؟» بل «مع من أنت؟»”.

وهنا تكمن الخطورة، فعندما “يصبح الانتماء أقوى من الحقيقة، يستطيع الإنسان أن يجد مبرراً لكل خطأ يرتكبه فريقه، ودليلاً على سوء نية كل من يختلف معه”.

الاستقطاب… عندما يصبح الجمهور أسير ما يريد سماعه

يشير الزقم إلى حلقة مفرغة خطيرة: “الإعلام المنحاز يغذي الانقسام، والانقسام يعيد إنتاج الإعلام المنحاز، حتى يصبح الجمهور أسيراً لما يريد أن يسمعه، لا لما يحتاج إلى معرفته”.

ويضع قاعدةً أخلاقيةً أصيلةً في التعامل مع الرأي والرأي الآخر، مستشهداً بالحديث النبوي “لا تكونوا إمعة”، وبقول أبي بكر الصديق: “فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني”.

ويؤكد الزقم أن “لا أحد يصيب دائماً ولا أحد يخطئ دائماً”، فـ”قد يقول الخصم شيئاً صحيحاً، وقد تخطئ أنت رغم حسن نيتك”. ويخلص إلى أن “العاقل لا يمنح أحداً صكاً دائماً بالصواب”، داعياً إلى إعلامٍ “يستطيع أن ينتقد دون خصومة، ويؤيد دون تبعية؛ إعلام يحكم على الفعل لا على صاحبه، وعلى النتيجة لا على هوية من صنعها”.

الاقتصاد والأمن… عندما تتآكل الطبقة الوسطى ويصبح الخوف بديلاً للقانون

يتناول الزقم البعد الاقتصادي والاجتماعي لأزمة الوعي، فيقول: “المواطن الذي فقد الأمان المالي والاجتماعي يصبح أقل قدرة على التفكير بهدوء، وأكثر قابلية للتعلق بخطاب يمنحه تفسيراً سريعاً لغضبه وخوفه”.

ويحذر من أنه “حين تتآكل الطبقة الوسطى، لا تتراجع القدرة الشرائية فقط؛ يتراجع معها الاستقلال الاجتماعي، ويصبح المال والنفوذ أكثر تأثيراً في القرار العام”.

وفيما يتعلق بالأمن، يفرّق الزقم بين مفهومين جوهريين: “هناك فرق بين هيبة القانون وهيمنة الخوف. القانون يضبط السلوك لأنه واضح وعام، أما الخوف فيضبطه ما دام حاضراً. الأول يبني دولة، والثاني يبني صمتاً”.

التاريخ يعيد الأسئلة ذاتها

يختتم الزقم تحليله بسؤالٍ وجودي: “من يملك السلطة؟ من يملك المال؟ من يملك المعلومة؟ ومن يملك القدرة على التأثير؟” ويجيب: “تتغير الوجوه والأدوات، ويبقى الصراع على النفوذ”.

ويحذر من أن “الكارثة الحقيقية” تكمن في أنه “حين لا يعود السؤال «ما الحقيقة؟»، بل «أي حقيقة تخدم موقفي؟»”.

خلاصة المشهد

ما بين تحذيرات نادية الراشد من “الإعلام السام” الذي يغذي الفتنة ويرفض الاستقرار، وتحليل عبدالعزيز الزقم الذي يفضح آليات التمويل والاستقطاب، يتشكل مشهدٌ إعلاميٌ ليبيٌ مأزوم، يحتاج إلى وقفةٍ وطنيةٍ شاملة. لم يعد الأمر مجرد نقدٍ لبرامج أو قنوات، بل أصبح قضية تتعلق بمستقبل الدولة ومصير المواطن المكلوم الذي يبحث عن الحقيقة في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات وتشابهت فيه الروايات.

والرهان الأكبر يبقى على وعي المواطن نفسه، وقدرته على المقاومة والبحث عن إعلامٍ يستحق ثقته، إعلامٌ يحكم على الفعل لا على صاحبه، وعلى النتيجة لا على هوية من صنعها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى