ليبيا

مفوضية بلا خبرة وبلا شفافية.. كيف يُطلب من الليبيين التسليم بصناديق اقتراع يديرها من لا يعرفون قواعد اللعبة؟

العرفي يكشف: 103 نواب وقّعوا على «4+4» والبرلمان أنجز كل ما طُلب منه.. والعرقلة تأتي من خارج القاعة لا من داخلها

ليبيا 24

«4+4» بين إنجاز تشريعي وعقبة ميدانية: البرلمان ينجز مهمته والعرقلة تأتي من خارج قاعة التصويت

103 نواب وقّعوا.. واللائحة الداخلية تحسم الجدل الإجرائي

في أول ردّ مفصّل على الحملة التي شنتها أطراف سياسية ضد مخرجات الحوار المصغر «4+4»، كشف عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي عن حجم التأييد داخل المجلس المنتخب، مؤكدًا أن 103 نواب وقّعوا على موقفهم المؤيد للاتفاق بأسمائهم وتوقيعاتهم المثبتة أمام أسماءهم، وهو ما يمثل أغلبية واضحة داخل مجلس يضم 200 عضو.

وقال العرفي في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24، إن اللائحة الداخلية لمجلس النواب تنص على اعتماد القرارات إما من خلال التصويت أو عبر التوقيعات المثبتة أمام أسماء النواب، معتبرًا أن هذا الأمر حُسم من الناحية الإجرائية ولم يعد محل جدل.

هذا التوضيح يأتي في ظل حملة تشكيك واسعة قادها المجلس الأعلى للدولة وبعض القوى السياسية، التي سعت إلى تصوير الاتفاق باعتباره «تجاوزًا» للصلاحيات، متجاهلة أن البرلمان المنتخب من الشعب هو الجهة الأولى صاحبة الاختصاص في التشريع وتسمية أعضاء المفوضية.

الجولة الأولى والجنسية: إشكاليات حُسمت لصالح الناخب الليبي

كشف العرفي أن عددًا من الإشكاليات المتعلقة بالقوانين الانتخابية جرى حسمها في إطار مخرجات «4+4»، من بينها مسألة الجولة الأولى، بحيث لا ينتقل المرشح الحاصل على أعلى الأصوات إلى جولة ثانية إذا تجاوزت نسبته خمسين بالمائة زائد واحد من أصوات المقترعين.

هذا الإجراء يقطع الطريق على أي مساعٍ لعرقلة الاستحقاق الانتخابي عبر جولات ثانية مفتوحة على كل الاحتمالات، ويضمن سرعة حسم النتائج واستقرار المؤسسات المنتخبة. كما أشار العرفي إلى أنه جرى حسم مسألة الجنسية، بحيث يتعين على الفائز التخلي عن الجنسية الأخرى قبل أداء اليمين الدستورية.

هذا الشرط، الذي يبدو إجرائيًا للوهلة الأولى، يحمل في عمقه دلالة سياسية واضحة: لا مكان لولاءات مزدوجة في مؤسسات الدولة الليبية، ولا مجال لمن يحمل جنسية أخرى أن يتولى أمانة القسم على وحدة التراب الليبي وسيادته.

العرفي أشار بوضوح إلى أن مجلس النواب، من وجهة نظره، أنجز ما هو مطلوب منه في الجانب التشريعي المرتبط بالانتخابات، ولا سيما فيما يتعلق بتسمية شاغلي المقاعد في مجلس المفوضية واعتمادهم، موضحًا أن الخلاف المتبقي يتعلق بمنصب رئيس المفوضية أو نائب الرئيس، وهو ملف تُرك حسمه للجنة «4+4».

المفوضية: من يحمي صناديق الاقتراع؟

في قلب الخلاف الليبي الراهن يقف ملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وهو الملف الذي كان يمكن أن يشكل فرصة حقيقية لاستعادة ثقة المواطن الليبي في العملية الانتخابية برمتها.

لكن ما يجري، وفق ما يكشفه العرفي، هو عكس ذلك تمامًا. عملية اختيار أعضاء المفوضية، التي جرت من خلال لجنة «4+4»، قوبلت بحملة تشكيك واسعة من المجلس الأعلى للدولة الذي رأى فيها تجاوزًا للأطر الدستورية والقانونية.

لكن السؤال الذي يطرحه العرفي، وإن لم يقله صراحة، هو: من الذي يعطل الاستحقاق الانتخابي؟ هل هو المجلس المنتخب من الشعب، الذي أنجز تشريعاته وسمّى أعضاء المفوضية وفق إجراءات أقرتها لائحته الداخلية؟ أم الجهات التي ترفض كل ما يصدر عن البرلمان وتتمسك بوضع قائم يطيل عمر المرحلة الانتقالية؟ السريري، عضو المجلس الأعلى للدولة، كان قد اعتبر أن عملية اختيار أعضاء المفوضية كانت قد جرت من خلال انتخابات علنية وشفافة، وأن مخرجات «4+4» جاءت خارج الأطر السياسية والقانونية.

لكن العرفي يرد بشكل غير مباشر على هذه الادعاءات بالإشارة إلى أن أي اعتراضات كان يفترض طرحها منذ البداية، لا بعد التصديق على الاتفاق بصيغته النهائية. والأهم أن العرفي يرى أن الجدل المتكرر حول اختيار أعضاء اللجان في مجلسي النواب والدولة قد يُستخدم أحيانًا ذريعة لتعطيل المسار أو إطالته، وهو ما يبدو منطقيًا بالنظر إلى أن كل استحقاق انتخابي يُقابَل بموجة اعتراضات جديدة تُطيل عمر الوضع القائم.

عوائق خارج القاعة: مسلحون ومدن ترفض التفاهمات

في مفارقة بالغة الدلالة، كشف العرفي أن ما يعلن من مواقف وتصريحات لا ينعكس بالضرورة على أرض الواقع، معتبرًا أن شهر أكتوبر كان يفترض أن يشهد خطوات عملية في هذا الاتجاه، إلا أن هناك عوائق تحول دون إحراز تقدم في هذا المسار.

هذه العوائق، وفق العرفي، مرتبطة برفض بعض الأطراف للاتفاق، وأصوات معارضة له، إلى جانب مدن تمتلك تشكيلات مسلحة وترفض هذه التفاهمات، فضلًا عن طرح مقترحات وبدائل للمسار القائم.

هنا يتكشف المشهد الليبي بكل تعقيداته: البرلمان المنتخب ينجز تشريعاته، واللجنة المصغرة توّقع اتفاقها، والمفوضية يُعاد تشكيلها، ثم تأتي العقبة من خارج الصناديق والمؤسسات: مدن بسلاح، وأصوات ترفض كل تفاهم.

العرفي كان قد حذّر في تصريحات سابقة من أن «السلاح المنفلت يعرقل بناء أرضية مستقرة للتفاهمات السياسية»، وهو ما يتجلى اليوم في رفض مدن مسلحة لتفاهمات لم تقرأها حتى. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن بناء دولة على أنقاض رفض مسلح لا يخضع لأي سلطة منتخبة؟

توحيد المرتبات: مطب لا يمكن تأجيله

بعيدًا عن ملف الانتخابات، يثير العرفي قضية تلامس حياة كل مواطن ليبي، وهي توحيد المرتبات. قال في تصريح آخر لـ«سبوتنيك» إن توحيد المرتبات يُعدّ من المطالب التي ينادي بها مجلس النواب، خصوصًا في ظل تزايد الأصوات المطالبة بمعالجة التفاوت الكبير في أجور العاملين في قطاعات الدولة المختلفة.

هذا التفاوت، الذي وصفه العرفي بأنه «انعكس بشكل مباشر على الأوضاع المعيشية للمواطنين»، يتزامن مع أزمة سيولة حادة تعصف بالبلاد، بلغ فيها عرض النقود خارج المصارف نحو 70.4 مليار دينار، أي أن الليبيين يحتفظون بأموالهم «كاش» بعيدًا عن النظام المصرفي، في مؤشر صارخ على فقدان الثقة في المؤسسات المالية للدولة.

وبينما يتحدث المجلس الأعلى للدولة عن جدول موحد للمرتبات يشمل المتقاعدين، يبقى السؤال: من الذي أفقر المواطن الليبي حتى أصبحت رواتب قطاعات كاملة غير قادرة على مسايرة أبسط متطلبات الحياة؟ أليست هذه هي المرحلة الانتقالية التي يدافع عنها البعض ويتمسك ببقائها؟

مرحلة انتقالية بلا نهاية: من المستفيد؟

الخلاف الليبي لم يكن يومًا مجرد خلاف إجرائي بين مؤسسات. إنه خلاف على مصير شعب بأكمله، شعب سُرق منه حقه في التصويت على دستوره، وسُرق منه حقه في انتخاب من يحكمه، وسُرق منه حقه في حياة كريمة.

وفي خضم هذا الخلاف، يظهر العرفي كأحد الأصوات البرلمانية التي تحاول أن تقول إن المجلس المنتخب أنجز ما هو مطلوب منه، وإن العرقلة تأتي من خارج القاعة، من جهات لا تريد لهذا المسار أن يصل إلى نهايته.

103 نواب وقّعوا. اللائحة الداخلية حُسمت. المفوضية شُكّلت. القوانين أُجيزت. ومع ذلك، يبقى المواطن الليبي ينتظر، وتبقى المرحلة الانتقالية تتجدد بأسماء جديدة ووعود جديدة وعراقيل جديدة. والسؤال الذي يطرحه كل ليبي مُكلوم: متى تنتهي المرحلة الانتقالية؟ ومن الذي يريد لها ألا تنتهي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى