ليبيا

بين “بالون اختبار” المجدوب و”مليون مقيم في الظل”..ليبيا تتشظى وحكومة الدبيبة المنتهية ولايتها تتفرج

الفنيش: تحويل ليبيا إلى "فضاء إقامة دائم" يفوق قدرة الدولة المنهارة على الإدارة

ل

اقتحام مقر البعثة الأممية في طرابلس.. الغضب الشعبي يتصاعد ضد “التوطين” و”الفساد”

بين “مليون مقيم في الظل” و”بالون المجدوب”.. كيف تُدار ليبيا وهي بلا دولة؟

في مشهد يختزل مأساة الدولة الليبية المنهارة، تتقاطع أزمة الهجرة المتفاقمة مع مسرحية سياسية جديدة يقودها “المجدوب” من قلب طرابلس، في وقت تتفرج فيه حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية على الكارثة، غير عابئة بمصير المواطن الليبي المكلوم الذي يدفع فاتورة الفشل تارة بالغضب في الشوارع، وتارة أخرى بالعيش في ظل واقع سكاني يتشكل دون إرادته.

الهجرة.. من محطة عبور إلى قنبلة ديموغرافية

يحذر المحلل السياسي حسام الفنيش من أن “قضية الهجرة في ليبيا لم تعد مجرد قوارب تنطلق من الشواطئ باتجاه أوروبا، بل بدأت تتحول إلى قضية تتصل ببنية الدولة وسوق العمل والتركيبة السكانية”.

ويؤكد في تصريحاته أن “ليبيا التي كان يُنظر إليها أساسًا باعتبارها محطة عبور أصبحت بالنسبة لعدد متزايد من المهاجرين فضاءً للإقامة والعمل”، وهو ما تكشفه أرقام المنظمة الدولية للهجرة التي تشير إلى وجود نحو 950 ألف مهاجر في البلاد، بينهم ما يقرب من 80% من النازحين السودانيين الهاربين من لهيب الحرب الأهلية في بلادهم.

ويشير الفنيش إلى أن “تقديرات أممية تشير إلى وجود أعداد كبيرة من المهاجرين في ليبيا، بينهم من يعيشون خارج الأطر القانونية والمؤسسية، وهو ما يجعل الحديث عن المليون المقيمين في الظل يتجاوز مسألة الأرقام إلى سؤال أكبر: هل نحن أمام وجود مؤقت قابل للإدارة، أم أمام واقع سكاني ديموغرافي واقتصادي يتشكل تدريجيًا دون سياسة وطنية واضحة؟”.

من الأمن إلى السياسة.. “التوطين” يشعل الشارع

تبرز الأكثر حساسية في تحليل الفنيش حين ينتقل من دائرة الأمن والهجرة إلى المجال الاجتماعي والسياسي، مع تصاعد الاحتجاجات الرافضة لسياسات التوطين، وهنا يضع النقاط على الحروف بالتمييز بين “تنظيم وجود العمالة الأجنبية وبين تحويل ليبيا إلى فضاء دائم لاستيعاب تدفقات الهجرة التي تعجز أوروبا عن استيعابها”.

وهذا الغضب الشعبي لم يعد خافياً، إذ اقتحم محتجون ليبيون مقر بعثة الأمم المتحدة غربي طرابلس، بعد إغلاق مقر مفوضية اللاجئين بالسواتر الترابية، في مشهد يعكس انعدام الثقة في المؤسسات الدولية.

ويأتي هذا في وقت تؤكد فيه وزارة العمل الليبية أن “لا تشغيل للأجانب دون ترخيص” ورفضها القاطع لأي مشاريع للتوطين، لكن دون رقابة فعلية أو قدرة على فرض سيادة الدولة.

ويخلص الفنيش إلى أن “المشكلة ليست في وجود المهاجرين بحد ذاته، وإنما في غياب الدولة القادرة على تحديد من يدخل ومن يعمل ومن يقيم وتحت أي شروط”، وهو جوهر المأساة التي تعيشها ليبيا منذ أكثر من عقد.

“بالون المجدوب”.. مسرحية سياسية في غياب الدولة

على الجبهة السياسية، يقرأ الفنيش تصريحات المجدوب حول تجميد عمل مجلسي النواب والدولة بحذر شديد، معتبراً إياها “بالون اختبار سياسي” ومحاولة لقياس ردود الفعل أكثر من كونها إعلاناً عن مسار متبلور.

ويشكك في قدرة المجدوب على فرض ترتيبات جديدة على الأرض، نظراً لغياب “حضور مؤسسي واسع أو قاعدة سياسية وشعبية كبيرة أو أدوات عملية”. ويشير الفنيش إلى أن الملف الليبي يتحرك ضمن مسارات أكثر تأثيراً، وفي مقدمتها المسار الأممي والتحرك الأميركي، فضلاً عن أدوار دول إقليمية تمتلك مصالح وأدوات تأثير مباشرة.

ويضيف أن وزن أي مسار موازٍ سيبقى مرتبطاً بمدى قبوله من هذه القوى الفاعلة، ولذلك يصعب التعامل مع تصريحات المجدوب باعتبارها تعكس تحولاً في موازين القوى.

حكومة بلا سيادة.. وشعب بلا حماية

وفي خضم كل هذا، تبقى الحكومة الليبية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي انتهت ولايتها القانونية والأخلاقية، مجرد كيان منعزل يسعى لشرعنة بقائه عبر أدوات المال العام.

ولا يكاد المواطن الليبي يلمس أي حلول حقيقية لأزماته اليومية، بينما تتقاسم الميليشيات والعصابات نفوذها على الأرض تحت سمع وبصر حكومة غير مكتملة الأركان.

إن أولئك الذين أمعنوا في إفقار الليبيين وتخريب مؤسساتهم لا يملكون اليوم أي شرعية أخلاقية للحديث عن حماية الحدود أو حماية المواطن.

لقد أثبتت هذه الحكومة عجزها التام عن إدارة أي ملف سيادي، سواء كان الهجرة أو الأمن أو الاقتصاد، وبات واضحاً أن بقاءها في المشهد لا يخدم سوى أجندات ضيقة، بينما يغرق المواطن الليبي في بحر من المعاناة والتهميش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى