ليبياليبيا

الدبيبة يكافئ “مشرعن الإرهاب” بمال الليبيين… أسامة الصلابي على رأس هيئة سوق المال في صفقة إخوانية جديدة

من قناة التناصح إلى خزائن الدولة... كيف سلّم الدبيبة مؤسسة رقابية سيادية لرجل الإخوان ومنح الغرياني وجماعته مفتاح الاقتصاد؟

الدبيبة يدفع فاتورة بقائه بالمناصب… الصلابي يترقى من نائب إلى رئيس لهيئة سوق المال والمواطن الليبي يدفع الثمن مرتين

ليبيا 24

صفقة النفوذ تتكشّف… الدبيبة يمنح الإخواني أسامة الصلابي رئاسة هيئة سوق المال ويُدخل “مشرعن الإرهاب” إلى قلب الاقتصاد الليبي

في واحدة من أكثر الخطوات استفزازاً لمشاعر الليبيين، أقدم رئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة، على تكليف الإخواني أسامة الصلابي برئاسة لجنة إدارة هيئة سوق المال الليبي، ليؤكد مرة أخرى أنه لم يعد يحكم بمبدأ الكفاءة ولا بالمعايير المهنية، بل بمنطق واحد لا ثاني له: المناصب مقابل الولاء، والمؤسسات السيادية مقابل البقاء على الكرسي.

هذا القرار ليس ترقية إدارية عابرة، بل هو حلقة جديدة في مسلسل طويل من التمكين الذي يمنحه الدبيبة لتنظيم الإخوان المسلمين داخل مفاصل الدولة الليبية، في وقت يواصل فيه الليبيون البحث عن رواتبهم وعلاج أبنائهم في الخارج، بينما يتقاسم رجال التنظيم خزائن البلاد ومؤسساتها الرقابية واحدة تلو الأخرى.

من قناة التناصح إلى رئاسة هيئة سوق المال… ماذا يتبقى من مؤسسة نظيفة؟

أسامة محمد محمد الصلابي، المولود في بنغازي عام 1967، ليس شخصية اقتصادية ولا مالياً ولا مصرفياً، بل هو رجل دين من التيار الإسلامي، حصل على البكالوريوس من جامعة العلوم بصنعاء، ثم الماجستير في الفقه وأصوله عام 2000، والدكتوراه في الفقه المقارن عام 2003. رجل جاء من منابر الفتوى والتشريع، لا من قاعات التحليل المالي وإدارة المخاطر.

ويُعرف أسامة الصلابي بأنه “مشرعن الإرهاب في ليبيا”، وقد ارتبط اسمه بعلاقة وثيقة بالمفتي المعزول الصادق الغرياني، حيث شارك معه في تقديم برنامج “الإسلام والحياة” عبر قناة “التناصح” المموّلة قطرياً.

وهو الرجل نفسه الذي ارتبط اسمه بفتاوى الغرياني التي حرّمت التجارة مع مدن الشرق، وأفتت بقتل عناصر الجيش، ودعت للتدخل الأجنبي، واستهدفت القبائل والمعارضين السياسيين.

فكيف يُقبل عقلاً أن يترأس رجل بهذا الملف مؤسسة رقابية تُشرف على الأموال والأوراق المالية وأصول المستثمرين وممتلكات الليبيين؟ الجواب بسيط ومؤلم في الوقت ذاته: لأن الدبيبة لا يبحث عن كفاءة، بل عن أداة طيعة تحمي شبكة الإخوان وترصف الطريق أمامهم.

من نائب إلى رئيس… الترقية التي تُفضح النوايا

ولم يأتِ هذا التكليف من فراغ، إذ أصدر مجلس الوزراء في مارس 2023 القرار رقم 173 لسنة 2023، الذي نصّ على تسمية أسامة الصلابي نائباً لرئيس لجنة إدارة هيئة سوق المال الليبي. والآن يترقى من نائب إلى رئيس.

ترقية متدرجة تكشف أن ما يجري ليس تعييناً عشوائياً، بل خطة ممنهجة لإحكام السيطرة الإخوانية على هذه المؤسسة.

وقد يبدو سوق المال الليبي، في وضعه الراهن، محدود التأثير في النشاط الاقتصادي الفعلي مقارنة بالمصارف والقطاع النفطي والمؤسسات العامة الكبرى.

غير أن أهمية هيئة سوق المال لا تُقاس فقط بحجم التداول الفعلي في السوق، بل أيضاً بما تملكه من صلاحيات تنظيمية ورقابية واسعة تشمل تنظيم ومراقبة إصدار الأوراق المالية والتعامل بها، وتنظيم ومراقبة الإفصاح بشكل جوهري ودقيق عن المعلومات الجوهرية اللازمة للمستثمرين والمتعلقة بالإصدارات العامة للأوراق المالية. ويشمل الإطار القانوني للسوق الأسهم والسندات وأدوات الاستثمار المختلفة.

وإذا دخلت ليبيا مستقبلاً مرحلة إعادة هيكلة الشركات العامة، أو توسيع قاعدة ملكيتها، أو طرح حصص منها للاكتتاب العام، أو إنشاء صناديق استثمارية، أو إعادة تفعيل سوق الأوراق المالية، فإن من سيضع يده على هذه الهيئة اليوم سيكون هو من يُقرر مصير مليارات الليبيين غداً. وهذا هو بالضبط ما يخشاه المراقبون.

الاحتواء البراغماتي… كيف يلعب الدبيبة بورقة الانقسام الإخواني؟

من جهته، قال المحلل السياسي خالد الحجازي: إنّ قرار رئيس الحكومة المنتهية ولايتها، عبد الحميد الدبيبة، بتكليف أسامة الصلابي رئيساً للجنة إدارة هيئة سوق المال الليبي، يمكن قراءته من خلال تفكيك ملامح التقاطعات السياسية وأدوارها الوظيفية في بنية المشهد الليبي، وذلك عبر عدة آليات، أبرزها فهم القرار في ظل مشهدية الخلافات مع تنظيم الإخوان المسلمين، الذي تمثله هنا دار الإفتاء.

وأوضح الحجازي أنّ هذا التعيين يمكن اعتباره محاولة من الدبيبة لإعادة هندسة تحالفاته مع تيارات الإسلام السياسي.

وتابع أنّ الدبيبة، رغم وجود توترات وخلافات مع قيادات إخوانية في دار الإفتاء، ممثلة في المفتي المعزول الصادق الغرياني، يميل في الأغلب إلى سياسة “الاحتواء البراغماتي” بدلاً من القطيعة الكاملة.

ولفت الحجازي إلى أنّ تعيين شخصية مثل أسامة الصلابي يمثل رسالة غير مباشرة إلى جناح آخر من الإخوان داخل غرب ليبيا، الأمر الذي قد يساعد الحكومة على ضمان استمرار دعم هذا الجناح، أو تحييده على الأقل، في مواجهة خصومها السياسيين، لا سيّما مع حساسية تلك المرحلة في ليبيا.

ومن ناحية ثانية، أشار الحجازي إلى أنّه يمكن النظر إلى القرار باعتباره اختراقاً لجدارية الإخوان في غرب ليبيا، وتعميقاً للخلاف بين آل الصلابي والغرياني، لا سيّما بعد الخلاف بينهما حول تطورات المشهد الإقليمي في اليمن والموقف من الحوثيين.

وأضاف أنّ الدبيبة ربما يدرك طبيعة المجتمع الليبي وتركيبته القبلية، وبالتالي يرى أنّ عائلة الصلابي تمتلك ظلاً قبلياً يسمح له بهامش مناورة مع مختلف الأطراف، فضلاً عن علاقة علي الصلابي بالمجلس الرئاسي، بعدما تم تعيينه مستشاراً لشؤون المصالحة في المجلس الرئاسي.

وبيّن الحجازي أنّ القرار قد يهدف، في أحد جوانبه المركزية، إلى تقوية جناح “آل الصلابي” بوصفه قوة موازنة لنفوذ دار الإفتاء. ولفت إلى أنّ هذا التكتيك قد يسهم فعلياً في تعميق التباينات داخل هذا المعسكر، بما يمنح الدبيبة مساحة أكبر للمناورة السياسية، ويقلل من قدرة تيار الإسلام السياسي على تشكيل جبهة موحدة ضده.

وفي ما يتعلق بالمدلول السياسي لاعتماد الدبيبة على الإخوان بشكل وظيفي في إدارة تناقضات المشهد السياسي الليبي، أوضح الحجازي أنّ القرار قد لا يُعبّر بالضرورة عن اعتماد كلي على الإخوان، بل يأتي في إطار استراتيجية الدبيبة القائمة على عقد صفقات سياسية وتوزيع المناصب والمكتسبات التنفيذية، بما يضمن بقاء حكومته وتوسيع قاعدة تحالفاته في الغرب الليبي، في ظل حالة الاستقطاب والانقسام المؤسسي، وآفاق المشهد مع الشرق الليبي، بالتزامن مع الاهتمام الدولي بالتوصل إلى حكومة تنفيذية موحدة وتوحيد السلطات والقوة العسكرية.

التسلل إلى الإدارات الوسطى… خطة الإخوان للاستحواذ على أصول الدولة

بدوره، يرى الأكاديمي المتخصص في علم الاقتصاد بجامعة عمر المختار، عاطف الحاسية، أنّ تعيين أسامة الصلابي رئيساً للجنة إدارة هيئة سوق المال الليبي يثير تساؤلات تتجاوز الجانب الإداري البحت للقرار، خصوصاً بالنظر إلى خلفيته السياسية والدينية، وإلى الموقع الذي تتولاه الهيئة ضمن المنظومة الاقتصادية والمالية للدولة.

وقال الحاسية: “أعتقد أنّ وجود أسامة الصلابي ضمن تعيينات عبد الحميد الدبيبة قد يكشف أيضاً عن محاولة من حركة الإخوان المسلمين في ليبيا للتسلل إلى الإدارات الوسطى في مؤسسات الدولة.

وسيكون هناك انتباه كبير إلى هذه العناصر، خصوصاً في ظل وجود تحالف وائتلاف بين جماعة الإخوان وحكومة الوحدة الوطنية، ومحاولتها السيطرة على بعض الشركات العامة وأصولها، واستخدام بعض هذه الشخصيات لتسهيل ورصف الطريق أمام عمليات الاستحواذ تلك، التي ربما تكون سبباً في تعيين أسامة الصلابي في سوق المال الليبي”.

ويضيف الحاسية: “أمّا مسألة الخلاف بين التيارين؛ تيار ما يُسمّى بتيار التأزيم، بقيادة الصادق الغرياني، وتيار محاولة الوصول إلى تسوية سياسية، الذي يقوده علي الصلابي، شقيق أسامة الصلابي، والممثل الحقيقي لتيار الإخوان المسلمين في طرابلس، فأعتقد أنّها تعكس توزيعاً للأدوار بين القوى الإسلامية، بما يضمن الحد الأدنى من عدم الملاحقة في المستقبل على ما ارتكبته هذه الجماعة من تحريض لليبيين على بعضهم بعضاً، والاصطفاف وراء الجماعات الإسلامية المسلحة، وربما الإرهابية في وقت من الأوقات، ولا سيّما خلال الفترة من 2014 إلى 2020”.

عائلة واحدة… موقعان سياديان… وليبيون بلا حكومة

وتتضافر صورة التعيينات الأخيرة لتكشف عن شبكة نفوذ عائلية تمتد عبر مؤسسات الدولة الليبية بشكل مقلق. ففي حين عيّن محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي، علي الصلابي مستشاراً لشؤون المصالحة الوطنية، كان الدبيبة يعيّن شقيقه أسامة الصلابي رئيساً لهيئة سوق المال.

وبذلك يتوزع حضور آل الصلابي على موقعين متوازيين ضمن دوائر النفوذ المرتبطة بالطرفين المتنافسين، الدبيبة والمنفي، في مشهد يؤكد أن المناصب السيادية تُوزّع على أساس الولاءات العائلية والحزبية، لا على أساس الكفاءة الوطنية.

ويشغل علي الصلابي عضوية الأمانة العامة للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وله مبادرات سياسية تهتم بمشروع المصالحة الوطنية. وكشف في أول لقاء إعلامي له بعد تعيينه مستشاراً لرئيس المجلس الرئاسي أنه منذ مدة قد فتح حوارات مع “كل ألوان الطيف الليبي، من باب انتصار خطاب السلم وانتصار خطاب المصالحة الوطنية”.

وفي السياق ذاته، شهدت العلاقة بين علي الصلابي والمفتي المعزول الصادق الغرياني تطورات متلاحقة، إذ طالبه الغرياني خلال لقائهما بضرورة الالتزام في ملف المصالحة بما صدر عن دار إفتائه، مؤكداً أنّ المصالحة لا يمكن أن تنجح إلا إذا اكتست بالضوابط الشرعية.

تحذير من العبث بمقدرات الليبيين

وفي السياق ذاته، لفتت الناشطة السياسية نادية الراشد إلى أنّ تعيين أسامة الصلابي رئيساً للجنة إدارة هيئة سوق المال الليبي يحمل دلالات سياسية تتجاوز الجانب الإداري، خصوصاً في ظل التوترات الأخيرة بين حكومة الدبيبة وبعض دوائر الإسلام السياسي، ولا سيّما ما يتصل منها بدوائر دار الإفتاء.

وتابعت الراشد أنّ هذا القرار يفتح الباب أمام قراءة سياسية مهمة؛ فالدبيبة، حتى مع وجود خلافات مع بعض رموز الإسلام السياسي، يبدو أنه لا يتعامل مع هذا التيار باعتباره كتلة واحدة، وإنما يعيد ترتيب علاقاته مع شخصيات ومراكز النفوذ داخله، وفقاً لحساباته السياسية ومنسوب مصالحه.

وأشارت الراشد إلى أنّ وجود شخصية ذات خلفية إسلامية، وربما تنظيمية، مع تيار الإخوان المسلمين، في رئاسة مؤسسة مالية وتنظيمية مهمة، بعد أن شغل منصب نائب رئيس المؤسسة بقرار صدر خلال شهر مارس من عام 2023، ثم ترقيته إلى رئاسة الهيئة خلال العام الجاري، يطرح تساؤلاً حول الكيفية التي ينظر من خلالها الدبيبة إلى المستقبل، وإلى ملامح دوائر النفوذ والقوة لدى بقية الفاعلين السياسيين.

واختتمت الراشد تصريحاتها بالتحذير من مغبة اللعب بموازين القوة في غرب ليبيا واستغلالها في تمييع الحلول السياسية، بدلاً من العمل على سد الفجوات التي تسهم في إطالة أمد الأزمات واستمرارها بلا نهاية.

حكومة منتهية الولاية… ومؤسسات تُسلّم لتنظيم

والسؤال الذي يجب أن يُطرح بصراحة ووضوح: بأي حق تُتخذ قرارات سيادية بهذا الحجم في حكومة انتهت ولايتها منذ سنوات؟ وبأي صكّ قانوني تُمنح مؤسسة رقابية حساسة لشخصية تنظيمية ارتبط اسمها بأكثر الملفات إثارة للجدل في ليبيا؟

الجواب أن الدبيبة لم يعد يحكم ليبيا، بل يحكم لصالح شبكة تحالفاته: الإخوان يمنحونه الغطاء، والمسلحون يمنحونه القوة، والأموال العامة تدفع الفاتورة. والنتيجة أن الليبي المكلوم يرى مؤسسات وطنه تُقسم كالغنائم، بينما ينتظر هو رغيف خبز ودواءً وفرصة عمل لا تأتي.

إن تسليم هيئة سوق المال الليبي لقيادي إخواني مصنف بأنه “مشرعن الإرهاب” ليس خطأً إدارياً يمكن تصحيحه بمرسوم آخر، بل هو جريمة سياسية بحق شعب عانى سنوات من حكم من لا يستحقونه.

ومن كان بالأمس يُفتي بتحريم التجارة مع مدن كاملة من وطنه، لا يحق له اليوم أن يرأس مؤسسة تُشرف على أموال تلك المدن نفسها. ويكفي الليبي كَلَماً أن يرى من كان يشعل النار في وطنه بالأمس، يتولى اليوم مفاتيح خزانته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى